محاضرة روحيّة،

 الخوري إيلي غزال، خادم رعيّة مار جرجس – الديشونيّة.

إجعل من قلبك بَيت صلاة،

في هذه الفترة، التّي نتحضّر فيها للقيام بمسيرة الصّعود صوب أورشليم فنعيش القيامة مع الرّبّ يسوع المسيح، نقوم معه من نزف جروحاتنا وآلامنا، ونقوم من ذواتنا، فنعيش معه حقيقة القيامة، تستحقّ كلّ كلمة من كلمات. عنوان موضوعنا، شرحًا مفصَّلاً:”إجعل من قلبك، بيت صلاة”.

إنّ كلمة “اجعل” هي فعل أمر وماضيه “جَعَلَ”، وتشير إلى وجود شيءٍ معيّنٍ بين أيدينا وعلينا أن نصنع منه شيئًا آخر نحن في حاجةٍ إليه. نحن لا نصنع أمورًا نحن بِغِنى عنها، أو لا معنى له، فمثلاً إن كنّا نملك خشبًا ونحن بحاجة إلى طاولة في منزلنا، نستخدم هذه القطع الخشبيّة لصناعة ما نحتاجه. وبالتّالي كلمة “اجعل” تشير إلى وجود حاجة معيّنة.

إنّ عبارة “اجعل قلبك” تعني أنّه علينا الذهاب إلى مهندس القلب فهو يعلم ما يحتاج إليه القلب كي يعمل بشكلٍ صحيح إذ إنّه هو الّذي صنعه. إنّ كلمة القلب تشير إلى الداخل، إلى الباطن. يقول الكاردينال جوزيف راتزينغر عن القلب إنّه محور وجود البشر، أي أنّ الانسان يعمل ويتحاور ويفكّر نتيجة العمق الموجود في داخله، وبالتّالي، يندمج القلب مع الفكر والمشاعر. فإن لم يَدمُج الانسان فكره ومشاعره ليشكِّلا عمقه وقلبه وشخصيته، يحصل شرخًا فيه، ويصبح الأمر مقتصرًا إمّا على المشاعر فقط، وإمّا على المعرفة فقط. فعلى العقل والأفكار والمشاعر أن تُدَوزَن من قِبَل الانسان فيصدر عنه أمورًا ذات معنى وفائدة، عميقة ودائمة. إن ثمانين بالمئة من المشاعر هي خاطئة. هناك تقريبًا أربعين في المئة من كلامنا يحتوي على مشاعر:”أشعر أنّ”، وإنّ استخدام هذه الكلمات تدلّ على أنّ المشاعر والغرائز هي الّتي تسيّرنا. أريد أن أنصحكم بأمر هو نتيجة اختباري الشّخصيّ مع كلمة الله: أَدخِل كلمة الله إلى عقلك واجعلها تدوزن مشاعرك، فتُصلح أمورَكَ. إنّ ذلك قد تطلب منّي مجهودًا وتعبًا لكنّني وصلت إلى مبتغاي في النّهاية. عليك أن تدوزن عقلك بما أنتَ مرتبط فيه أي بكلمة الله فهي تراقب المشاعر وتُدوزِنها. إنّه لأمر خاطئ أن تستند علاقة حبٍّ بين اثنين على النّظرة الأولى إن كان الشخص فارغًا من الداخل،كما أنّه من الخطأ السير خلف مشاعري من دون الاستعانة بعقلي. لذلك على عقلي أن يسيطر على مشاعري، وإن تمّ الانسجام بين العقل والمشاعر في علاقة حبّ فتوّقعوا الخلق والابداع في الحبّ، والعظمة والنّعمة الّتي يسكبها الرّبّ في هذه العلاقة. 

