تأمّل روحيّ،
الأب ميشال عبود الكرملي،
الحياة بعد الموت،
الرياضة الروحيّة السنوية لجماعة “أذكرني في ملكوتك”
دير سيّدة العناية، بيت المحبة – أدونيس، جبيل.
يستهلّ الأب ميشال عبّود محاضرته بالإشارة إلى تاريخ يوم هذا اللقاء، منوّهاً إلى أنّ اللحظة التي تمرّ لا عودة إليها بل نتحضّر بعدها للحظة التّالية. وأشار إلى أنّ لحظة أو ساعة، أو يوماً واحداً، أو يومين يكفيان لتغيير حياة كاملة إذا ما سمعنا كلمة تلمس عمق كياننا؛ لأنّ للكلمة تاثيرها الفعّال، فهي قد تفرح وتنمّي اللّحمة بين النّاس، كما قد تجرح وتقطع وسائل الاتّصال بينهم، الكلمة تحيي، وتميت.
وكلامنا اليوم يدور حول: “الحياة ما بعد الموت”. وقد أشار إلى أنّ أولى مصادر معرفة ماذا يوجد بعد الموت، هي الإنجيل المقدّس الذي بقراءتنا المتأنّية له، نستطيع أن نسبر أغوار ما بعد الموت أو أن نتخيّلها على الأقلّ،
مستشهداً بتجربة الرّئيس الفرنسي الرّاحل “فرانسوا ميتيران”، التي جاءت في كتاب:”سرّ موت فرانسوا ميتيران”، حين أعياه المرض في أشهره الثّمانية الأخيرة، فذهب إلى “جان كيتان”، الفيلسوف المسيحيّ الملتزم، يسأله عمّا يخبّئه الموت، فطلب منه أن يقرأ الإنجيل حتّى يعرف؛ وهذا ما أمضى أيّامه الأخيرة يفعله بشهادة كاتب الكتاب.
وبما أنّ لا أحد يعرف عن السّماء إلاّ من نزل من السّماء، أي يسوع المسيح، فقد ترك لنا الإنجيل حتى نعرف ذلك؛ وهذا ما توصّل إلى إدراكه القدّيسون الأبرار.
وكما أنّ طبيب التّجميل يشرح للمريض التّحوّل الذي سوف يطرأ عليه، وكيف سيبصبح شكله بعد العمليّة، ولا يتطرّق لتفاصيل العمليّة بحدّ ذاتها، وكما أنّ الأهل عند استعداد أولادهم للسّفر إلى مكان ما، لا يهتمّون بتفاصيل ما قبل السّفر، بل يطلعونهم عمّا ينتظرهم هناك بعد السّفر، كذلك نحن في سفر دائم على حدّ قول القدّيس أوغسطينوس. وكما أنّ المسافرين، قديماً، كانوا يبعثون بسلاماتهم إلى ذويهم، وبرسائلهم التي لا يجيدون قراءتها أحياناً فيفسّرها لهم آخرون، كذلك نحن نتلقّى السّلامات والرّسائل ممن سبقونا عند يسوع- فصاروا مثله، هو القائل: من آمن بي، يعمل أعمالي”- عبر الكتاب المقدّس.
وانطلاقتنا ستكون مع الكتاب المقدّس المقسوم إلى عهد قديم وعهد جديد، وفي هذا الأخير وبخاصّة في إنجيل “متّى” نذكر “الملكوت” جدّا، ونذكرها في الأبانا وحدها مرّتين.
وفي كتاب “سفر الرّؤيا” كلام كثير من لا يدركه يعتقد أنّه يدور حول الكواكب إلاّ أنّ كل ما جاء فيه قد تمّ لأنّه يتكلّم عن الرّجاء، بعد الوجع والألم والاضطهاد الذي عاشه المسيحيّون باسم من آمنوا به من دون أن يروه. وقد أتى في سفر الرّؤيا الفصل 21 ما يلي:
” وقد رأيت سماء جديدة لا بحر فيها”، والبحر يعني الموت عند العبرانيين لأنّهم لم يروا فيه إلاّ الموت: من الطّوفان، إلى عبور البحر نحو أرض المعاد، ما قتل كثيرين منه. أمّا السّماء الجديدة فدليل إلى تغيّر النّظرة إلى مفهوم السّماء والأرض، ومفهوم الحياة ككلّ. ويتابع ليقول: “وأنا رايت مدينة أورشليم الجديدة نازلة من عند الله مجهّزة كأنّها عروس مجهّزة لعريسها، وسمعت صوتاً هاتفاً من العرش: الآن صار مسكن الله بين النّاس، هو يسكن بينهم، وهم يصيرون شعباً له؛ الله نفسه يكون معهم، إلهاً لهم، وسيمسح كلّ دمعة من عيونهم، إذ يزول الحزن والصّراخ والألم، لأنّ الأمور القديمة كلّها قد زالت”.
كثيراً ما يتساءل الإنسان تجاه حتميّة الموت عن سبب ولادته بالأصل، لأنّه يرى في الموت ألماً وفراقاً، لذا سنقوم بمقارنة سفر التّكوين بسفر الرّؤيا. الأوّل ويختصر بالخلق ونفخ روح الله في الإنسان مما جعله أبديّاً مثله، وتمشّى معه في الجنّة، وسلّطه على كلّ شيء، في علاقة حميمة، ولكنّه حرّم عليه شجرة معرفة الخير والشّر التي استباحها الإنسان مخالفاً وصيّة الرّب، عند دخول الشّيطان، الطّرف الثّالث. ويُعرّف الشّر أو عدوّ الإنسان بالجسد، كما يقول مار بولس، والعالم الذي لم يفهم قصد الله، على حد قول مار بطرس، والشّيطان الذي يوقف مشروع الله الخلاصي ويسقطه من الجنّة بعد أن تنصّل كلّ من آدم وحوّاء من مسؤوليّة الخطيئة، فجاء يسوع ليحمل معاصينا وخطايانا.
