الصّوم مسيرة ارتداد
بقلم المطران بولس الصياح
زمن الصّوم وقفة مميّزة في مسيرة الإنسان المؤمن نحو ربّه. ومن شأن هذه الوقفة أن تمكّن المرء من العودة إلى ذاته وإلى الله وتعميق التواصل معه، والشهادة ليسوع المسيح في الخدمة والعطاء لكل معذب وكل محتاج.
الصوم عودة إلى الذات
في الصوم يغيّر المؤمن من نمط حياته، فيخلق حالة من الوعي الذاتي، يعود إلى الداخل، ويختلي بذاته ليسائل نفسه عن نوعية المسيرة التي يسلكها. إنّها دعوة إلى اليقظة وإلى معرفة أعمق للذات وعيش لحقيقة الدعوة التي دُعيَ إليها فيحقّق ذاته من خلال الالتزام بها. ومن شأن هذه اليقظة، إذا ما اقترنت بالصدق والشجاعة، أن تؤول إلى تغيير يصبح معه الصوم خبرة تدخل المؤمن في زمن النعمة وترسّخ حياته في الله.
الصوم عودة إلى الله
إنّ العودة إلى الذات لا بدّ وأن تؤول إلى ترميم علاقتي مع الله من خلال تكثيف الصلاة، الاختلاء به والتحدّث إليه والاصغاء إلى ما يقوله لي الروح. في الصوم ينظر يسوع إليّ مرّة أخرى، كما نظر يومًا إلى سمعان وأندراوس، ويدعوني من جديد باسمي، ويشدّد عزيمتي، موجّهًا إليّ كلام أشعيا النبي: “لاتخف فإنّي قد افتديتك ودعوتك باسمك، إنّك لي” (أشعيا43: 1). وتترسّخ العلاقة مع الله أكثر من خلال الارتداد الشخصيّ والتوبة وقبول سرّ المصالحة والاتحاد بيسوع في سرّ القربان المقدّس. كما تتحقّق العودة إلى الله أيضًا من خلال قراءة الكتاب المقدّس والتتلمذ له لأنّه “ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، بل بكل كلمة تخرج من فم الله” (متى 4: 4).
الصوم تكثيف للشهادة والخدمة
عندما أعود إلى ذاتي وأتتلمذ ليسوع وأعي حقيقة حضوره في حياتي، بل حياتي أنا فيه، لا يمكنني آنذاك إلا أن أكون شاهدًا لمحبّته وحضوره إلى جانب المعذّب والفقير والمهمّش. ويكون الصوم، بحسب أشعيا النبي مزيّفًا، إذا ما تخلّف الصائم عن خدمة الإنسان: “أليس الصوم الذي فضّلته هو هذا: حلّ قيود الشر… أليس أن تكسر للجائع خبزك وأن تُدخل البائسين المطرودين بيتك. وإذا رأيت العريان أن تكسوه؟..(أشعيا58: 6-7). وفي العهد الجديد، نقرأ على لسان يسوع الجالس على عرش الدينونة للذين عن يمينه: “تعالوا إلي يا مباركي أبي لأني جعت فأطعمتموني وعطشت فسقيتموني… وللذين عن شماله: إليكم عني أيها الملاعين إلى النار الأبدية… لأني جعت فما أطعمتموني، وعطشت فما سقيتموني… وأيما مرة لم تصنعوا هذه لأحد إخوتي هؤلاء الصغار فلي لم تصنعوه.” (متى 25: 34، 46)
الصوم دعوة إلى اليقظة، دعوة إلى التوبة والتجدّد، إنه دعوة إلى تكثيف الصلاة والتتلمذ ليسوع المسيح والدخول في عمق قوة الله العاملة في الإنسان، فيكون الإنسان في خدمة يسوع المسيح في كل معذّب وجائع وخائف ومشرد.
