العناية الإلهيّة: هذا ما يجمع سِفر الخروج بإنجيل متّى
بقلم الخوري د. ميشال صقر
يعتاد القارئ في إنجيل متى على فهم العهد القديم في إطار جديد. فهو الإنجيل الذي كُتب للجماعة المسيحية من أصل يهودي وقد بيّن أنّ يسوع الناصري هو المسيح المنتظَر والموعود به من قِبَل الأنبياء. فقد استعمل متّى عشر مرّات “استشهاد التتميم”، (Citation d’accomplissement) أي الاستشهاد الصريح الذي يتمّم العهد القديم من خلال تكرار هذه الكلمات أو ما شابهها: “هذا كلّه جاء حتى يتمّ ما قيل على لسان النبي”. من خلالها يُبرز متى أنّ الأحداث ليست من نسيج الصدفة أو مُخترَعة من الناس إنّما تتوافق مع الكتب المقدسة التي من خلالها أوحى الله مخطّطه الخلاصي. فالله هو سيّد التاريخ!
إذا قارنّا بين انجيل متى وسفر الخروج لوجدنا أنّ الإلهام الإلهيّ ربط بين هذين السِفرين بطريقة فريدة ومميّزة. فسفر الخروج يحتوي على الحدث الأهم في تاريخ الشعب القديم: الصعود من مصر بواسطة ذراع الرب القويّة. لكن، ما يلفت انتباه القارئ أنّ هذا الخروج كان من دون “وصول”! ينتهي الفصل الأربعون من هذا السفر من دون أن يصل الشعب إلى الأرض التي تدرّ لبنًا وعسلاً. أليست نهاية مخيّبةً للآمال؟
بُنِيَ قارئ سفر الخروج على فكرة التعلّق بالله، الأمين الذي يساعد المؤمن به، شرط إزالة كل الآلهة الوثنية من قلبه. أرض الميعاد الحقيقية هي العلاقة مع الله. فالعلاقة الحقيقية مع الله هي هدف سفر الخروج. عندما تحرّر إسرائيل من الذلّ، أصبح عندها مدعوًّا لعيش حرّية القلب وأن يعتنق العهد مع الرب. وهنا الملتقى الأساسي مع إنجيل متى: هذا الإنجيل الذي ينشر تعليم العناية الإلهية (متى 6: 25- 34) ويسوع العمّانوئيل “الذي هو” (خر 3: 14) حاضرٌ دائمًا في الجماعة الكنسيّة، التي تعترف به إلهًا وحيدًا مخلّصًا وفاديًا. فالله هو أبٌ يحبّ أبناءه، يعرف ما ينقصهم (متى 6: 8) ويعطيهم العطايا الصالحة (متى 7: 11).
سفر الخروج هو سفر تكوين هويّة شعب العهد القديم: ربُّه هو الإله الواحد، ميثاقه هو شريعة الوصايا، وأرضه هي عطيّةٌ من الله تدرّ لبنًا وعسلاً. فهو السفر الأساسي في العهد القديم. وإنجيل متّى: وُضع منذ اللوائح الأولى للعهد الجديد في بداية الكتب القانونيّة لكبر حجمه ولقربه من العهد القديم؛ وقد أبى آباء الكنيسة في القرنين الأوّلين إلاّ أن يجعلوا منه مرجعهم الأساسي في التعليم المسيحي، لأنّه جمّع كلمات الرب يسوع في عظات هي أساس التعاليم المسيحيّة. فهو يصوّر يسوع كموسى الجديد، معطيًا عظات خمسًا بدل كتب الشريعة الخمسة للعهد القديم.
وتبقى كلمات قداسة الحبر الأعظم في إرشاده الرسولي الأول “فرح الإنجيل” تحفر في قلوبنا وتردّد صدى دعوة الله لموسى “إذهب، أنا أرسلُك” (خر 3: 10)؛ فيدعونا قداسته أن نكون كنيسةً في “خروجٍ دائم” إلى ضواحي مدننا (المقطع 20)، خروجٍ من راحتنا وتقوقعنا، لإعلان إنجيل الـ”عمّانوئيل”- الله معنا كل الأيام، الذي يعتني بنا حتى انقضاء الدهر.
