محاضرة روحية،
الأب ابراهيم سعد،
الأسبوع العظيم: أيّهُما أولى، أن يُسمّى أسبوعُ الآلام أم الأسبوعُ العظيم؟
يُعْرَفُ الأسبّوعُ الأخير من الصوم باسمِ أسبوعِ الآلام بحسَبِ تسميتِه الشائعةِ بين الناس، ولكّن تُرى أيّهُما أولى، أن يُسمّى أسبوعُ الآلام أم الأسبوعُ العظيم؟
في الحقيقةِ هناك ثلاثُ تسمياتٍ يمُكن أن تُطلَقَ على هذا الأسبوع وهي أسبوعُ الآلام، أو الأسبوعُ العظيم، أو أسبوعٌ كغيره من الأسابيع، ونحن من نُعطي الصفةَ لهذا الأسبوع ونسمّيه بحسب ما نراه. فإن قُلنا “أسبوع الآلام” فنحنُ إذا نتعاملُ معه انطلاقاً مما أصابَ يسوع من ألمٍ، ومريم من حزنٍ، وإن كان بالنسبة لنا أسبوعاً كباقي الأسابيعِ فنحنُ بالتالي خارجَ القصةِ تماما. أما إن قُلنا “الأسبوع العظيم”، فنحنُ بالتالي نعترفُ أنه مميزٌ عن كلّ أسابيعِ السنة، وكُلّما كبُرَ الفرحُ الذي يزرعُه هذا الأسبوعُ فينا، كلما ازدادتْ عظمتُه في أعيننِا! ولكِنْ مِن أين يأتي الفرحُ وكلُّ ما نشاهدُه في هذا الأسبوع لا يَدُلُّ على الفرحِ إطلاقاً؟.
إن أعظمَ فرحٍ قد يَشعُرُ به الإنسانُ، هُو عندما يُدرِكُ أنَّ من يبتغي حبَهُ يُحِبُه فعلاً، فالفرحُ ينبعُ من قناعتِنا أنَّ مَن ننتظرُ حبَه يحبُنا حقاً، وفي الأسبوعِ العظيم هُناك الاكتشافُ والكَشفُ عن محبةِ الله للإنسانِ بشكلٍ كلِّي. لذا فإنَّ أحداثَ الأسبوعِ العظيم في الليتورجيا الكنسِيَّة تبدأُ من سبْتِ ألعازر وتنتهي بالفُصحِ، وذلك لكي يُعطينا هذا الأسبوع البُشرى بأن الله يُحِبُ كلَّ واحدٍ منّا ويكشِفُ لنا ما فعلَهُ الله من أجلِنا، إذ باتَ لحياتنِا معنى لأن موتَنا أصبحَ يُحمِلُ معنى أيضاً ومَن لا يعرفُ قيمةَ الحياةِ لا يعرِفُ قيمةَ الموت، لأنه كشفَ أن الموتَ صفحةً من صفحاتِ الحياة. لذا بدأَ الأسبوعُ العظيمُ بإقامةِ ألعازر وانتهى بقيامةِ السيّد المسيح.
وقد اختارَ الربُّ ألعازر ليُقيمُه لأن اسمَه (ألعازر)، وهو يعني أنّ الله فقط هو من يَعينني ويُؤازرُني. وعلينا أن نركّزَ على كلمةِ “فقط”، لأنه إنْ كان أحدٌ آخر يُعينُنا مع الله، فسيكونُ من السهلِ جدّا علينا أن نُقيمَ التحالفاتِ والمساومات، أمّا إذا كان الله وحدُه مُعينَنا فقط، فلا يُمكننا أن نتحالفَ إلا معه لكي نُنقَذ. وفي العهدِ القديم، كان لدى ابراهيم الذي وعدَهُ الله بالبركة خادمٌ اسمُه “ألعازر الدمشقي”، أي أنّه لم يكن يهودياً، ولأنّه خادمٌ لم يكنْ له حقٌ أن يرِثَ سيّدَه. أما في العهدِ الجدّيد، فقد باتَ بإمكانِ كلِّ من لم يكُن له الحقَّ بالميراثِ قديماً أن يرِثَ، شرط أنْ يكونَ الله وحدُه مُعينَهُ كائناً من يكون، يهوديٌ أو غير يهودي. فالوعدُ الأوّلُ إذا هو أنّنا نرِث كلَّ شيءٍ، نرث الملكوت. والربُّ يسوع قد أقامَ ألعازر في اليومِ الرابع لوفاتِه، لأنّ الناسَ كانوا يعتقدِون أن الروحَ تبقى قريبة من الجسدِ لمدةِ ثلاثةِ أيام بعد الوفاة، ويُصَدّق خبر الموتِ في اليومِ الرابع، إلا أنّ يسوعَ قد أقامَه بعد الإفلاسِ، فهُو وحدُه المحيي، وقد قالَ لأخت ألعازر: “أنا القيامةُ والحياة” أيْ هُوَ فعلُ القيامة، وفعلُ الحياة.
