محاضرة للمونسنيور رافايل طرابلسي،

النائب الأسقفيّ العام في أبرشيّة بيروت الكلدانيّة،

“لأنّكم تعرفون حقَّ المعرِفة أنَّ يومَ الرّبِّ يأتي كالسّارق في الليل” (1 تس 1:5-11)

بِاسم الآب والابن والرُّوح القدس، الإله الواحد، آمين.

النصّ الإنجيليّ:

“أَمَّا الأَزمِنَةُ والأَوقات فلا حاجةَ بِكُم، أَيُّها الإِخوَة، أَن يُكتَبَ إِلَيكُم فيها، لِأَنَّكم تَعرِفونَ حَقَّ المعرِفَة أَنَّ يَومَ الرَّبِّ يَأتي كَالسَّارِقِ في اللَّيل. فحِينَ يَقولُ النَّاس: سَلامٌ وأَمان، يأخُذُهمُ الهَلاكُ بَغتَةً كما يأخُذُ المَخاضُ الحامِلَ بَغتَةً، فلا يَستَطيعونَ النَّجاة. أَمَّا أَنتُم، أَيُّها الإِخوَة، فلَستُم في الظُّلُماتِ حتَّى يُفاجِئَكم ذٰلِك اليَومُ مُفاجَأةَ السَّارِق، لِأَنَّكم جَميعًا أَبناءُ النُّورِ وأَبناءُ النَّهار. لَسْنا نَحنُ مِنَ اللَّيلِ ولا مِنَ الظُّلُمات. فلا نَنامَنَّ كما يَفعَلُ سائِرُ النَّاس، بل علَينا أَن نَسهَرَ ونَحنُ صاحون. فالَّذينَ يَنامونَ إِنَّما هم في اللَّيلِ يَنامون، والَّذينَ يَسكَرونَ إِنَّما هم في اللَّيلِ يَسكَرون. أَمَّا نَحنُ أَبناءَ النَّهار فلْنَكُنْ صاحِين، لابِسِينَ دِرْعَ الإِيمانِ والـمَحبَّةِ وخُوذَةَ رَجاءِ الخَلاص، لِأَنَّ اللهَ لم يَجعَلْنا لِلغَضَب، بل لِلحُصولِ على الخَلاصِ بِرَبِّنا يسوعَ المسيحِ، الَّذي ماتَ مِن أَجْلِنا لِنَحْيا معًا مُتَّحِدِينَ بِه، أَساهِرينَ كُنَّا أَم نائِمِين. فلْيُشَدِّدْ بَعضُكُم بَعضًا ولْيَبْنِ أَحَدُكُمُ الآخَرَ كما تَفعَلون.”

التأمّل في النّص الإنجيليّ:

بدايةً، أريدُ أن أُعبِّرَ عن سعادتي بأن أكون مَعَكُم في هذه اللَّيلةِ الـمُبارَكة الباردة؛ كما أريدُ أن أَشكُرَ كلَّ الأشخاصِ الّذينَ يَعمَلون في هذه المؤسَّسةِ الـمُبارَكة، أي في هذه الجماعة، وخاصّةً السَّيدة جانيت الهبر. إنَّ رسالةَ هذه الجماعةِ مُهمَّةٌ في عَصرِنا اليوم، في هذا العَصرِ الماديّ الّذي يدفعُ الإنسانَ إلى الابتعادِ عن الإيمانِ والصّلاة. إنَّ عَصرَنا اليوم يُهمِلُ الأحياء، فَكَم بالأحرى الرَّاقدين والصّلاةَ من أجلِهم! هنا، يَظهر جَوهرُ هذه الجماعةِ في الكنيسة، إذ يُذكِّرُنا وجودُها بالشَّراكةِ القائمةِ بين الكنيسةِ المجاهدة على هذه الأرض والكنيسةِ الممجَّدة في السَّماء، أي بين الأحياءِ والأموات، خصوصًا ونحن على أبوابِ الصَّومِ الأربعينيّ. 