إذًا القلب عند راتزينغر يشير إلى شخصيّة الانسان العميقة. أمّا بحسب توما الأكويني، فالقلب هو غريزة إلهيّة، وبالتّالي فهو يتفق مع ما قاله الكاردينال راتزينغر. أمّا القلب بالنسبة إلى أوغسطينوس فهو مسكن الله في داخلنا. أمّا نحن الشرقيين، في البلاد العربيّة وفي لبنان، فنتكلّم كثيرًا عن المشاعر ولدينا غزارة في الدّموع والأحاسيس، ومن الأفضل أن ندوزنها فتصطلح. أمّا الآن، فننتقل إلى مفهوم القلب عند اليهود. بالنسبة إليهم، إنّ القلب لا يُقصد به المشاعر أبدًا بل يشير إلى العمق المتعلّق بالله، هذا ما تعلّموه منذ أيّام إبراهيم، وبالتّالي أصبحنا نفهم الآن، قساوة اليهود على المسيح، إذ إنّهم لم يُدخِلوا المشاعر في قضيّته وفكّروا فيها فقط بطريقة عقليّة ومعرفيّة بحتة، فلو أدخلوا بعض المشاعر إلى هذه القضيّة لشابهوا العذراء مريم. الأساس والمهمّ عند اليهوديّ هو سيطرة الإيمان، لذلك نقرأ في الكتاب أنّ الله يطلب من المؤمن أن يعطيَهُ قلبه، ويقصد بها الله أن ينتبه المؤمن إلى حضور الله، أي: ليكن قلبك موجّهًا صوب الله وعيناك أيضًا. القلب المتحجر والجامد يشير إلى فكر منغلق. إذًا القلب عند اليهوديّ يعني الفكر والعمق، وبالتّالي يقتصر فيه الكلام على الجانب العقليّ، ويَظهر هذا الأمر في كلام يسوع. فعندما كان يسوع يقوم بأمر ما أو يقول شيئًا، كان يقول لليهود، عندما كانوا يعتبرون تصرّفه خاطئًا: لماذا تفكرّون هكذا في قلوبكم؟ وكان يسوع أكثر قسوةً في كلامه مع اليهود حين قال لهم: يا قساة الرّقاب والقلوب، يا صُمَّ الآذان. أمّا في ما يتعلّق بالجانب النفسي الّذي يكمن خلف تطبيق اليهود للشريعة، فقد كانوا ينظرون إلى الأمور انطلاقًا من نفسيّاتهم، ويتّخذون القرارات ويسيرون وفقها منغلقين عليها. إنّ القلب هو مركز الذّات أي أنّ الانسان يتحاور مع نفسه، ويتحمّل مسؤوليته، وينفتح على الله، أو ينغلق على ذاته. 

قال إبراهيم في نفسه: أيولد ولدٌ لابن مئة سنة، بهذا الكلام عاد ابراهيم إلى عمقه، إلى ذاته، إلى قلبه. إنّه يفكِّر بالموضوع إذ إنّ الله قد وعده أنّه في السنّة المقبلة سيكون لديه وَلَد. لذا عندما يعود الانسان إلى ذاته، عليه أن يقرّر ما الذّي سيقوم به. إنّ الانسان هو مصدر شخصيّته الواعية. إنّ قلب الانسان هو شخصيّته الّتي تظهر للعلن والتّي تتخّذ القرارات وينفذّ من خلالها القرارات الّتي اتّخذها، العاقلة والحرّة. إنّ القلب هو موطن اختيارات الانسان الحاسمة أي قراراته، موضع النّاموس غير المكتوب. إنّ غير اليهود، أي الامم الّتي بلا الشريعة، تعرف بالفطرة ما تأمر به الشريعة وتطلبه. هنا نتكلّم عن الضمير، الّذي هو أيضًا يشكّل قلب الانسان، أنّه وعي الانسان لما يقوم به. هل يعي الانسان ما يقوم به أم لا، أي هل أنّ ضميره واعٍ أم لا؟ إذًا في العهد القديم كما في العهد الجديد، القلب هو الموضع الّذي يلتقي فيه الانسان بالله. هذا اللقاء بيسوع ابن الله يصبح كاملاً وبطريقة فعليّة في القلب البشريّ. جاء يسوع وعلّمني كيف يسير قلبي ضمن تعليم الرّبّ ووصاياه.

