علامات الأزمنة… وعلامات الموت!
بقلم الخوري جوزف سلوم
اختار الربّ حزقيال الكاهن ليكون من الأنبياء الأربعة الكبار، هو نبيّ الرجاء الذي وجد ذاته بين المسبيين إلى بابل يختبر انفتاح السماوات وهو في وادي ظلال الموت. هو راعٍ يحافظ على شعبه، ورقيبٌ يحذّرهم من الخطر، يكشف إرادة الربّ التي ترفض موت شعبه ورغبته أن يُخرجه من منفاه، من ذاك الوادي المفتوح، من مثوى الأموات، من أعماق القبور، من قلب هذا الحقل الذي فيه مقبرة جماعية؛ فقال: إنّي لسامعُ الضجيج الشديد، ضجيج تلك العظام اليابسة أثناء بحثها عن بعضها، عظام بلا روح ولا عصب ولا لحم ولا جلد وهي متباعدة. إنّي لسامعُ تلك النبوءة بها والدعوة لتُسمع كلمة الله “هاءنذا أفتح قبوركم، وأُصعدكم يا شعبي…إنّي أُدخِل فيكم روحًا فتحيوْن… وتعلمون إنّي أنا الربّ” (حزقيال 37).
روح الربِّ، روح الحبّ والقداسة، هذا الروح المحيي، سوف يمسح كلمة الربّ ويرسلها إلى كلّ العظام التي مضى عليها زمن طويل في العدم وغياب الحياة والاحساس، فهي كثيرة جداً ويابسة جداً، يرسلها ليُخرجها من بقعة الموت إلى واحات الحياة.
وفي زمننا الحاضر، إنّي قارئ علامات الأزمنة، ومعاين علامات الموت ويَباس العظام:
– إنّي أشاهد ظاهرة موت سريري على مستوى الحياة الروحية بسبب مرض اللامبالاة، والجفاف الروحي، والأخطر في تلك الميتات موت الضمير وغيابه وانفصاله وعدم تفاعله مع الشريعة الإلهية والكنيسة.
– والموت يتسرّب إلى أعماق قلب الإنسان فيجري فيه موت المشاعر، والإحساس والعاطفة والرحمة، إن قلوب البشر أضحت مغلقة ولا حياة فيها.
– والعظام تتقارب في القبور أمّا بني البشر فيبتعدون، بسبب موت المحبة والعدل والغفران، وروح المقاطعة، فإنهم في نزول وانحدار إلى مثوى الأموات.
– والإنسان ينغمس في المخدرات والكحول والمقامرة وشهوات الجسد، طريقِ الفراغ إلى التبعية والعبودية والموت: إنّها أعداء الحياة.
– وعظام كوكبنا يبست من الطمع والجشع والغش والفساد والكذب والغيرة والحسد والكراهية، بسبب الخطيئة والابتعاد عن الله.
– وشوكة الموت وغلبَته تحصد بشراً قيَّدتهم العادات والتقاليد والانغلاق في دائرتها، بعيدًا عن روح الانفتاح والتجدّد من دون المسِّ بالهوية والجذور والأصالة.
إيَّاك يا أيُّها الإنسان، أن تدفن الشجاعة في قبرك، وتحصدك أفكار وهواجس القلق والخوف والريبة واللاثقة. وعندما تعلو الصيْحة وتعرف أنَّك في تلك الساعة التي اقتربَت، قد تلفّك ضبابية الحزن والتشاؤم، وتغيب أيام العرس والفرح من ديارك وتموت فيك فضيلة الرجاء والصبر والقدرة على احتمال تحديّات الحياة؛ وقد تدعوك الحياة إلى أخذ أقصى درجات الحذر كي لا تقع فريسة ظلام القبور، عنيْتُ بها الفردانية والأنانية وعبادة الذات.
والسؤال يبقى: أتحيا هذه العظام؟
تعال يا سيّدي، إلى هذه البقعة وتنبّأ على هذه العظام اليابسة، أسمِعها كلمتك، إفتح قبورنا وأصعدنا واجعل روحك فينا فنحيا، ونعرف أنّك أنت إلهنا، أنت سيّد الحياة ومعطيها الوفرة.