إنَّ جماعةَ “أُذكرني في ملكوتِكَ”، لا تُصلِّي فقط مِن أجل الرَّاقدين، بل هي تقومُ أيضًا بِرِسالةٍ مُهِمَّةٍ مع العائلاتِ والأفراد الّذين فَقَدوا أعزَّاءَ على قُلوبِهم، مِن خِلال مُواكبَتِهم روحيًّا ونَفسيًّا. في بدايةِ لقائِنا اليوم، نَرفعُ صلاتَنا مِن أجلِ جماعةِ “أُذكرني في ملكوتك”، وخاصَّةً المسؤولِين عن هذه التَّنشئة، كما نُصلِّي من أجلِ أمواتِنا الرَّاقدين كي يكونوا في مكانٍ نَيِّرٍ ونَضِرٍ، في مكانِ الرَّاحة الأبديّة؛ ونُصلِّي أيضًا من أجلِنا نحن الأحياءَ الّذين نُشاهِد هذه التَّنشئةَ ونُشارِك فيها؛ ونُصلِّي أخيرًا من أجلِ كلِّ الّذينَ يَعمَلون في جماعةِ “أُذكرني في ملكوتِكَ” حاضِرينَ كانوا معنا اليوم أم غائبين، كي يكونوا على استعدادٍ دائمٍ لِلِقاء الربّ، خصوصًا في زمنِ الصَّوم هذا، زمنِ التَّرقُّبِ، زمنِ الخَتَن، زمنِ انتظارِ العروس، زمنِ انتظارِ الربِّ الّذي سوف يأتي لِيُجازي الأحياءَ والأموات. 

إنَّ زمنَ الصَّومِ، هو بامتيازٍ زمنُ الانتظارِ والتَّرقُبِ لِمَجيءِ الربِّ الّذي سَيأتي كالخَتنِ في نِصف اللَّيل. لذا، نُصلِّي معًا إلى الربِّ الّذي سَوف يَأتي ليَدينَ الأحياء، واضِعِينَ أمامَه جماعةَ “أُذكرني في ملكوتِكَ” الحاضِرين والغائِبِين؛ ونُصلِّي أيضًا من أجلِ كلِّ الأشخاصِ الّذينَ يُشاركونَ معنا اليومَ في هذه التَّنشئة، ونُصلِّي أيضًا من أجلِ كلِّ الأشخاصِ الّذين يُقدِّمونَ من صحَّتِهم وأموالِهم وتَعَبِهِم مِن أجلِ استمرارِ رسالةِ هذه الجماعةِ وانتشارِها في لبنانَ والعالمِ كلِّه، ألا وهي ثقافةُ الصّلاةِ من أجل الرَّاقدين وعَيشُ الشَّراكةِ الكامِلَةِ مَعهم. 

نرفَعُ إلى الربِّ كلَّ الّذين ذَكرناهم في صلاتِنا؛ ونسألُه لأمواتِنا مغفرةَ الخطايا والرّاحةَ الأبديّة، ولنا نحن الأحياءَ نِعمةَ مَعرفةِ خطايانا وزلّاتِنا لِنَتمكَّنَ مِنَ التَّوبةِ عنها، فنَكونُ على استعدادٍ دائمٍ لملاقاةِ الربِّ في ثَوبِ العُرسِ، ثَوبِ المعموديّةِ النَّاصِع. كما نسألُ الربَّ، ونحن على أبوابِ الصَّومِ الأربعينيّ، أن يَمنَحَنا نِعمةَ الجِهادِ المقدَّسِ ضِدَّ الأهواءِ والخطايا، فنَتَمكَّنَ مِن مُعايَنةِ الآلامِ الخلاصيّةِ والسُّجودِ للقيامةِ الباهرةِ  الثّلاثيّةِ الأيّام، هُوَ الـمُبارَكُ مَع أبيه وروحِه القُدُّوس، إلى دَهرِ الدَّاهرين، آمين.

