بالمحبّة نحوّل الأرض سماء! 

إنجيل لعازر والغنيّ (لو 16:19-31) – تذكار الموتى

بقلم الإكسرخوس الخوراسقف سيمون فضول – نيجيريا

مقدمة:

هذا الموضوع يحاكي ضمير كلّ واحد منّا؛ فقير يعيش على هامش الحياة ولا يجد ما يقيته وما يقيه برد الشتاء وحرّ الصيف وأوجاع المرض والجوع والبؤس والتشرّد، اسمه لعازر أي الله يعين، رمزٌ للفقير الذي بالرغم من فقره يشكر الله على كل شيء ولا يتأفف من حالته مهما كانت مؤلمة. وغنيّ، لا يعطيه النص اسماً لأنه تماهى بماله، لا يعرف ماذا يفعل بثروة جمعها أو ورثها ويموت من التخمة وقد أعمته خيرات الأرض فلم يعد يرى آلام الآخرين من حوله.

إنها صورة لنهاية إنسان أساء استخدام أمواله، ولبداية آخر عاش فقره بقناعة وبتسليم القلب للربّ. هل في النصّ إدانة للمال والمادة والغنى في ذاته؟ كلا! وهل فيه مديح للفقر والتشرد والمرض والتعاسة؟ بالتأكيد لا!! بل الإدانة هي لكيفية التعامل مع الخيرات المادية من قِبل الغنيّ الذي أغفل محبة القريب وقدّم المادة على الإنسان؛ ولكيفية التعامل مع الفقر من قِبل الفقير الذي قبل وضعه بفرح الروح. لو أنّ الغنيّ رأى من حوله وأشرك المحتاج ببعض الخيرات التي حباه الله، أما كان الربّ طوبّه هو أيضاً؟

يطرح الانجيل مسائل عديدة أتوقف فقط عند اثنتين منها: 1. الخيرات المادية وتأثيرها في حياة المؤمن سلباً وإيجابا؛ و2. المحبّة معيار الخلاص الأول.

  1. الخيرات المادية وتأثيرها في حياة المؤمن سلباً وإيجابا:

تقول العبرة إن أحد الآباء، بعد أن عاش حياة طويلة حقق خلالها الكثير من النجاحات ورزقه الربّ خيرات ماديّة لا تُحصى، دعا ابنه الوحيد إليه وهو على فراش الموت وقال له: “أنت تعرف يا بني أنّ الله وفّقني ولدينا من الخيرات أكثر بكثير من حاجتنا. لديّ وصيّة لك، أترى هذا الصندوق الموضوع هناك؟ فيه جمعت ثروة طائلة؛ اذهب واحمله،” فتقدم الشاب وحمل الصندوق الثقيل، فتابع الوالد: “الآن ضعه فوق رأسك.” حاول الشاب جاهداً فرفعه حتى صدره، فقال والده: “يكفي يا بني، لو أنك وضعته فوق رأسك ماذا كان حل بك؟” قال: “لكان سحقني.” أضاف الوالد: “الآن ضعه أرضاً وقف فوقه.” ففعل. “ماذا حدث الآن؟” “لقد ارتفعت عن الأرض” أجاب الشاب. فقال الوالد: “يا ابني، المال إن أنت وضعته على رأسك سحقك وإن أنت وقفت عليه رفعك، خيرات الأرض هي لنا ولكل المحتاجين حولنا، عِشْ المشاركة.”

في هذه العبرة ما يكفي من المعاني لكي نفهم ما كان يسوع قد حذّرنا منه حين قال: “لا تقدرون أن تعبدوا ربّين الله والمال…” لقد أراد أن يبيّن لنا خطورة سيادة المال، لأن سيادة المال على خدّامه تصل إلى مقارنتها بسيادة الله على خدّامه، فسيادة المال تتعارض تماماً مع سيادة الله، فالذين يسود عليهم المال ويؤمنون بفاعليته وقوته في حياتهم، فيقودهم المال إلى التكبر والابتعاد أكثر عن الله والتغرّب عن إخوتهم البشر. والذين يسود عليهم الله يؤمنون بفاعليته أيضاً وقوته العاملة فيهم فيتكرسون لله ولخدمة القريب رافضين أي سيادة أخرى عليهم؛ فهاتان السيادتان لا يمكن أن يلتقيا لأنهما ضدّان، لذلك فسّرَ لنا المسيح موقف الإنسان منهما قائلاً “لأنه إما أن يُبغض الواحد ويحب الآخر أو يلازم الواحد ويحتقر الآخر” (متى6:24). فالأمر كلّه منوط بموقف الإنسان من المال إذاً وليس بالمال بذاته.

