“اذْهَبا وَقُولا لإِخوَتي أَنْ يَذهبُوا إِلى الجَلِيل، وَهُناكَ يَرَوْنَنِي” (مت ٢٨: ١٠)

بقلم الخوري دانيال الخوري

الكونُ مقدَّسٌ لأنَّ اللهَ خلقَهُ بِكلِمتِه، والأرضُ مبارَكةٌ لأنَّ المسيحَ جالَ في قُراها وأقدامُه داسَت أرضَها. تذكُرُ الأناجيلُ كثيرًا منَ الأماكنِ التي زارَها يسوع: بيت لحم، أورشليم، بيت عنيا، أريحا، الناصرة، كفرناحوم، قانا، قيصرية فيلبس… أمّا اللافِتُ في هذهِ الآيةِ عندَ متّى، فهُوَ هذهِ الدّعوةُ إلى الجَليل.

فالقائمُ منَ الموتِ ضرَبَ موعدًا في الجَليل بعدَ أن ظَنَّ الجميعُ أنّه في مكانِ الموتِ، وأنَّ كلَّ شيءٍ قدِ انتَهى.  وهذا ما قد يحدُثُ لنا أيضًا، “أن لا نعرِفَ في الحاضرِ سوى قبورٍ مختومةٍ، هيَ قبورُ خَيباتِ الأملِ، والمرارَةِ، وعدَمِ الثِّقةِ، وأنَّ لا شيءَ أكيدٌ بشأنِ الغَد، فنغرقَ في الألمِ، والحزنِ، والخطيئةِ، والمرارةِ، والتّعبِ، والعجزِ، والإحباطِ، واللامبالاةِ، والفسادِ، والظُّلمِ، والحربِ، والموتِ، والمرضِ، والكوارثِ، وخيبةِ الأمَل.” في يومِ الفصحِ، لم تبقَ النساءُ جامداتٍ، لا بل “حَمَلْنَ الخبرَ الذي سيغيِّرُ الحياةَ والتّاريخَ إلى الأبد”. لقد “عَبَرْنَ من السّير ِ حزيناتٍ نحوَ القَبرِ إلى الرّكضِ فَرِحاتٍ نحوَ التّلاميذ، لِيَقُلْنَ لهم ليس فقط أنَّ الرّبَّ يسوع قد قامَ من بينِ الأموات، بل وأنَّ هُناكَ هدَفًا يجبُ التّوجُهُ إليهِ مُباشرَةً، وهوَ الجليل”. فما معنى أن يذهبوا إلى الجليل؟

أوّلاً، الجليلُ يعني خُروجَهم من انغلاقِهِم على أَنفُسِهِم في العُلِّيَّةِ والانفتاحِ على الرّسالةِ واستمراريّتها. فالقيامةُ ليسَت نهايةَ الطّريقِ بل هيَ بدايةٌ جديدةٌ.

ثانيًا، الجَليلُ يعني العودةَ إلى الأصولِ، لأنَّ كلَّ شيءٍ بدأَ في الجَليل. هوَ العودةُ إلى النِّعمةِ الأصليّةِ، التي تُحيِي الرّجاء. إنَّ فِصحَ الرّبِّ يدفعُنا لِنُدَحرِجَ الحجرَ عن قبورِنا التي تَحُدُّ مِن رجائِنا، وننظرَ بثقةٍ إلى المستقبل. يُعيدُنا فِصحُ الرّبِّ إلى ماضينا المليءِ بالنّعمةِ، حيثُ اختبرنا محبَّتَهُ، فصارَت لنا نظرةٌ جديدةٌ مضيئةٌ عن أنفسِنا، وعن سِرِّ الحياة.

ثالثًا، الجليل هو الذّاكرة الحيَّة، هو “المكان” الذي نلتقي فيه مع يسوع شخصيًّا، حيث صار شخصًا في حياتي: إلهٌ قريب، يعرفني ويحبّني. إنه مكان الدعوة للقداسة، حيث اختبرت عمل الرّوح القدس، وفرح المغفرة.

رابعًا، الجليلُ هو مكانُ البدايةِ والتّأسيسِ الذي غيّرَ الأشياء. إنَّ القائمَ من بينِ الأمواتِ يدعونا إلى أن نذهبَ إلى هناكَ لِنُقِيمَ الفِصح. أحيانًا يبدأُ الغبارُ يتراكمُ على قلوبِنا، فنختبرُ الحزنَ، وانعدامَ الآفاقِ، ونجدُ حجرًا كبيرًا يختمُ رجاءَنا، لكنَّ قوّةَ القائمِ تدعونا إلى دحرَجَةِ صُخورِ الفَشَلِ وعدَمِ الثِّقَةِ.

أخيرًا، يدعونا يسوعُ إلى لقاءٍ شخصيٍّ معَهُ، ليسَ في الماضي فقط بل في حياتِنا اليوميّة. فالجَليلُ يرمُزُ إلى الحياةِ العاديّةِ التي يقدِّسُها حُضورُهُ. وتُذكِّرُنا هذهِ الآيةُ بأَنَّ لِقاءَنا بالمسيحِ ليسَ حدَثًا ماضِيًا بل خبرةً متجددةً في كلِّ زمانٍ ومكانٍ.

(راجِع عظةَ البابا فرنسيس: “ما معنى الذّهابِ إلى الجَليل؟” عيدَ القيامة 8 نيسان 2023).

Instagram
Copy link
URL has been copied successfully!
WhatsApp