إنّ كلمة بيت تحمل عدّة معانٍ. أوّلاً البيت هو البناء: أرضيّة، جدران وسقف، إنّه يتألف من غُرف ويسكنه النّاس أي العائلة. ثانيًا البيت هو العائلة الانسانيّة أي رجل وامرأة وأولاد تجمعهم المحبة والتّضامن، إنّهم يؤلفون كنيسة صغيرة. عادة يجمع البيت كلّ أفراد العائلة بالحبّ. إنّ البيت هو مملكة العائلة حيث الطمأنينة، وراحة البال. أحقق ذاتي في البيت، أو من خلاله، ونحن نقول أنا أشبه عائلتي، أبي، أمّي، أقربائي. إذًا البيت هو مِن بشر وليس من حجر. ثالثًا، البيت هو الرّحم فيه نجد أشخاصًا لبناء الحياة. إنّ الانسان يقوم بتغيير رعايا كثيرة غير أنّ البيت يبقى رعيّة ثابتة، لا تتغيّر. منازلكم هي هياكل للرّوح القدس، قدِّسوها بالحقّ والرّحمة والصلاة. إنّ صوت الله حاضر في منزلي وفي عائلتي. خلق الله الانسان على صورته ومثاله ووضع صوته في قلبه، أي في ضميره كي ينشر الانسان فكر الله، صوت الله، كينونة الله البشريّة. الله روح لكنّ الله قال لنخلق الانسان على صورتنا كمثالنا. إنّ صورة الله هي الثّالوث، وصورة الثالوث هي العائلة: الرّجل والمرأة والبنون، ثلاثة أقانيم، أيّ ثالوث. ومثال الله هو الوحدة والحبّ. إنّ العروسين، الرّجل والمرأة يصبحان واحدًا في الزّواج. إنّ الرّبّ يقول: تصيران جسدًا واحدًا لا اثنين. كي يصيرا واحدًا، على الرّجل أن يموت من أجل إمرأته، وعلى المرأة أن تموت من أجل زوجها. وعندما يكون الزوجان برأي واحد وكلمة واحدة وفكرٍ واحد، يختبران معنى أن يكونا واحدًا وعندئذٍ يتمكنان من فهم وحدة الله. 

إنّ الله هو عائلة، وليس فكرة فلسفيّة أو عدديّة. إنّ الله هو عيش ولكي تستطيع أن تفهم الله عليكَ أن تعيشه، لذلك فالعائلة الموّحدة تعيش الفرح، السلام والطمأنينة، القوّة، القرار، الشجاعة لا الخوف والشجار والضعف والتردّد. بهذه الطريقة، يباركنا الله، والله يُولد فينا وفي عائلاتِنا، وبالتّالي نصبح جسد الله على هذه الأرض. إنّ الرّبّ يتجَسّد فينا، لأنّنا منه خُلقنا ونحن على صورته ومثاله وإنّ روحَهُ فينا، شخصيّته فينا. قيل في قصّة الخلق: في البدء خلق الله الرّجل وحيدًا لكنّه عاد وأخذ ضلعًا من الرّجل وخلق له المرأة، فقال آدم عندما رآها: “هذه المرّة هي لحمٌ من لحمي وعظمٌ من عظامي. إنّها تُدعى إمرأة لأنّها من امرئٍ اُخِذت”، قال هذه المرّة لأنّه في المرّات السابقة عند استيقاظه، كان يرى الطبيعة. كلّ آدم، يولد على هذه الأرض يبحث عن ضلعه حتّى يجده. خلف الضِلِع يوجد القلب، إذًا المرأة هي قفص قلب الرّجل وبالتّالي على المرأة أن تُبقي الرّجل دافئًا إذ إنّها قفص قلبه. إنّها نعمةٌ كبيرةٌ أن أعيش أنا وعائلتي على هذا النحو في علاقة وحدة وحبّ. إذًا، عليّ أن أعيش الوحدة في البيت، والمثال هو الحبّ. هذه هي صورة الله الثالوث، مثاله الحبّ الذي يوحدّ. وأنا أدعو العروسين يوم إكليلهما كي يقولا لبعضهما البعض في كلّ يوم:”أنا أحبّك”، وعليهما أن ينمّيا هذا الحبّ لكي يعيشا الوحدة فيتعلّم منهما أولادهما التضحيّة والحبّ فيعيشا على مثالهما فيما بعد في عائلاتهم. إنّ الكنيسة تقوم بدورات إعداد للزّواج لكي يدرك الزّوجان مسؤولياتهما، غير أنّ البيت هو المدرسة الأولى والأخيرة لهكذا أمور.كانت امرأة قبل الخطيئة، لكن بعد الخطيئة أصبح اسمها حوّاء. لذلك نرى يسوع يقول لأمّه يا امرأة وكأنّه يقول للعذراء أنت حوّاء الجديدة، أي أنّها المرأة الأولى. أمّا شهود يهوه، فيأتون إلينا قائلين لنا إنّ يسوع لم يحترم والدته، إذ ناداها يا امرأة، إنّ ذلك غير صحيح. إنّ الرّبّ بمناداته لأمّه يا امرأة، يقول لها إنّها المرأة الطاهِرة إذ إنّ الله عندما خلق المرأة كانت طاهرة وقديسة لكنّ عندما أخطأت أصبح اسمها حوّاء. إذًا كلمة “يا امرأة” تعني الطّاهرة والقدّيسة. إنّ البيت المبني على صخرة المحبة كون يسوع في وسطه وأساسه وصخرته، يُنتج رسلَ المحبة أي أولادنا ليبشِّروا العالم. نشكر الله على هذه الشبيبة الحاضرة معنا اليوم، ونشكر الله على جماعة “اُذكرني في ملكوتك”، إذ يزرعون كلمة الله من خلال هذه الرياضات ولقاءات التنشئة في بلدنا لكي يبقى لبنان بلد القداسة، بلد شبيبة مار شربل والحرديني ورقفا وبلد القديس يعقوب.