إخوتي، إنّ هذا النَّصَ الكِتابيّ مأخوذٌ مِن الرِّسالةِ الأولى إلى أهلِ تسالونيقي، وفيه يدعو الرَّسولُ بولس المؤمنِيِن إلى اليَقظةِ الرُّوحيّة وإلى تَرقُّبِ مَجيءِ الربِّ، لا بالخوفِ والقَلقِ إنّما بالثِّقةِ السَّلاميَّةِ الّتي تَفرِضُ نوعًا من السُّكون والسَّكينةِ وعدمِ الاضطرابِ إضافةً إلى استعدادِ المؤمِنِ الكاملِ والمستمِرِّ لملاقاةِ الربّ. إنَّ انتظارَ المؤمِنِ للرَبِّ ممزوجٌ بالصّلاةِ والرَّجاء، – وهذه السَّنةُ هي سَنةُ الرَّجاء -، والمحبّةِ العامِلَة لا المحبَّةِ النَّظريّة. إنَّ هذه الأُسسَ الثَّلاث للانتظارِ: الصَّلاةَ والرَّجاءَ والمحبّة العامِلَة، تَجدُ صَدىً لها في الصَّلاةِ لأجلِ الرَّاقدِين، خصوصًا في زمنِ الصَّومِ الكبير، الذّي هو على الأبواب. هذه الرِّسالةُ هي مِن أقدَمِ رسائلِ القدِّيسِ بولس، وقد كُتِبَت ما بين سنة 50 و سنة 51 للميلادِ الإلهيّ إلى جماعة تسالونيقي الّتي بُشِّرَت حديثًا، أي إلى جماعةٍ مُؤنَجلةٍ حديثًا. إنَّ مَوضوعَ العَودةِ الثَّانية للربِّ يسوع يَأخذُ حَيِّزًا كبيرًا مِن اهتمامِ هذه الجماعة، فَالمسيحيُّونَ الأوائلُ كانوا يعتقدون أنَّ عودةَ الربِّ قريبةٌ في الزَّمن، وهذا ما يُسمَّى La parousie، الّتي تَعني مَجيءَ الربِّ ثانيةً لِيَدينَ الأحياءَ والأموات؛ لذا  كانوا يَتساءلون عن تَوقيتِ مَجيئِه الثَّاني، أي عن مَوعدِ هذا الحدثِ الإسكاتولوجيّ. إنَّ كَلمةَ “الإسْكاتُون” تَعني الزَّمن الآتي، أي الزَّمنَ الّذي يَتخطّى الزَّمنَ الحاضر فَيُدخِلُنا في عالَمِ الدَّهرِ الآتي. إنَّ هذا النَّصَ هو جوابُ بولسَ الرَّسولِ على تساؤلاتِ أهلِ تسالونيقي حول مَجيءِ الربِّ الثّاني، إذ شدَّد فيه على أهميّةِ اليَقظةِ الرُّوحيّةِ والتَّرقبِ لِـمَجيءِ الربِّ والمثابرةِ على الإيمانِ والصّلاةِ والرَّجاء.