  1. المحبّة معيار الخلاص الأول:

يتحدّث الرب في هذا النصّ عن معيار واحد أساسيّ يعتمده في الحكم على الإنسان يوم يحضر أمامه، وهذا المعيار يُختصَر بمقدار المحبّة التي يعيشها هذا الإنسان، لا تجاه الربّ فحسب بل تجاه أخيه الإنسان الآخر المختلف عنه. وأن تكون المحبّة هي المعيار لا ينتقص بشيء من القيم والفضائل الأخرى التي يريدنا الربّ أن نتحلّى بها مثل التواضع والخفر والعطاء والمغفرة، الخ…. بل المحبّة هي التعبير البهيّ عن كل هذه القيم والفضائل على نحو ما يصفها مار بولس: “المَحبَّة تَصبِر، المَحبَّةُ تَخدُم، ولا تَحسُدُ ولا تَتَباهى ولا تَنتَفِخُ مِنَ الكِبْرِياء، ولا تَفعَلُ ما لَيسَ بِشَريف ولا تَسْعى إِلى مَنفَعَتِها، ولا تَحنَقُ ولا تُبالي بِالسُّوء،  ولا تَفرَحُ بِالظُّلْم، بل تَفرَحُ بِالحَقّ. وهي تَعذِرُ كُلّ شيَء وتُصَدِّقُ كُلّ شَيء وتَرْجو كُلّ شيَء وتَتَحمّلُ كُلّ شَيء.” (1 قورنتس 13: 4-7)

ويتابع بولس الرسول في رسالته إلى فيليبي(3: 19-21) واصفاً بعض المؤمنين الذين أعمتهم شهوة الغنى فانغمسوا في الخيور الزمنية مقدّمين أمور الأرض على أمور السماء فعانوا من الانتفاخ: “عاقِبَتهُمُ الهَلاك وإِلهُهم بَطنُهم ومَجدُهم عَورَتُهم وهَمُّهم أُمورُ الأَرْض. أَمّا نَحنُ فمَوطِنُنا في السَّمَوات ومِنها نَنتَظِرُ مَجيءَ الـمُخلِّصِ الرَّبِّ يسوعَ المسيحِ الَّذي سيُغَيِّرُ هَيئَةَ جَسَدِنا الحَقير فيَجعَلُه على صُورةِ جَسَدِه الـمَجيد بما لَه مِن قُدرَةٍ يُخضِعُ بِها لِنَفْسِه كُلَّ شَيء.”

3.خاتمة:

قد يكون الغني فشل بإقناع ابراهيم بإرسال لعازر ليحذّر إخوته “لأنّ لديهم موسى والأنبياء”، ولكن من المؤكّد أنّ تحذيره وصلنا. ولذلك في تذكار الموتى المؤمنين لا يسعنا سوى أن نفكّر بما سيأتي وما سيكون وبكيفية التعامل مع الأمر عندما تحين الساعة. هل إيماننا صادق من غير تضامن وأفعال محبّة؟ ألا يجدر بنا أن نخطّط لحياتنا على الأرض فنعيشها بالمحبة والرحمة والمغفرة المتبادلة كي تكون لنا حياة في السماء؟! ليست المعجزات ما يعزز الإيمان فينا، بل المحبّة الأخوية، القدرة على تخطي الذات، هي التي تسمح لنا بالالتقاء بالمسيح في كلّ منّا. “فملكوت الله الذي في داخلنا” يدلّ علينا عندما يحبّ بعضنا بعضاً فنغلب الأحقاد بالمحبة، والحرب بالسلام، والغربة عن الربّ بالكشف عند حضوره في داخلنا كوننا هياكل لروحه القدوس، والغضب بالهدوء، والانتفاخ بالقناعة، والموت بالحياة.

يقول القديس أغوسطينوس: “الحبّ يدعونا لنعطي أمور الأرض نفحة السماء”. نفعل ذلك عندما نستعير عيني يسوع لننظر حولنا فنرى الإيجابي والحلو في الحياة وفي الآخر، وأذنيه كي لا نسمع سوى ما يفيد، ولسانه كي لا نقول سوى ما يبني، ويديه كي نبني عالم الروح وسط ماديّة متمادية، ورجليه كي نسير دروب الحياة بثبات وأمانة ملتمسين حضوره الدائم معنا وفينا هو الطريق والحقّ والحياة، له المجد إلى الأبد. آمين!

Instagram
Copy link
URL has been copied successfully!
WhatsApp