كم أتمّنى أن نُكمل هذه الطريق بالقداسة. قال يسوع للسامريّة إنّه سيأتي يوم فيه يعبد المؤمنون الله لا في هذا الجبل ولا ذاك، إنّما أينما كان. لذلك عندما نزرع الله في قلوب أولادنا، نراهم يزرعون كلمة الله أينما حلّوا في بلادهم وفي بلاد الاغتراب أيضًا. لذلك حيث يوجد لبنانيّ، نرى الايمان، القوّة والازدهار، من حيث الاختراعات والنّمو، وحتّى أنّ رؤساء البلدان يفتخرون باللّبنانيين الموجودين في بلادهم. إنّ هؤلاء الشباب هم فخر لبنان، هذه هي نعمة لبنان، نعمة شبابنا، هذه هي نعمة ايمان أهالينا وتربيتهم المسيحيّة لنا، في هذه الارض المقدسة. إن الألفة بين الرّجل والمرأة إنّما هو بيت الحقيقة. إنّ البيت يجمع شمل العائلة، جماعة الصلاة، إنّه بيت يجعلنا نشعر بالحنين إليه. إنّ البيت هو ملجأ ومأوى، إنّه كفّ أمان وديمومة ضمن العائلة ويحميها أيضًا. لا أحد يرتاح إلاّ في بيته. في هذه المملكة الصغيرة، أي البيت، الأب هو الملك، الأمّ هي الملكة والأولاد هم الأمراء فيها.

إنّ أوّل منزل للإنسان هو حشا والدته. وكم أنّ هذا الحشا قادر على العطاء. عندما كنت صغيرًا، قرأت تقريرًا عن أمّ إلمانيّة أنّها عندما علمت أنّها حامل، غيّرت نظام حياتها ونظمّت وقتها وأصبحت تخبر جنينها عن كلّ ما تقوم به متحدثةً معه بصوتٍ مرتفع. وعندما كانت تجلس على كرسيّها الهزاز وقت قيلولتها، كانت تقرأ الإنجيل بصوتٍ مرتفع، وترتّل أيضًا، وقبل أن تُغمض عينيها، كان تلمس بطنها، وتنام.كان الجنين أيضًا ينام، وكان الجنين يصحو عندما تصحو والدته، فقد أصبح هناك وحدة بين الأمّ وجنينها في هذا البيت، على الرغم من أنّه ما زال جنينًا. وقالت له لا أدري إن كنت صبيًا أم بنتًا إذ في أيّامها لم تكن الآلات الحديثة والمتطوِّرة قد وُجِدت، لكنّي أنا أحبّك جدًّا وسوف أسعى وأقوم بكلّ ما يلزم كي تأتي بسلام إلى هذا العالم، وسوف أسعى لكي تأتي بصحة سليمة. وقبل أن يحين موعد الولادة ذهبت إلى المستشفى، طلبت من الطبيب أن يشرح لها كيف ستتمّ ولادتها وفي أيّ غرفة سيتمّ ذلك، وأين سيوضع الجنين، فأراها كلّ ما سألته وعند دخولها إلى غرفة حضانة الـمَولود حديثًا ، رأت أنّ كلّ الأولاد يَبكون مع أنّ كلّ شيء مجهزّ لهم. وعندما عادت إلى منزلها، أخذت تفكرّ في سبب بكاء هؤلاء الأطفال، فتوّصلت إلى ما يلي وهو أنّ هؤلاء الأطفال كانوا صامتين في أحشاء أمهاتهم لأنّهم كانوا يسمعون دقّات قلوب والداتهم. فعادت إلى المستشفى وتكلّمت مع الطبيب، وطلبت منه وضع صوت دقّات قلب في غرفة الحضانة عوض الموسيقى الهادئة. عندئذٍ، سكت الأطفال جميعًا إذ إنّهم شعروا بأمان وبسلام، 