“أَمَّا الأَزمِنَةُ والأَوقات فلا حاجةَ بِكُم، أَيُّها الإِخوَة، أَن يُكتَبَ إِلَيكُم فيها”: في هذه الآيةِ، نَجِدُ صَدىً للآيةِ الإنجيليّة الواردة في إنجيلِ متّى:”إسهروا إذًا لأنَّكم لا تَعلَمون متى يأتي يومُ الربّ”(متى 24: 42). إنَّ يَومَ الربِّ يأتي في وَقتٍ لا نَخالُه وساعةٍ لا نَتوَّقعُها. وتَعليقًا على هذه الآيةِ الإنجيليّة، يقولُ لنا القدِّيسُ يوحنّا الذَّهبيُّ الفَمِ إنّ اللهَ لم يَكشِفْ لنا الموعدَ الدَّقيقَ لِمَجيئِه الثّاني كي نَكونَ دائمًا في حالةِ اليَقظةِ الرُّوحيّةِ والتَّرقُّبِ والسَّهر. في العهدِ القديم، تَحدَّثَ النَّبيُّ عاموس عن يَومِ الربّ قائلاً فيه إنّه يَومُ المحاسبةِ والدَّينونةِ، اليومُ الّذي يتحوَّلُ فيه النُّورُ إلى ظَلامٍ مُدلَهِمٍّ عندَ جَميعِ الّذينَ لم يَسلِكوا في طريقِ الربِّ الـمُستَقيم. وبالتّالي، يبدو أنَّ القدِّيسَ بولس، -الـمُشَبَّعَ بقراءتِه للكتاب المقدَّس مع ما فيه مِن أقوال للأنبياء، إذ كانَ فِريسيًّا-، يَعكس صدىً لكِتابِ النَّبيّ عاموس، في هذا النَّص، حِينَ يَقولُ لأهلِ تَسالونيقي: “أَمَّا أَنتُم، أَيُّها الإِخوَة، فلَستُم في الظُّلُماتِ حتَّى يُفاجِئَكم ذٰلِك اليَومُ مُفاجَأةَ السَّارِق، لِأَنَّكم جَميعًا أَبناءُ النُّورِ وأَبناءُ النَّهار. لَسْنا نَحنُ مِنَ اللَّيلِ ولا مِنَ الظُّلُمات” (1 تس 5: 4-5). في هَاتَين الآيَتَين، يَقومُ القدِّيسُ بولس بالمعاكسةِ بين الظُّلمةِ والنُّور، إذ يُخبرُنا أنَّ المؤمِنِين كانوا يعيشون في الظُّلمةِ قَبلَ قُبولِهم الإيمانَ بالربِّ يسوع، ولكنّهم قد انتقلوا إلى النُّورِ من خلالِ قبولهِم المعموديّةَ تعبيرًا عن اكتِشافِهم الحقيقة، وبالتّالي أصبحوا أبناءَ الله، أبناءَ النُّور، عندما أصبحوا مَسيحيِّين. وهذا ما يَتِمُّ إنشادُه في الطَّقسِ البِيزَنطيّ بعد المناولة، إذ يرتِّلُ المؤمِنون قائلِين: “قد نَظَرْنا النُّورَ الحقيقيّ”. مِن أسماءِ المعموديّةِ، الاستنارة؛ وبالتَّالي لا داعيَ للخَوفِ والقلقِ عند المؤمِن مِن مَوعدِ مَجيءِ الربِّ الثّاني. ومِن خلالِ هذا الكلام، يُحاكي القدِّيسُ بولس إحدى آياتِ إنجيلِ يوحنّا الّتي يقولُ فيها الربُّ يسوع عن نَفسِه: “أنا نورُ العالم. مَن يَتبَعني لا يمشي في الظَّلام، بل يَكون له نورُ الحياة” (يو 8: 12). وكلامُ القدِّيسِ بولس هنا يُلاقي أيضًا كَلامَ القدِّيسِ أوغسطينوس، الّذي يقولُ لنا: “نورُ المسيح يُنيرُ نفوسَنا ويَطردُ الظُّلماتِ، ظُلماتِ الخطيئة، لِذَلك ينبغي علينا أن نَسلُكَ سلوكَ أبناءِ النُّورِ بالقداسة والحقّ”.