ومشكلةُ الإنسانِ المطلَقَة والوحيدةُ هي الموت. فعلى سبيلِ المثال، الخوفُ من الفقرَ أو الحربِ ناجمٌ بالأصل عن الخوفِ من الموت. ويسوع ¬قد حلَّ هذه المشكلة، بحلِّه لأوجاعِ الموت بإقامةِ إنسانٍ مثلِنا هو ألعازر في البداية، ومِن ثمّ بقيامتِه هُوَ من بين الأموات. وبالتالي أنهى قَلقَنا من موضوع الموت، فماذا ينقصُنا بعد؟ إذ بعد أن بدّدَ الربُّ خوفَنا، لا يُمكن إلا أن تمتلئَ قلوبُنا بالطمأنينة والسلام. ولكن بالرغمِ من ذلك يبقى القلقُ مُسيْطراً على حياتِنا، وهذا القلقُ مصدرُه الخوف من أن نَكونَ غيرَ محبُوبين، أي أنّ لدى الإنسانِ خوفٌ آخر لا يَقِلُّ عن خوفِه من الموت، وهُوَ الخوفُ من ألا يكون محبوباً. وقد لا يعي الإنسانُ خوفَه هذا، إلا أنّ تصرّفاتِه جميعَها تُبنى على هذا الأساس. وبالتالي فإنّ جميعَ الخطايا التي يرتكبُها الإنسانُ سببُها أمرٌ من اثنين، إما الخوفُ من الموت أو عدمُ اقتناعِه بأنّه محبوبٌ. وجلُّ عمل يسوع في العهدِ الجديد هو أن يقنعَنا ويزرعَ في نفوسِنا وكيانِنا حقيقةً أنّ الله يحبُنا، لأنّنا قد ترّبيْنّا على فكرةٍ أنّ الله هو الخالقُ القادرُ على كلِّ شيءٍ والدّيّان، لِذا نما الخوفُ فينا. وعندما أتى يسوع، ذكّرَّنا بأنّ الله أبٌ أيضا، فتغيّرتْ الدنيا لدى الرسُلِ والمؤمنين الأُول. فالأبوّةُ في الشرقِ الأوسط مرتبطةٌ بالميراث، وكلّما زادَ غِنى الأبِ كلّما زادَ شعورُ الابنِ بقوّة سندِه، ويسوع جاء ليُنبِئُنا بأنَّ الله سيّدُ الكونِ الذي كنّا نخشاه لأنّهُ الخالقُ والدّيّانُ والقادرُ هو أبٌ لنا أيضاً، أي أنّنا نملكُ كلَّ ما يملكُه يسوع، ولكن الفرق هُو أن يسوع يَبقى دوماً أميناً ومُخلصاً لأبيه، أما نحن فنتلهّى بأمورٍ كثيرة، ونخونُ ونتركُ كثيراً ونتصرّفُ كعبيدٍ وننسى أننّا الأبناءُ، فيأتي الأسبوعُ العظيم ليُذكِّرُنا ويوقظُنا كيْ لا ننسى أننّا أبناءُ أبينا. ومع ذلك يبقى عندنا حنينٌ لأن نتصرّفَ معه إمّا كعبدٍ يخشى عقابَ سيِّده، أو كأجيرٍ ينتظرُ أجرةَ عملِه من ربِ العمل. أما الابنُ فلا يبتغي إلا رِضى أبيه، وإن ناله ملِكَ الدُنيا بما فيها، ويسوع قد كشفَ لنا هذا السِرَّ المكتوم منذ الدهور. ولا توجد شروطٌ للأبوّة والبنوّة بين الله وبيننا، إذ لا يُطلب منّا شيءٌ لنكون أبناءَ الله، بل لأننّا أبناءُ الله يُطلَب منّا شيءٌ ، أي أننا قد مُنِحنا البنوّةُ في المعمودية وحَصلْنا على القداسةِ دون أن نجاهِدَ جهاداً روحياً أو نحيا حياةً روحية، إلا أنّنا ننسى أننّا قدّيسّون، فيأتي الجهادُ الروحي والحياةُ الروحية ليُّذكِرانا بقداستِنا. فالمعموديّةُ ليستْ لمغفرةِ الخطايا فقط، بل هي صكُّ ولادةٍ يعترِفُ بموجبِه الله بأنّنا أبناؤه، فيُصبِح لنا وجودٌ وكيان.