إذًا كي لا يبكي أولادنا في معترك الحياة، وكي لا يخافوا ويصرخوا، علينا أن نعرف كيف نُنمّي لهم شخصيّاتهم، علينا أن نعطيهم من ذواتنا. فعندما أعطي أولادي القوّة والشجاعة، يكون ابني مثلي، شجاعًا وقوّيًا، قادرًا على مواجهة الصعوبات في الحياة. وكم أنّ هناك أولادًا مدلّعين أكثر من اللّازم، إذ نجدهم غير قادرين على اِتخاذ القرارات وذلك يعود إلى أنّهم حصلوا على أمور لا حاجة لهم إليها ولم يحصلوا على ما يلزم و على ما هو ضروريّ. وقد شكى لي أحد الآباء في الرّعيّة عن ابنه المراهق والّذي ما زال يدرس، بأنّ زوجته اشترت لابنهما هاتفًا خليويًا من دون أن يكون له حاجةً فيه، اشترته له لأنّه بكى أمامها وهكذا تمّ كسر كلمة الأب. إنّ أولادنا ليسوا بحاجة ماسّة للهواتف الخليوية، إذ لا مسؤوليات كبيرة على عاتقهم، فيجب عدم شرائها لهم تمثلاً ببقيّة الرّفاق، فليس الآخرون دائمًا على حقّ. إنّ الرّبّ يسوع قال لنا إنّنا من هذا العالم ولكنّنا في الوقت نفسه لسنا من هذا العالم، فعلينا إذًا أن نُجيد اتّخاذ القرارات الصائبة. وكم هناك من نساء حوامل يتصرّفن كيفما كان، ويقمن بأعمال كيفما كان، وهنّ بالتّالي يعطين السّموم لأولادهنّ الأجنّة فيصبح الأولاد بعد ولادتهم، أولادًا غير مطيعين متصلبين في أرائهم.

إذًا قلبي هو بيت صلاة. كيف نصلّي وماذا نصلّي؟ نشكر الله في كلّ يوم على نعمة الحياة، نسبّحه ونمجدّه على كلّ نِعَمه، نحاوره كأنّنا أمامه وجهًا لوجه، نتكلّم معه، علينا أن نؤمن أن الله يسمع كلّ كلمة ننطق بها، ويفرح لحضورنا أمامه. نصغي في الصمت لله فيُطلعنا على كافة أسراره، ونحترم حضوره المليء بالبركات. إنّ الله يحترم هوّيتي وضغفي ومحدوديتي ومعرفتي مهما كانت، إنّه يحبني كما أنا، شرط أن أسير معه وفق مشيته. فإذا عاشرت الرّبّ وأصغيت له، سأغدو مثله لا محالة، والمثل يقول: “عاشر القوم أربعين يومًا، فإمّا أن تصبح مثلهم أو ترحل عنهم”، لذا أدعوكم إلى معاشرة الله أكثر. وعلينا أن لا نعيش كبقيّة النّاس، فعلينا أن نتذّكر يوميًّا كلام الرّبّ:”أنتم من هذا العالم، لكنّكم لستم من هذا العالم”، علينا أن نعيش بطريقة مختلفة عمّا يعيشه الآخرون. ففي سماء مسودّة ومظلمة، نستطيع دائمًا رؤية النّجوم الصغيرة المضيئة، فلنكن دائمًا هذه النّجوم المضيئة في هذه السّماء السّوداء الواسعة. علينا أن نتنوّر بالنّور، فلا يجب أن يشرق النّور، وأن نكون نحن غير مضيئين وغير ساطعين. فإذا سطع نور الرّبّ علينا يجب أن نكون مناراتٍ مضيئة. فكما تضيء الشمس على القمر، كذلك على روح الرّب أن يضيء علينا، فعلينا أن نتنوّر، وننير من حولنا، فلا يجب أن نكون بلا زيت، بل على زيتنا أن يفيض. علينا أن نلتقي يوميًّا بالرّب، أن نجدِّد موعدنا معه، وأن نتجدّد به. بالرّغم من كلّ أصوات العالم، والصور في هذا العالم، علينا أن نلتقي بعيدًا عنها مع الرّبّ. وكذلك بعيدًا عن هموم العمل وهموم النّاس، علينا أن نلتقي بالرّبّ. أبدأ لقائي معه برسم إشارة الصليب على وجهي. هناك صلاة نصلّيها في عيد الصليب في صلاة الغفران “الحسايّة”، وهناك أيضًا ترتيلة تقول بإنّه قبل أن أنام، أصلّي وأرسم إشارة الصليب، وأخلد للنّوم. عندئذٍ يأتي الشرّير، ليزرع في داخلي الأفكار الشريرة، وأحلامًا سيئة، غير أنّه عندما يرى الصليب مرسومًا يهرب منّي حتّى وإن كنت نائمًا. 