“فلا نَنامَنَّ كما يَفعَلُ سائِرُ النَّاس، بل علَينا أَن نَسهَرَ ونَحنُ صاحون” (1 تس 5: 6): في هذه الآية، يدعو القدِّيسُ بولس المؤمِنِين إلى اليَقَظةِ الرُّوحيّة الّتي تَحتَّلُ مكانةً كبيرة في تعالِيمه. مِن خلالِ هذه الآية، يَقولُ القدِّيس بولس للمؤمِنين بالربِّ يسوع إنّهم أبناءُ النَّهار لا أبناءَ اللَّيل، لأنّ أعمالَ اللَّيلِ مَعروفةٌ وهي السُّكرُ وارتكابُ الفحشاءِ ومَضيَعةُ الوقت. ولكن في العهد الجديد، هناك دعواتٌ إلى السّهرِ في اللَّيل: فعلى سبيلِ المِثال، يدعونا الربُّ يسوعُ إلى انتظاره، هو السَّيِّدُ الّذي سيأتي من العرسِ في وقتٍ متأخِّرٍ من اللِّيل، قائلاً لنا: ” كُونُوا مِثْلَ أُنَاسٍ يَنْتَظِرُونَ رُجُوعَ سَيِّدِهِمْ مِنْ وَلِيمَةِ الْعُرْسِ، حَتَّى إِذَا وَصَلَ وَقَرَعَ الْبَابَ يَفْتَحُونَ لَهُ حَالاً. طُوبَى لأُولئِكَ الْعَبِيدِ الَّذِينَ يَجِدُهُمْ سَيِّدُهُمْ لَدَى عَوْدَتِهِ سَاهِرِينَ” (لو 12: 36-37). وكذلك في إنجيل العذارى العَشِر، يدعونا أيضًا الربُّ إلى السَّهر. إذًا، هناك نَوعان من السَّهرِ في الكِتاب المقدَّس: الأوَّلُ هو سَهرٌ مغبوطٌ ومُبارَكٌ في اللَّيل، سَهرُ اليَقظةِ الرُّوحيّة، سَهرُ النَّفْس، وهذا ما تُعبِّر عنه صلواتُ اللَّيلِ إذ تَقول: “أنا نائمٌ وقلبي مستيقظٌ، يهذُّ بِتَعاليمِ الربِّ وأقوالِه ووصاياه”، وهذا ما يُجسِّدُه الرُّهبانُ حرفيًّا، إذ يستيقظون في اللَّيل للصّلاة. أمَّا النَّوعُ الثّاني من السَّهر، فَهو سَهرُ الخطيئةِ والسُّكرِ والفحشاء. إنَّ مَوضوعَ السَّهرِ يَحتَّلُ مَكانةً كبيرةً عندَ القدِّيسِ بولس، الّذي يُشجِّعُ السَّهرَ الرُّوحيَّ، سَهَرَ التَّرقُّبِ لِمَجيءِ الربّ، بَينَما يُعاكسُ السَّهرَ الّذي يقودُ إلى الخطيئة، لأنّه سَهرٌ فارغٌ من معناه. يُعلِّق أوريجانوس، مُعلِّمُ الكنيسة على قَولِ القدِّيسِ بولسَ الرَّسولِ حولَ السَّهر، فيقولُ لنا إنّ النَّومَ الرُّوحيَّ هو مُصِيبَةٌ كبيرةٌ لأنّه يَقطَعُ علاقةَ النَّفِس بالله: وهذا يعني أنّه لو كان الإنسانُ نائمًا، على قلبِه أن يَكون مُستَيقِظًا على الدَّوام. إنّ الصّلاةَ وانتظارَ مجيءِ الربِّ هُما مفتاحَا المداومةِ على الإيمان وتَغذِيَته. واستنادًا إلى أقوالِ القدِّيسَين بولسَ الرَّسول وأوريجانوس، نتذكَّرُ مَثَلَ العذارى العَشَر (متى 25: 1-13) الّذي قام فيه الربُّ يسوع بِمَدحِ سَهرِ العذارى الحَكيمات وانتظارِهنَّ قُدومَ العريس. هذا هو السَّهرُ المطلوبُ من كلِّ مَسيحيّ، استعدادًا لِمَجيء الخَتن، مَجيءِ العريس.

” أَمَّا نَحنُ أَبناءَ النَّهار فلْنَكُنْ صاحِين، لابِسِينَ دِرْعَ الإِيمانِ والـمَحبَّةِ وخُوذَةَ رَجاءِ الخَلاص، لِأَنَّ اللهَ لم يَجعَلْنا لِلغَضَب، بل لِلحُصولِ على الخَلاصِ بِرَبِّنا يسوعَ المسيحِ، الَّذي ماتَ مِن أَجْلِنا لِنَحْيا معًا مُتَّحِدِينَ بِه، أَساهِرينَ كُنَّا أَم نائِمِين.” (1 تس 5: 8-10): في هاتَين الآيَتَين، يَستَخدِمُ القدِّيسُ بولس اللُّغةَ العَسكريّة، لكي يُشدِّدَ على أهميّةِ الإيمانِ الفاعل، فإيمانُنا ليسَ تَحصيلَ حاصِلٍ، إنّما يتطلَّبُ عَملاً وجَهدًا ومثابرة. إنّ اللُّغةَ العسكريّة الّتي استَعمَلها بولسُ الرَّسول في هذا النَّص تُذكِّرُنا برسالتِه إلى أهلِ أفسس (6: 13-17)، الّتي كَلَّمنا فيها على أهميّةِ التَّجنُّدِ الكامِل للمَسيحيّ في مواجهتِهِ للخطيئة، ذاكرًا لنا العِتادَ العسكريَّ الّذي على المؤمِن استخدامُه في هذه الحرب، ألا وهو دِرعُ الإيمان وخوذةُ الخلاص، وسِواهما. يُعلِّقُ القدِّيسُ كِيرِيلُّوس الأورشليميّ على هذه الآيةِ للقدِّيس بولس قائلاً: “نَعَم، المسيحيّ يجب أن يَلبَسَ أسلحةَ الحربِ الرُّوحيّة، لأنَّ محاربتَنا لَيسَت ضِدَّ أعداءَ منظورين”، وقد اقتَبَس القدِّيسُ كيريلُّوس هذه العبارةَ من بولسَ الرَّسولِ نَفسِه حين قال لنا: “فَإِنَّ مُصَارَعَتَنَا لَيْسَتْ مَعَ دَمٍ وَلَحْمٍ، بَلْ مَعَ الرُّؤَسَاءِ، مَعَ السَّلاطِينِ، مَعَ وُلاَةِ الْعَالَمِ عَلَى ظُلْمَةِ هذَا الدَّهْرِ، مَعَ أَجْنَادِ الشَّرِّ الرُّوحِيَّةِ فِي السَّمَاوِيَّاتِ” (أفسس 6: 12).

