تأمّل روحيّ،

الأب دومينيك العلم المريمي،

العودة الى حضن الآب،

الرياضة الروحيّة السنويّة 2010
المقرّ الروحي لجماعة “أذكرني في ملكوتك”

استُهِلّت الرّياضة بصلاة، وتلاوة مزمور، وترنيمة، قبل الانتقال إلى قراءة من القدّيس باسيليوس الكبير، تلتها الأبانا ومباركة الأب دومينيك للجماعة بصلاة خاصّة وترنيمة، تمنّى بعدهما للجميع رياضة مميّزة، لغسل القلوب والأفئدة بالتّوبة والصّوم والمصالحة مع الله ومع النّفس. ثمّ نوّه الأب دومينيك بكون مركزنا علّيّة صهيون، وعلّيّة البشارة الدنيويّة، فيها نستعدّ للانطلاق إلى بيت الرّب، وهي استمراريّة لجبل التّجلّي حيث اكتشف التّلاميذ حقيقة الثّالوث فأمرهم المسيح بالسّكوت عنه حتّى قام بالمجد من الموت؛ وتمنّى الأب دومينيك ان نعيش حقيقة هذا التّجلي في هذا اللّقاء الرّوحي.

انتقل الأب دومينيك إلى صلب موضوع اللّقاء المستقى من أحد الابن الضّال، أو الابن الشّاطر، وهو: “العودة إلى الآب”، واستطرد نحو آحاد زمن الصّوم والآلام، والتي تتجلّى بتواترها وتواليها بحدث الصّلب والموت، فمن أحد الأبرص ذي الجسد المهترئ المرذول من النّاس، إلى أحد نازفة الدم، إلى أحد المخلّع المُسمّر على سرير الألم، وذلك كجسد الرب يسوع المسّمر على الصّليب والذي نزف دماً وماءً حين طعن بالحربة؛ وعلى رأسه إكليل الشّوك، غير قادر على الحراك؛ وصولاً إلى أحد الأعمى الذي أراد يسوع – نور العالم- أن يعيد له النّور، كما أظلمت الدّنيا عند موته على الصّليب ليشرق نوره في القيامة. هكذا امتصّ يسوع تاريخ ألم البشريّة وتمّ عمل الفداء. فالخلاص نعمة إذا اقتبلناها نلنا السّماء.

ثمّ تلا الأب دومينيك القسم الأوّل من إنجيل الابن الضّال، متوقّفاً عند تعابيره الدّقيقة، فالأب يعني الآب السّماوي والابنان الأصغر والأكبر يرمزان إلى كلّ منّا، وقد طلب الأصغر حصّته من مال أبيه، و”بعد أيّام قليلة جمع الاموال وسافر إلى بلد بعيد”، دليل على أنّه ضاق ذرعاً من العيش في بيت أبيه، فتركه وابتعد عنه قدر الإمكان، وهذه هي الخطيئة الكبرى في الابتعاد عن الآب نهائيّاً، ورفض أيّ وجود له في حياته. وبدّد الابن أمواله في حياة الطّيش الذي يعني مختلِف أهواء هذه الدّنيا، ممّا أوحى به الإنجيل. ثمّ حدثت في ذلك البلد مجاعة، فبدأ يشعر بالعوز، فلجأ إلى أحد سكّان ذلك البلد ، فأرسله إلى حقل ليرعى الخنازير؛ والخنازير في الكتاب المقدّس كلمة-مفتاح، تعني الحيوان الأكثر لعنة، وهذا تنويه إلى أنّ هذا الابن الذي كان سيِّداً، في بيت الجاه والعزّ والمال، يخدمه الجميع، صار خادماً لأدنى مخلوقات الله وأكثرها لعنة، وأحقر منها. وصار يشتهي ما تأكله الخنازير، وتتنعّم به ولا يعطيه منه أحد. وهنا، قام الابن بالخطوة الأولى من خطوات التّوبة وهي فحص الضّمير، عندما عاد إلى ذاته، وقال: ” … أقوم-وفيها حدث القيامة من الموت- وأمضي- وفيها مسيرة مع الكنيسة- إلى أبي وأقول: يا أبي خطئت إلى السّماء وأمامك…”، وكلّ هذا هو فحص للضّمير وأخذ للقصد الصّالح، وندم. ” فقام، وجاء إلى أبيه، وفيما كان لا يزال بعيداً، رآه أبوه، فتحنّن عليه…”، وهذا دليل على رحمة الله الواسعة وحبّه لأبنائه الذين مهما ابتعدوا عنه، يترقّبهم من بعيد، وينظرهم مهما نأوا. “فأسرع الأب نحوه وضمّه وقبّله طويلاً، فقال له ابنه…”، وفي هذا العمل إقرار عند الآب بالخطيئة، وفي مسامحة الأب لابنه، واحتفاله بعودته، وخلاصه من ضلاله وموته، تمّت عناصر التّوبة.
بعدها انتقل الأب دومينيك إلى القسم الثّاني من إنجيل الابن الضّال، ومحوره الابن الأكبر، الذي كان في الحقل يعمل أثناء عودة أخيه، فاستغرب من أصداء الاحتفال في البيت فتساءل عن السّبب، وعرفه، فغضب ورفض الدّخول، فخرج أبوه يتوسّله، عندها صرّح له الابن الأكبر بسبب غضبه، وهو أنّه كان أميناً له طوال الوقت، وساعده دائماً، ولم يُعطه يوماً نعجة يتنعّم بها مع أصدقائه، بينما، ذبح والده العجل المسمّن لأخيه الذي بدّد الثّروة على الزّانيات. عندها أوضح له الوالد أنّه معه دائماً، وأنّ كلّ ما يملكه هو له، وأنّه كان لا بدّ من الاحتفال بالأخ الأصغر الذي كان ميتاً فعاش، وضالاًّ فوُجِد.