فالأسبوعُ العظيم إذاً هو أسبوعُ الفرح، لأنه كشفَ لنا سرَّ الحب. ولأن من يُحِب يدفعُ دوماً الثمنَ الذي يقبُضُه المحبوب، نجِدُ في هذا الأسبوع آخرَ طريقةٍ لدفعِ الثمن، والتي تظهَرُ لنا أن الثمنَ يزدادُ كلّما ازدادَ الحبُ، وعندما يُصبِحُ الحبُّ مُطلقاً يُدفَعُ الثمنُ بالمطلق أيضاً، والتعبيرُ الأكبر عن هذا الثمن هو حياتُنا لذا فإنَّ يسوع قد “أسلمَ الروح” على الصّليب.
إذاً، يبدأ الأسبوعُ العظيم بقيامةٍ وينتهي بقيامة، وما بيْن القيامَتيْن نجدُ إيقاظاتٍ وتنبيهاتٍ لنا، من خلال أشخاصٍ لم يفهموا حبَ الله. على سبيلِ المِثال، عندما سكبتْ المرأةُ الخاطية الطيبَ على أقدامِ يسوع، امتعضَ التلاميذُ من هذا التبذير، فأجابهم: “لأنه غُفِرَ لها كثيراً أحبّتْ كثيراً”، أي أن محبتَها كانتْ جواباً على غفرانِ الربّ لها وليس العكس، لأنه لا يُطلَب منّا شيءٌ لنحصلَ على كلِّ شيء، بل لأنّنا نحصلُ على كل شيءٍ نقوم بفعلٍ مُعيَّن. وكلُّ الأديان تُعَلِّمُ أفرادَها أنّ عليهم أن يبادِروا هم بالأفعالِ ليحصُلوا على النتيجة المرجُوّة، لذا تُوجَد لدِيهم ما يُعرَف بالفَرائض. أمّا في المسيحية فلا توجد فرائضٌ، والحياةُ الروحية وُجِدت فقط لتذكرَنا أنّنا حاصِلون على كل شيء، ومن غير الطبيعي ألا نحّب من يعفينا من كلِّ دُيونِنا، والربُّ قد غفرَ للمرأة الزانية التي تشيرُ أصابعُ الدنيا إلى خطيئتِها مؤكدّة عدمَ براءتِها، فهلْ من حبٍّ أعظم؟ نعم سَنرى حباً أعظم.