إنّ إشارة الصليب، تجعل كلّ ما هو شرّير يهرب منّي أنا المؤمن. علينا التّرحيب بيسوع يوميًّا، وعلينا قراءة الانجيل يوميًّا، فنتأمّل بالآية التّي تستوقفنا وتنطبق على حياتنا. لنصغي إلى كلمات الرّبّ في قلوبنا ولنتركها تتسرّب إلى أعماقنا ولنعبّر له عن مدى شكرنا ومحبتنا له، ولنقطع له وعدًا وقصدًا لتجديد حياتنا على ضوء كلمته. وهكذا يأتي الرّبّ ويسكن قلوبنا، ولكن ليس في قلوبنا اللّحميّة. إنّ العهد القديم يقدّم لنا صورة رمزية فيقول لنا إنّ الوصايا كُتِبَت على لَوحَي حجر: كُتِبَت الوصايا على قلوب اليهود الحجريّة لذلك، قال الله لموسى إنّه سيجعل قلوب اليهود قلوبًا من لحم، أي قلوبًا لينةً. ونطرح السؤال على ذواتنا هل قلوبنا قاسية أم ليّنة؟ إنّ الرّبّ يريد أن يسكن في أعماقنا، في إنساننا، في كياننا. إنّ الرّبّ يقول لنا إنّه سيأتي إلى كلّ من يحفظ كلامه ويعمل به، وسيجعل فيه مسكنه، وسيتعشّى عنده برفقة الله الآب. ما أجمل أن يسكن الله فينا، وكم نحن محظوظون بذلك! فما أجمل تلك النّعمة! إنّ كلّ ما يطلبه الرّبّ مقابل ذلك هو أن نحفظ كلمته ونعيشها. عندما تجسّد الرّبّ، حضر إلى الهيكل وقام بقلب كلّ شيء وتغييره: فقد كسّر الطاولات، وطرد التّجار، وقال لهم: “بيت أبي بيت صلاة، جعلتموه بيت لصوص”. إنّ هذا الهيكل تمّ هدمه ولم يتمّ إعادة إعماره. هُدِمَ الهَيكَل، وقد قال الرّبّ عن هذا الهيكل إنّه لن يبقى فيه حجر على حجر. بقيت الحجارة المدّمرة من هذا الهيكل وقد أصبح ذلك المكان يسمّى اليوم بحائط المبكى، يذهب إليه اليهود، ليبكوا دمار الهيكل. لكن العبرة الّتي نستنتجها من هذا الأمر، أنّ الرّبّ لم يعد يريد بيتًا من حجر إنّما يريدنا نحن كبشر. إذًا نحن بيت الرّبّ، لذا علينا أن نفتح له قلوبنا وكلّ كياننا، فلنفتح كلّ حياتنا للرّبّ فيسكن فيها، ولننظر إلى الفرح والسّلام والقوّة الّتي ستغمرنا، وسيكشف لنا الرّبّ عن أمور في أعماق كياننا نحن لا نعرفها. لقد تكلّم الرّبّ في الإنجيل عن مثل الوزنات، وأنا كنت أعتقد أنّ الرّبّ قد سلّمني وزنة أو اثنتين وكنت أتاجر بهما، غير أنّه مع الوقت، بدأت أكتشِف وزنات أخرى موجودة في داخلي لم أكن أعلم بوجودها فيّ لكنّ الرّبّ كشف لي عنها وهو الآن يطالبني بالمتاجرة بهذه أيضًا. ففي بعض الأحيان، عندما تقع في مشكلة تجد نفسك غير قادر على حلّها، فتضطر للقيام بأمور ترى نفسك غير قادر عليها، لكنّك تكتشف قدرتك عليها لاحقًا. إنّ الرّبّ واثقٌ بك أنّك قادر على ما تقوم به. لقد زرع الرّبّ فينا وزنات لا تُحصى ولا تُعَدّ، والرّبّ يكشفها لنا ويدعونا للمتاجرة بها.