ثمّ راح الأب دومينيك يشرح أصل الخطيئة وجوهرها الكامن في البعد عن الله، وهي الاستقلاليّة الأنانيّة، آفة الآفات منذ القدم، إنّها عمليّة التّخيير التي أنعم الرّب بها على آدم وحوّاء فعصيا أمره، وجاءت خطيئتها ثلاثيّة الابعاد: فقد عصيا أمره اوّلاً، ثمّ خافا منه عندما نزل يتمشى معهما، (وإحدى مفاعيل الخطيئة، هي الخوف من الله)، بعدها تخاصما، وتراميا المسؤوليّة (من مفاعيل الخطيئة، خلق الخصومة بين البشر)، حتى تبلورت العداوة إلى عهد قايين الذي قتل أخاه هابيل، أمّا ثالثاً وأخيراً فقد خلقت الخطيئة انفصال وعداوة بين الطّبيعة والإنسان، بعدما كانت الطّبيعة ملكاً لهذا الأخير.

إنّ ما حدث مع الابن الشّاطر، يمكن أن يحدث مع كلّ منّا إذا ما طلب من الرّب نعمة الزّواج، والإنجاب، وراح وبذّرها في أعمال الطّيش كالخيانة والإهمال وغيرها، أو إذا ما طلب الغنى وبذّره على شراء آلات الحرب والطّمع… ولكنّ هذا الابن ندم وتاب وعاد إلى أبيه، طمعاً برحمته الواسعة، إذ أعاد له هذا الأخير الملك في الثّياب الفاخرة، والسّلطة في الخاتم، ودعاه إلى مسيرة جديدة في الحذاء، وفرح به من خلال ذبح العجل المسمّن.

ولكنّ المشكلة في هذا النّص لا تكمن في الابن الضّال بل في أخيه؛ فالأوّل أخطأ ككلّ البشر، وكان صادقاً مع نفسه ومع أبيه، لكنّ أخاه الذي ينعم بملك أبيه، ويخدمه، كما ينعم المسيحيّون اليوم بملك الله، ويطبّقون شريعته بحذافيرها كوثنيّين، وتنقصهم النّعمة، لأنّهم يقفون حاجزاً بين رحمة الله والخاطئ، ويحكمون على الآخرين ظلماً، ويرفضون خلاص إخوتهم.

وختم الاب الرّياضة بالتّذكير بانّ زمن الصّوم والتّوبة، لحظة ودقيقة عند الرّب، اللاّزمني، الذي يمكن له أن يغفر لأكثر النّاس خطيئة إذا ما تابوا وآمنوا، تماماً كما حدث مع لصّ اليمين. ودعانا في هذا الزّمن إلى فرز إيجابيّات حياتنا وسلبيّاتها، حتّى نقوّي الأولى، ونحاول التّخلّص من الثّانية، بفحص الضّمير، وصفاء النيّة، والتوبة وطلب المغفرة ، وبقوّة الإرادة والبدء بالمسيرة الخلاصيّة. كما أنّه علينا أن نجهر بإيماننا بالله أمام النّاس، من خلال تناولنا ليسوع المسيح كجماعة، إذ نصبح مساكن له، وإخوة به، وبالاتّحاد بيسوع المسيح في تناول القربان، نعبر به ومعه وإليه.

ملاحظة: دُوِّنَ التأمّل بأمانةٍ مِن قِبَلِنا.

Instagram
Copy link
URL has been copied successfully!
WhatsApp