في الشَعانين، دخلَ يسوعُ إلى أورشليم راكباً على جحشِ ابنِ آتان، إلا أن إنجيلَ متى يقول: “فذهب التلميذان وفَعلا كما أمرَهما يسوع وأتيا بالأتانِ والجحشِ ووضَعا عليهما ثيابَهما فجلسَ عليهما”، أي أن الربّ قد ركبَ على جحشٍ وأتانٍ في آن معاً، وهو أمرٌ غيرُ منطقّي على الإطلاق! إذاً هناك معنى مبطّن في هذا الإنجيل، إذ أنّ أحدَ الحيوانين يرمزُ إلى الأمم، في حين يرمزُ الآخرُ إلى اليهود، أي أنّ يسوع قد دخلَ إلى أورشليم ليخلِّصَ كلَ الناس من دون تمييز. وقد دخلَهُا ملكاً – إلا أن معاييرَ ملوكيتِه تختلفُ عن معاييرِ البشر- ليُنقذَ العالم، الذين كانوا ينتظرونَه والذين لم يكونوا في انتظارِه، مَن سمِعوا كلامَه ومَن لم يسمعوا. وهنا يبرُزُ أمرٌ جديد، وهو امتعاضُ المؤمنِ من خَلاصِ غير المؤمن، ذلك أنه ينظرُ بعينيِه لا بعينيّ الربّ، فتأتي المعموديةُ لتَستبْدِلَ عيونَنا البشرية بعيونِ الله لنرى مشيئتَه. والحبُّ ليس هيِّنا على الإطلاق، إذ إنَّ كلَّ حبٍّ فيه عطاءٌ، والعطاءُ الحقيقي هو “العطاء الموجِع” بحسَب الأم تيريزا. وإذا أردنا أن نفهمَ فكرةَ الآلام في الأسبوعِ العظيم، علينا أن نربطَها بفكرةِ العطاء. فإن أعطينا فقيراً ما نحنُ بحاجةٍ ملّحةٍ له نشعرُ بوجع ٍكبير، فكيف إذاً عطاءُ الله الكامل؟ حتماً هو مرفقٌ بالألم، وخاصة إذا كان من يُعطيه يجهلُ قيمةَ العطاء. ونحن البشر عندما نُعطي مَن لا يقدِّر قيمةَ العطاء نشعرُ بتألّم، فنمتنعَ عن هذا الفعل تجاهَ هذا الشخص مجدّداً، أما الربّ فيُعطينا، ونحن نجهلُ قيمةَ عطائِه، فيتوجعُ إلا أنّه لا يتوقفُ عن العطاء تجاهِنا، أي وجعٌ على وجعٍ وألمٌ على ألم. وهو يُريدُنا فقط أن نفرحَ بهذا العطاء، لذا فإن الأسبوعَ العظيم هو أسبوعُ الفرحِ لأنه أسبوعُ الحبّ.
وهناك إنسانٌ كان يرى الرَّبَّ يسوع في صورةٍ لا تشبه حقيقتَه، وعندما اكتشف أنَّ الصُّورة التي في خياله ليست حقيقيةً لم يحتمل، كان اسمه يهوذا. ويهوذا كان مُخلِصاً وصادقاً في اتِّباعه ليسوع، إذ كانت في باله صورةٌ ليسوع تبِعَها هو بصدقٍ، وعندما اكتشف أنَّ يسوع لا يشبه الصورة التي في خياله كان أمام خيارَين، إمَّا أن يغيِّر الصورة التي في رأسه ويتَّبِعَ يسوع الحقيقي وإمَّا أن يُلغي يسوع، وقد اختار الثَّانية لأنَّه أسهل على الإنسان بكثيرٍ أن يلغيَ الآخر من أن يغيِّر فكرَه، لأن فكرَهُ هو صنمُهُ ومن الصَّعبِ أن يكسِرَ الإنسانُ صنميَّتَه التي يعبدها. ولكن من كان يهوذا؟ لُقِّبَ يهوذا بالاسخريوطي – والاسخريوطي باليونانية تعني سيكاريوس أي الخِنجر- لأنَّه كان من الحزب أو المجموعة التي تسلَّحت لتُعيد حكمَ إسرائيل ومملكة داود بواسطةِ الخنجر، وتطرُدَ الرُّومان. وعندما رأى أنَّ يسوع يصنعُ العجائب، ويتكلَّم كمن له سلطانٌ وأنه المسيح، اعتقدَ أن الله قد أرسل يسوع المخلِّص لينتشلَهم من العبودية ويُعيدَ إليهم حكم إسرائيل الكبرى. إلَّا أنَّ يسوع، مسيحُ الله، لم يكن كذلك، وفي هذه الحالة فإنَّ أحدَ الثلاثة – يهوذا والله ويسوع – مخطئٌ. وبما أنَّ الله لا يخطئ، ويهوذا نفسه لا يمكن أن يخطئ بنظرِ نفسِه، فإنَّ المسيح برأيه هو من كان المخطئ، فمَسَحَهُ بثلاثين من الفضَّة. أي يهوذا كان يتبع مسيحَه لا مسيحَ الله. وعندما اكتشف أنَّ المسيح يسوع هو مسيحُ الله قرَّر أن يلغيَه لأنه لم يحتمل المحبَّة، لم يحتمل أن يحبَّ عدوَّه وهو تحت نيرِ العبودية، فقتَلَ بخنجَرِهِ محبَّة الله التي لم يحتملْها إذ باعها بالمالِ، لأنَّ الطَّريقة الأسهل للحصول على محبَّة الناس هي شراء محبتِهم، وهذه اللُّغة ليست مسيحيَّةً نهائيَّاً. ويهوذا قد أدركَ قيمةَ حبِّ الرَّبِّ يسوع في اللَّحظة التي أسلمَهُ فيها، وهذه اللَّحظة كانت البداية بالنِّسبة ليسوع لأنَّه لو تابَ يهوذا لصفحَ الرَّبُّ عنه، إلَّا أنَّه لم يفهم وآثر الانتحار. فبطرس قد أنكرَ المسيح ثلاثَ مرَّاتٍ، إلا أنه بكى بكاءً مراً، وكلَّفَه الرَّبُّ بعدَها بتصيُّدِ نفوسِ النَّاس.