“فلْيُشَدِّدْ بَعضُكم بَعضًا ولْيَبْنِ أَحَدُكُمُ الآخَرَ كما تَفعَلون” (1 تس 5: 11): في  هذه الآيةِ الأخيرةِ من هذا النَّص، يؤكِّد لنا القدِّيسُ بولس مجدَّدًا على أهميّةِ عَيشِ الإيمان، عَيشِ السَّهر، عَيشِ الجِهاد الرُّوحيّ بالتَّضامنِ مع الجماعة، إذ يَدعونا إلى تَشجيعِ بَعضِنا البَعض وبِناءِ واحدِنا الآخر. وفي هذا الإطار، يقولُ لنا القدِّيسُ باسيليوس الكبير: إنّه في سَيرِنا نحوَ الملكوت، في سَيرِنا نحو لقاءِالربّ لسنا وحدَنا ولكنّنا أعضاءُ متكافلون في جسدِ المسيحِ السِّريّ الّذي هو الكنيسة. وهكذا، نستطيع أن نَبنيَ بَعضَنا بعضًا في الإيمانِ والمحبّة.

إنّ هذا النَّص من الرِّسالة إلى أهل تسالونيقي، هو دعوةٌ للمؤمِنِين إلى اليَقَظةِ الرّوحيّة المباركة، إلى السَّهر بالمعنى الرُّوحيّ وليس بالمعنى الدُّنيويّ الماديّ؛ هو دعوةٌ إلى التَّوبة؛ هو دعوةٌ إلى الصّلاةِ والشَّراكةِ الأخويّةِ بين أعضاءِ الكَنِيسَة جميعًا. إنّ لهذه الرِّسالةِ وَقعَها الخاصّ، في زمنِ الصَّوم الأربعينيّ الّذي نحن على أبوابه. في هذا الإطار، يقولُ لنا القدِّيسُ لاوون الكبير: “الصَّومُ والصَّلاةُ والصَّدقةُ هي أسلحةٌ فتَّاكةٌ في حَربِ المؤمِن ضِدَّ الشِّرير، وهي أسلحةٌ تُحضِّرهُ لملاقاةِ الربّ”. وكما قلتُ في بدايةِ هذا الحديث، إنّ زمنَ الصَّوم هو زَمنُ ملاقاةِ الخَتن، مُلاقاةِ الحبيبِ والمشتهى، زمنُ العَودةِ إلى الذَّاتِ والعَودةِ إلى القَريبِ والعَودةِ إلى الله. لذلك، أرادَتِ العِنايةُ الإلهيّةُ أن نَتأمَّلَ في هذا النَّص، ونحنُ على أبوابِ الصَّوم الأربعينيّ الكَبير الّذي هو بِامتياز زمنُ التَّنقِيَة، زمنُ الصَّلاة مِن أجلِ الرّاقدين، وأيضًا زمنُ التَّكاتُفِ وزمنُ التَّكافُلِ الّذي تكلَّمْنا عليه، إذ في زمنِ الصَّوم، نَتَذكَّرُ المحتاجَ والـمَريضَ والمتألِّم.