من هنا عندما نجعل من بيتنا بيت صلاة بهذا الشكل الذّي تكلّمنا عنه، نصبح بيتًا لله ومسكنًا له. نحن نعلم أنّ بيت الله هو السّماء وبالتّالي أُصبح أنا سماءً، فلنكن سماءً للرّبّ كي يسكن فينا. نعم، أحبائي، يصبح بيتنا سماءً، أي بيتًا لا من حجارة إنّما من صنع الرّبّ. إنّ داوود النبيّ، عندما انتصر في الحروب التّي خاضها ووحّد مملكته، تذكّر تابوت العهد الّذي يحوي عصا هارون الّتي أفرخت، ولوحي الوصايا، والمنّ والسلوى. وهذه كلّها تعبِّر عن حضور الله، أي أنّها تعبِّر عن الله الكلمة من خلال لوحي الوصايا، وعن كهنوت الله إذ أنّ يسوع هو كاهن الله من خلال عصا هارون، وأنّه الخبز النّازل من السّماء أي المنّ والسلوى. إذًا تابوت العهد يعبِّر عن يسوع. وقرّر داوود أن يصنع له كنيسة أو قصرًا أو بيتًا، غير أنّ تابوت العهد كان يُوضع في خيمة كما قال الله لموسى. عندئذٍ أرسل الله لداوود، النبيّ صمؤيل طالبًا منه ألّا يصنع لله مسكنًا، إذ إنّ الله سيصنع مسكنه المختلف عن سائر البيوت. ونحن اليوم نشكِّل بيت الله. في المعموديّة، أعاد الله جبلَنا من جديد، ففي المعموديّة لا تعود مصنوعًا من تراب، ولن تعود إلى التّراب، إنّما تصبح من السّماء وإلى السّماء تعود. قبل المعموديّة كنت من التّراب غير أنّك بعد المعموديّة أصبحت من السّماء، إذ إنّ الله أعاد جبلِك من الرّوح القدس، الذّي سكن فيك. هذا هو العهد الجديد، وهذا ما علينا عيشه في هذا الزمن حتّى زمن النّهاية، إلى حياة الأبد. وهنا يقول النبيّ صمؤيل للملك داوود، ألّا يبني للرّبّ منزلاً، فهو، أي الرّبّ، يعرف متى يريد بناء هذا البيت. 