في سفر التّكوين تدخل الخطيئة إلى الإنسان، أمّا في سفر الرّؤيا فتخرج الخطيئة منه. في سفر التّكوين هروب للإنسان من وجه الله، أمّا في سفر الرّؤيا فلقاء بين الله والإنسان، كما أنّه في سفر التكوين ينال الإنسان اللّعنة، ويعيش في حزن وندم وتسود الخطيئة ويضيع الفردوس، أمّا في سفر الرّؤيا فتزول اللّعنة وينال الإنسان النّعمة، ويُمّحى الحزن ويضمحلّ الألم والنّدم وتختفي الخطيئة ويستردّ الفردوس. في سفر التّكوين، الموت نهاية الإنسان، ولكنّ المؤمنين يحيون إلى الأبد مع اللّه في سفر الرّؤيا.
ويسرد الاب عبّود تجربة فتاة كانت محاربة ومناضلة ضدّ الدّين المسيحي، ودفعها موت أخيها إلى التّساؤل حول ماهيّة ما بعد الموت، وبخاصّة أنّها كانت قد دفنت هرّتها التي ماتت قبل أخيها بأيّام، فتأكّدت أنّه من غير المعقول أن تتساوى الهرّة وأخوها في هذا السّر! لا بدّ أن يكون هناك تفسير! فراحت تقرأ الإنجيل والقرآن وكتاب بوذا حتّى ارتدّت إلى المسيحيّة بمساعدة كاهن مرشد. وبالتّالي، هذا الفرق بيننا والكائنات هو ما يؤكّد بأنّ الإنسان هو كائن البعد، لأنّه خُلق على صورة الله ومثاله، لا بالشّكل بل بكونه السّاعي الوحيد إلى السّعادة ومعرفة خفايا ما بعد الموت وإلى تحقيق وجوده.
والإنسان مدعوّ إلى ما بعد الموت، وخريطته في سبيل ذلك هي الكتاب المقدّس، الذي بدأ ببشارة الفرح لمريم من قبل الملاك: “افرحي”، ولزكريّا: “لا تخف”، وللرّعاة: “ها أنا أبشّركم بفرح عظيم يكون للشّعب كلّه”. أيّ فرح وأطفال بيت لحم يقتلون، وراحيل تبكي على بنيها وتأبى أن تتعزّى لأنّهم زالوا من الوجود، وبدأ التّناقض في الحياة؛ فالبشريّة بدأت بالألم مع قتل قايين لهابيل. ثمّ يأتي الميلاد أي سرّ الخلاص، وسط بكاء الأطفال؛ ومن هنا يتبيّن بأنّ الفرح الذي بشّر به الملاك كان فرح السّماء الرّوحي لا فرح الأرض الجسدي. ثمّ يأتي يسوع ليبشّر بملكوت السّموات: “توبوا فقد اقترب ملكوت السّموات”، الذي حلّ بمجيئه، والذي انتظرته الشّعوب قبله. وقد أعطى يسوع لتلاميذه علامات مجيء الملكوت، من شفاء المرضى وغيرها، حتّى ذهلوا وسألوه ماذا تعطينا بعد؟ وشدّ أنظارهم إلى فوق قائلاً: “إنّ أسماءكم مكتوبة في السّماء”. وكلّ من آمن بيسوع، يكتب اسمه في سجلّ الحياة؛ ثمّ يطلعنا الأب عبّود عمّا جاء في سفر الرّؤيا عن سجلّ الحياة، بما اختصاره وقوف الأموات أمام سجل الحياة المدوّنة فيه أسماؤهم، وأعمالهم، ومن غاب اسمه عن السجل طرح في بحر من نار.
ويستطرد الأب عبّود للكلام عن نار جهنّم المُعَدَّة لإبليس وشياطينه، لا للإنسان! والله كأب لا يرمي أبناءه في النّار.
ثمّ ينقل عن قداسة البابا يوحنّا بولس الثّاني قوله:” نعبر الى الحياة الثانية واعيننا مفتوحة” ، فنحن أبناء السّماء، وإخوة المسيح، وشركاؤه في الميراث، أي الملكوت. وهو عندما دعانا لنتبعه وعدنا بالصّليب لا بالحياة السّهلة الخالية من أيّ صعوبة! والله لا يحرم من الميراث من أولاده إلاّ من يترك الآب بكامل إرادته، لأنّ رحمة الرّب واسعة جدّاً، وهو مسامح إلى أبعد الحدود، لكن “المحبّة لا تستغلّ المحبّة”، فعلينا بدورنا أن نبادله الخير وأن نتربّى على المحبّة. ويقول “يوحنّا الصّليب”: “في مساء حياتنا سنُدان على المحبّة”، لأنّ الله محبّة، والسّماء عي لمن أحبّ الرّب وعاش بنوّته. كما أنّه يسمح للبعض أحيانا بتذوّق السّماء على الأرض، واعداً إيّانا جميعاً بالتّجلّي في السّماء.
وختم بالتّذكير بأنّ العابر إلى السّماء، والموعود بالملكوت، لا يخاف الموت، بل يصبر، ويعيش حياته الأرضيّة هذه واضعاً المشاكل تحت رجليه لترفعه، لا فوق رأسه فتوقعه وتغرقه؛ كما أوصانا أن نعيش هذه الحياة بحبّ وفرح، حتّى مع عقبات الألم، لأنّ الألم لا يولّد الحزن إنّما الحزن هو مولِّد الألم.
ملاحظة: دُوِّنَ التأمّل بأمانةٍ مِن قِبَلِنا.