إنّ هذا النَّصَّ من الرِّسالة الأُولى إلى أهلِ تسالونيقي، يُذكِّرُنا بِالعديد من النُّصوصِ الإنجيليّة منها:   

أوّلاً: متّى 24: 42-51: يقولُ الربّ: “إسهروا إذاً، لأنّكم لا تعلمون اليومَ ولا السّاعةَ الّتي يأتي فيها الربُّ، ابنُ الإنسان”: وهذه الآيةُ تتلاقى مع كلامِ بولسَ الرَّسول حولَ عدمِ معرفتِنا تَوقيتَ مجيءِ الربّ، ولذا علينا أن نكونَ مُستَعِدِّين ومتيَّقِظين.  

ثانيًا: متّى 25: 1-13، أي مَثلُ العذارى العَشْر:في هذا النَّص، يُكلِّمُنا الربُّ يسوع على خمسِ عذارى جاهلات نِمنَ لأنّ العريسَ قد أبطأ، وعلى الرُّغم من كَونِهنَّ عَذارى لم يتمكَّنَّ من الدُّخولِ إلى الملكوتِ لأنّهنَّ كُنّا غافلاتٍ عن مَجيءِ العريس ولم يكُنَّ مستعدَّاتٍ للقاءِ الخَتَن، أي العريس، الّذي أتى في ساعةٍ لم يتوَّقعْنَها.

ثالثًا: لوقا 12: 35-48، أي مَثلُ الخادمِ الأمين: في هذا النَّص، يُخبرُنا الربُّ يسوع أنّ الخادَم الأمين هو ذاك الخادمُ الّذي لَم يَنمْ بانتظارِ عَودَةِ سيِّدِه من العرس. وفي هذا النَّص أيضًا، يقولُ لنا الربُّ يسوع: “طوبى لأولئك العبيدِ الّذين ينتظرون عودةَ سيِّدِهم”. إنّ هذا النَّصَّ الإنجيليّ يلاقي كلامَ بولسَ الرَّسول الّذي يَدعونا إلى عدمِ السّماحِ لعقولنا وقلوبنا بالسَّكَر بِأفكار هذا العالمِ وطُغيانِه لأنّنا أبناءُ النُّور، أي أبناءُ الله.

إنّ هذا النَّصَّ من الرِّسالة إلى أهلِ تسالونيقي الّذي تأمَّلْنا به اليوم، هو خَيرُ تهيئةٍ لنا، ونحن على عَتبةِ الصَّوم الأربعينيّ الكبير، لأنّه يُساعدُنا على الدُّخولِ في مُعتَركِ السَّهَرِ الرّوحي مِن خلالِ الصَّلاةِ والصَّومِ والصَّدقة، كما يُساعدُنا على تَذَكُّرِ أمواتِنا الّذين تَجمعُنا بهم لا فقط المحبّة والصّلاة، إنَّما انتظارُنا عَودةَ الربِّ في مَجيئه الثّاني، لِيَدينَ الأحياءَ والأموات. أودُّ أن أختُمَ مَعكُم بِقَولٍ مِن القدِّيسِ يوحنّا الذَّهبيّ الفمّ: “ونَحنُ نصوم لا ننسى أن نحمِلَ إلى الرَّاقدين صلاتَنا وقرابِينَنا وتَقدمَتِنا”. إذًا، مُنذ القرن الرّابع، أي منذ أيّام يوحنّا الذّهبيِّ الفم، خصَّصَتِ الكنيسةُ مكانةً هامّة للصّلاة من أجلِ الرّاقدين في صلواتِها، وخصوصًا على أبوابِ الصَّومِ وخلالَه. نسألُ اللهَ أن يَمنحَنا زَمَنَ صَومٍ مبارَكٍ، نَعودُ فيه إلى ذواتِنا وإلى اللهِ والقريب، فنَكونَ في يقظةٍ روحيّةٍ واستعدادٍ دائمٍ لملاقاته، لا يَومَ الفِصحِ الـمَجيدِ وَحَسْب، إنّما أيضًا في لِقائِنا الأخيرِ معه، هذا اللِّقاءِ المنتظرِ والـمُتَوَّقع، فنتمكَّنُ من الدُّخولِ معه إلى رِحابِ الفِصحِ الأبديِّ في الملكوت. آمين.  

ملاحظة: دُوِّنت المحاضرة مِن قِبَلِنا بأمانة.    

Instagram
Copy link
URL has been copied successfully!
WhatsApp