إنّ البيت الّذي يسكن الله فيه ليس من صُنع أيادٍ بشريّة، بل من صُنع الرّوح القدس. عندما نصلّي التبشير الملائكي نقول “الكلمة صار جسدًا، وسكن بيننا أو فينا”، من هنا نُدرك أنّنا أصبحنا مسكنًا لله فهو لم يعد يريد أن يسكن في سمائه كما كانت الفكرة سائدة في العهد القديم، فقد أصبحنا نحن سماءه. إنّ يسوع بموته وقيامته، جاء ليطرد الصيارفة والباعة الموجودة في داخلنا، كما فعل عندما كان في هيكل سليمان. فإن كنتُ تاجرًا، فسوف يطرد يسوع التجارة من داخلي؛ وإن كنتُ منافقًا، فيسوع سوف يطرد النِّفاق من قلبي لكي يستطيع أن يسكن هو فيّ. فإن لم أطرد هذه الأمور، فهو لن يسكن فيّ. فإنّ الله لا يحبّ الوسطيّة إذ قال إنّ مَن ليس معي فهو ضدّي، إنّه لا يقبلني إن كنتُ فاترًا بل سيتقيؤني. إن كنت باردًا فهو يقبلني لأننّي أصارح الرّبّ بأنّي لا أحبّه، عندئذٍ سيسعى الرّبّ كي يجعلني أحبّه، لكن أن أكون وسطيًّا فالله لا يستطيع قبولي حينها. على قراري أن يكون جديًّا، إمّا حارًّا فأكون مع الله، أو باردًا أي ضدّه، فالله لا يستطيع أن يفهم الوسطيّة عند الانسان. قرأنا، منذ أسبوعين، في إحدى رسائل مار بولس أنّ هناك أشخاصًا أعمالهم تسبقهم، وبذلك يقصد الرّسول الصالحين، وهناك أشخاص لن تبقى خطيئتهم مخفيّة بل ستظهر، مثالاً على ذلك، المخلّع. علينا أن نسعى لكي تسبقنا أعمالنا إلى أمام وجه الله، فنسمع في ذلك اليوم، صوت الرّبّ الّذي سيقول لنا:”أدخل إلى فرح سيِّدك، انت ابني، انت لي”.
لا تسعوا إلى البيت الحاضر بل اسعوا من أجل البيت الباقي في الحياة الأبديّة. “أنا ذاهب إلى أبي وأبيكم لكي أُهيّئ لكم مكانًا”. في الملكوت، البيوت ليست مصنوعة من أيدٍ بشريّة، إنّما مصنوعة من نورٍ وسلام بالرّوح. إنّ أبواب الملكوت لا تُقفل أمام أيّ إنسان، إنّما هي مفتوحة ليل نهار، لذلك تعالوا واعترفوا وأكملوا حياتكم. وحده الانسان الخاطئ والشرير لا يستطيع الدخول إلى الملكوت لأنّه رفض الله ورفض كلمته. إنّ يسوع يقول: “ها أنا واقف على الباب أقرع، إن سمع أحدهم وفتح لي، دخلت أنا وأبي”، يسوع يدعونا إلى أن نفتح له قلوبنا، فيدخل ويُجدِّدنا. إذا سمحنا للرّبّ بالدّخول، فهو سيطرد منّا الأرواح الشريرة الّتي تخالفه، كالتكاسل في الذهاب إلى الكنيسة، واللامبالاة في الصلاة، وسيعلّمنا الاستسلام الدائم لمشيئة أبيه السّماويّ، والحوار الدائم مع الرّبّ، وسيفتح قلوبنا بالحبّ تجاه كلّ انسان، وسيعلّمنا أن نكون مستعدّين للعيش بنور الرّبّ وبكلمته المحيية، وسيعلّمنا أن نتذكّر محبة الرّبّ.

إن تأشيرة الدخول إلى الملكوت، والحياة الأبديّة، هي لأنقياء القلوب لأنّهم سيدخلون إلى بيت الآب، للمساكين بالرّوح لأنّهم أمضوا حياتهم يترجّون السكن في ملكوت الله، للحزانى على خطاياهم لأنّهم سوف يتعزّون في بيت الآب، للودعاء لأنّهم سيرثون أرض أورشليم السّماويّة، للعطاش إلى البّرّ والحقّ لأنّهم لن يجوعوا بعد الآن، إذ إنّهم في بيت الآب سيشبعون، للرّحماء لأنّهم سيسكنون في بيت الرّحمة الإلهيّة، لصانعي السّلام لأنّهم نشروا سلام الله للبشريّة، للمُضطَهَدين من أجل الحقّ لأنّ لهم بيتًا في الملكوت. إنّ باب بيت الله ضيّقٌ، لذلك يجب القيام بـِحِمْيَة من أجل تنحيف القلب لنتمكّن من الدّخول من باب بيت الرّبّ الضيّق، وذلك يتطلب عملاً ومجهودًا، إذ علينا حرق الدّهون في قلبنا عبر استعمال كلمة الله، فإنّها تخفِّف من وزنكم بسرعة كبيرة وتجعلكم تتركون حبّ المال، حبّ الذّات، التكبّر والغرور، وحبّ السيطرة، الغشّ والكذب.
تعالوا لنجعل من قلوبنا بيوتَ صلاة، مغائر يُولد فيها الرّبّ على الدّوام، آمين.

ملاحظة: دُوِّنَت المحاضرة بأمانةٍ مِن قِبَلِنا.

Instagram
Copy link
URL has been copied successfully!
WhatsApp