وهناك أيضاً الجماهير الذين اجترحَ يسوعُ معهُم العجائِبَ. إنَّ النَّاس الذين مجَّدوا يسوع عندما صنع العجائب وقالوا: “لم يأتِ إنسانٌ مثل هذا قط” هم نفسَهم الذين صرخوا: “ليُصلَب”، لأنَّه لم يكن الذي أرادوه. وصحيحٌ أنَّ من يشعر بحبِّ الآخر له يفرح، إلَّا أنَّه يصبحُ تلقائياً مسؤولاً أمام هذا الحب، لأن المحبَّة تتحوَّل إلى الانتباه إلى الآخر وتلبية حاجاته دون أن يطلب، وهكذا صنعَ يسوع إذ عرف حاجاتنا ولبَّاها دون أن نطلب وبالرغم من رفضنا له. وهناك فرقٌ كبيرٌ بين تلبيةِ حاجة من نحب وتلبية رغباته، فيسوع قد لبَّى حاجاتنا، أما نحن فنعتبرُ أنَّ على من يحبَّنا أن يلبِّي رغباتنا، وهذا ما أراده يهوذا. والإنسان الرُّوحاني هو الذي يعرف ماهي حاجاته ويفصل بينها وبين رغباته وبالتالي تتغيَّر أولوياته.
ويسوع قد أحبَّ يهوذا، وأحبَّ التلاميذ الذين خافوا، وبطرس الذي أنكره، ولكنَّهم قد اكتشفوا هذا الحب عندما قام وظهر لهم قائماً، لأنهم كانوا بحاجةٍ إلى برهان لأنَّهم بَشر. أما نحن، فما عذرنا؟ إنَّ البرهان قد حدثَ وقام المسيح من بين الأموات، فكيف لنا أن نتصرَّفَ وكأن المسيح لم يحبَّنا أو وكأننا لا نصدق؟ ويببقى يسوع يحبُّنا ويتوجَّع ونحن لا نقبله ولا نفهمه ونستهترُ به، ياله من حبٍّ موجع! ويأتي الأسبوع العظيم لينبِّهنا إلى هذا الحب.
ومن يُحَب ويفهم هذا الحب، يشعر بفرحٍ من جهة، ومن جهة أخرى يصير متمتِّعاً بأمرٍ لا يوصف، وهو القدرة على مسامحة من يخطئ في حقِّه. والقداسة هي أن تتغيَّرَ نظرتنا للأمور بسببِ حالة الحبِّ التي نحياها، بل بسبب حالة المحبوبيَّة التي نعيشها إذ لا يُطلَب مِنَّا شيءٌ سوى أن نتلقَّى محبَّة يسوع. وكلُّ من قبل حب يسوع واقتنع به، يصبح بدوره مُحبّاً للناس، ويتألم ولكن دون تذمُّرٍ وهو ما يزرعه فينا حبُّ الله لنا. ويأتي يومُ الصَّلب الذي لا يُصدَّق، إذ استهزأ النَّاس بيسوع وشمتوا به وعملوا على تذكيره بالعجائب التي صنعَها وأظهرَ سلطانَه من خلالها، وطالبوه بالنزول عن الصَّليب ليصدِّقوا أنَّه ابن الله، فما كان منه إلا أنَّ أجاب بقوله: “اغفر لهم يا أبتاه لأنهم لا يدرون ماذا يفعلون …”
ملاحظة: دُوِّنَ التأمّل بأمانةٍ مِن قِبَلِنا.