“أنا إن ارتفعت عن الأرض أجذب إليّ الجميع” (يو 12: 20-32)،
بقلم الأخت باسمة الخوري
رأى الفريسيّون أن العالم يتدفّق نحو يسوع المسيح، فها إن اليونانيين يطلبون من تلميذيه، فيلبس الذي من بيت صيدا (1: 44)، وأندراوس، أن يلتقوه، إنهم باكورة البشرية غير اليهودية التي آمنت بالمسيح يسوع. فاليونانيون لم يكونوا بانتظار مسيح ما، ولم يكن اليهود يعترفون بحقّ اليونانيين بالخلاص المنتظر من المسيح الموعود. إن رغبتهم بأن “يروا يسوع” ليست سوى صورة لرغبة الإنسانيّة أن تتعرّف إلى الله وتحصل على الحياة الأبدية.
مجيئهم كان مناسبة لخطاب حول الخلاص الشامل الذي يحقّقه يسوع لكل من ينفتح له. بدأ بمَثَل حبة الحنطة الواحدة التي إن ماتت أعطت حصادًا وافرًا، وانتهى بالاعلان أن المسيح “سيجذب إليه الجميع”.
“أتت الساعة”. إنها ساعة موت يسوع لأجل كلّ البشر. والموت صعب، فلم يجد يسوع سبيلاً لشرحه إلا من خلال مثل يفهمه الجميع: إنه مَثَل حبة القمح. كلّ حبة بمفردها يجب أن تموت لتسمح بالحياة لكثيرين. من دون موت الحبة، لا حصاد… ومن دون موت المسيح لا حياة للبشرية. إن ساعة الموت، هي ساعة القيامة أيضًا، وطريق المجد هو طريق حبة الحنطة، التي تموت لتحيا وتحيي الكثيرين. فالآلام إذًا ليست هدفًا لذاتها، بل مسيرة واجبة لا تُفهم إلاّ من خلال مفاعيلها: الحياة بوفرة. يرتفع يسوع (يُصلب) ليس حبًّا بالألم بل حبًّا بكل الناس لأنه بذلك “يجذب الجميع”.
ويسوع ليس وحده في هذه المسيرة، لأنها أيضًا مسيرة أتباعه الذين يتّحدون به في موته، فيتّحدون به في قيامته أيضًا، ويثمرون بالتالي ثمارًا كثيرة. فما يقوله يسوع عن نفسه ينطبق على تلاميذه أيضًا. فكما أنّ مَن يموت يحيا ويُحيي، فإن “من يبغض نفسه يحفظها”، و”من يحبّ نفسه يهلكها”، لأنّ الحياة الأبديّة هي الشراكة مع الله بالذات، والالتزام بالمسيح بالرغم من صعوبة عيش الصّليب تترافق مع وعد أكيد: “حيث أكون أنا، هناك يكون خادمي” ، من دون تحديد المكان.
عاش يسوع ألم الصّليب بالكامل “اضطربت” نفسه، وتساءل حول ما يجب عليه أن يعمل “ماذا أقول؟”، لكنّه لم يتراجع… “لهذا جئت”، وكأنه يؤكد: لن أطلب النجاة من هذه الساعة، فهي سبب مجيئي إلى هذه الأرض، وسأخرج من التجربة ظافرًا على الموت، وعلى الألم، فيتحقّق فيه مَثَل حبة القمح التي تموت لتعطي ثمرًا كثيرًا. والله حاضر لمن يتحد به: “قد مجدت وأمجّد أيضًا”. الساعة التي أتت بحسب إرادة الآب هي ساعة المجد. طلبَ يسوع أن يتمجّد بها اسم الآب، فكان الجواب تمجيد الابن. لقد بدأت الحقيقة بالظهور الكامل، وبدأت دينونة عالم الظلمات الذي يرفض النور. سيُطرح رئيس هذا العالم خارجًا، فيتم انتصار يسوع عليه وعلى كلّ أعداء البشريّة بشكل نهائي ودائم. صحيح أن يسوع ارتفع على الصّليب، لكنه ارتفع ارتفاع المجد، ممّا يعني أن الصّليب هو عرش مجده وارتفاعه نحو الآب. بالصّليب رَفَع يسوع معه الجميع إليه، فتمّت نبوءة قيافا: “يموت واحد عن الأمّة” (يو 11: 51).
صلاة:
في داخلنا يا ربّ رغبة في التعرّف إليك وفي لقائك، لكنّك إله متطلّب، واتّباعك صعب لأن طريقك هي طريق الصّليب.
نريد أن نتّحد بك، ونغار من تلاميذك الذين يحيون فرح الحياة معك، لكننا نخاف صليبك.
نتساءل حول إمكانية رؤيتك في حياتنا اليومية لكنّنا لا نسعى إلى ذلك جدّيًّا، فالسعي يتطلّب الإلتزام، والإلتزام يخيفنا.
عندك يا ربّ الحياة، لكنك واضح: الحياة الوافرة تمرّ بالموت اليومي. موت عن الذات لربح الذات الحقيقية الدائمة…
أعطنا اليوم أن نقبل بالموت عمّا نظنّه سعادة، لأنه لذّة عابرة لا تشبع رغباتنا.
أعطنا أن نقبل كلمتك، وأن ننفتح على روحك القدّوس القادر وحده على إعطائنا قوّة القرار بأن نكون تلاميذك وحدك،
أعطنا أن ننجذب إليك يا من تريدنا معك حيث أنت، في الفرح الذي لا يزول. آمين
