عظة الأب عمانوئيل الراعي،

كنيسة مار ضوميط – ساحل علما.

أحد تقديس البيعة،

باسم الآب والابن والروح القدس، الإله الواحد، آمين.

تحتفل الكنيسة المارونيّة، اليوم ببدء سنة طقسيّة جديدة، تتمحوّر حول الربّ يسوع المسيح، الـمَلِك الّذي يدعونا إلى الدخول في سرّ مُلكِه الأبديّ.
كما تحتفل الكنيسة بأحدِ تقديسِ البيعة وتجديدِها، الّذي يشكّل دعوةً إلى كلّ مؤمنٍ للسعيِ من أجل تقديس ذاته ولتجديد حالته الروحيّة باستمرار. إنّ تقديس البيعة لا يعني بتاتًا تقديس الصُّوَر أو المياه، إنّما يعني تقديس أبناء الله. ومن أجل تقديس البشريّة وخلاصها، قدّم يسوع نفسه ذبيحة لله فداءً عن البشر، وقد سَفَك دمَه الخلاصيّ كي يؤمِن كلّ إنسانٍ بالله، فينال منه الفرح الأبديّ والمجد الدائم. وهدف مشروع الله الخلاصيّ للإنسان، هو مساعدة هذا الأخير على الدّخول في سرّ قداسة الله، والحصول على نعمة القداسة. والدّخول في سرّ القداسة يتمّ حين يُعلن المؤمِن ما أعلنه بطرس حين سأل يسوع تلاميذه عن هويّته في نظرهم، وحينها أعلن بطرس بكلّ ثقة إنّ يسوع المسيح هو ابن الله الحيّ، ولكن لا يظنّن أحدٌ أنّ هذا الإعلان كافٍ لنيل الخلاص والدّخول في سرّ فرح الله الأبديّ. إخوتي، إنّ الخلاص قد تمّ بموت المسيح وقيامته، وقد حصل عليه الجميع. إنّ الشياطين تعترف بأنّ يسوع هو قدّوس الله وتخافه، وترتعب منه. وبالتّالي، فإنّه لا يكفي أن يعترف المؤمِن بأنّ المسيح هو قدّوس الله، بل عليه أن يعيش هذه النّعمة، أي أن يعترف من خلال حياته وتصرّفاته، بأنّ يسوع هو المسيح ابن الآب السماويّ الّذي اختير من قِبَلِه، ليمنح جميع البشر الخلاص، بموته وقيامته. إذًا، إنّ الحصول على نعمة القداسة والدّخول في سرّ فرح الله، لا يَتُمّان عبر إعلان المؤمن أنّ المسيح هو ابن الله فحسب، إنّما أيضًا عبر الاتّحاد بالكلمة الإلهيّة.
منذ أيّام قليلة، احتفلت الكنيسة بِعِيد جميع القدِّيسين. إخوتي، إنّ هذا العيد لا يقتصر على القدِّيسين الّذين رُفعوا على المذابح كالقدّيس شربل، والقدّيس ضوميط، والقدّيس أنطونيوس، بل يشمل كلّ إنسان قد عَبَرَ من هذه الفانية، من أجداد وآباء وأمّهات، وقد عاش حياته الأرضيّة ساعيًا للحفاظ على قداسته الّتي نالها بالمعموديّة. وبالتّالي، فإنّ هذا العيد، يشكِّل حافزًا لكلّ مؤمنٍ حيّ، كي يسعى بدوره للمحافظة على نعمة القداسة الّتي حصل عليها في المعموديّة.

ونحتفل اليوم، كذلك بالقدّاس الشهريّ لجماعة “أذكرني في ملكوتك”. إنّها لكارثةٌ كبرى إخوتي، إن لم نكن نحن المؤمنين قد تمكّنا إلى اليوم من فهم هذا السّر الكبير، إذ لا يجب أن نبكي أمواتنا، كمَن يبكي على أمر خَسِره من دون أمل في استرجاعه، بل علينا أن نَبكيهم كمَن لهم رجاء بأنّ أمواتهم هم أحياء مع الرّبّ في ملكوته، وأنّنا سنلتقي بهم مجدّدًا يومًا ما. فحين نذكر أمواتنا في القدّاس، نصلّي من أجلهم، ونتشارك وإيّاهم الصّلاة، وهذا يعني أنّ أمواتنا قد أصبحوا في شركة دائمة مع القدِّيسين في ملكوت أبديّ مع الرّبّ.

إنّ عبارة “أذكرني في ملكوتك”، لا تُقال فقط من أجل الأموات، بل من أجل كلّ إنسان ميّت في هذه الحياة وهو لا يزال حيًّا، إذ إنّ أحياءَ كُثُرًا هم أموات، وأمواتًا كُثُرًا هم أحياء في ملكوت الله. هذا هو السّر الّذي على المؤمِن أن يفهمه، فيسعى جاهدًا كي لا يعيش كالأموات في هذه الحياة، ليتمكّن مِن أن يكون حيًّا برفقة أمواته في الملكوت مع الرّبّ.

في بداية هذه السنة الطقسيّة، نضرع إلى الرّبّ شاكرينه على حبّه الكبير لنا والّذي يفوق الوصف. وما ردّك أيّها الرّبّ على كلام بطرس، إلاّ تعبير لبطرس، ومن خلاله لكلّ البشر عن مدى حبّك لهم، واختيارك لهم لكي يشاركوك في عملك الخلاصيّ. فكلّ الشكر لك، أيّها الرّبّ الإله، لأنّك دعوتنا لنكون أحياء في دمِك وكلمتك، أحياء في الشهادة للحبّ والرّحمة اللّذين تدعونا لنُجسّدهما في حياتنا، كما نقدّم لك الشكر على استقبالك لنا أحياء وقدِّيسين في ملكوتك. آمين.

ملاحظة: دُوِّنت العظة بأمانةٍ مِن قِبَلِنا.

Instagram
Copy link
URL has been copied successfully!
WhatsApp