تأمّل روحيّ،

الخوري جوزف سلوم،

على ماذا ترتكز روحانيّة جماعة “اذكرني في ملكوتك”؟،

الرياضة الروحيّة السنوية لجماعة “أذكرني في ملكوتك”
دير سيّدة العناية، بيت المحبة – أدونيس، جبيل.

شدّد الخوري جوزف سلوم في البداية على أهميّة الأصول والأساس ونقطة الانطلاق في كلّ ما في الحياة: من علاقات اجتماعيّة على مختلف أنواعها، إلى انطلاقة الجماعات المختلفة، إلى ساعة الدّعوة والقبول عند الأب أو الخوري أو الرّاهبة…إذ إنّ هذه البداية، تحيي فينا روحًا مغيّرةً، محرّرةً ،أصيلةً، قادرة على لمّ فتات المتناقضات النّاجمة عن تأثيرات الزّمن والحياة بين الجماعات، أو حتى في نفوس الأفراد أنفسهم…
ثمّ انتقل مباشرة إلى أصول ومصادر وأسس الملكوت المتعدّدة في الإنجيل المقدّس، شارحا إيّاها:

– المصدر الأوّل: هو صلب يسوع في الجلجلة بين لصّ اليمين ولصّ الشّمال أي اليسار.
ويمثّل لصّ اليسار الّذي قال ليسوع: “إن كنت حقّا ابن الله، فخلّص نفسك وخلّصنا”، الشّيطان الذي طالما جرّب المسيح؛
أمّا لص اليمين فقوله: “أذكرني متى أتيت في ملكوتك”، ليس إلا صرخة توبة وإيمان لأنّه رأى في يسوع: “المخلّص”. فيسوع لم يؤجّل خلاص اللّص، ولم ينتظر ريثما يدرس وضعه وحالته، بل قال له: “اليوم تكون معي في الفردوس”.
تماما كما في بشرى الملاك: ” اليوم ولد لكم مخلّص”؛ وفي الإنجيل ورد: “اليوم إذا سمعتم صوته ،فلا تقسّوا قلوبكم”؛ فالخلاص مع يسوع إذا حاليّ وآنيّ، لا تلكّؤ فيه، ولا مماطلة. كذلك قال يسوع للصّيّادين: “ارموا الشّبكة عن اليمين”، فطفحت سمكًا. وعندما يأتي الملك يفرز الخراف، آل اليمين المخلّصين عن اليمين، من الجداء عن اليسار؛ وبذلك لم تعد “اليمين” مجرّد جهة أو مكان، بل صارت حالة إيجابيّة، إيمانيّة، إلهيّة.

أمّا المصدر الثّاني: فهو قيامة يسوع المسيح من بين الأموات، والتي عليها بني إيماننا وهي الأصل والأساس:” لو لم يقم المسيح من بين الأموات، لكان إيماننا باطلا”،على حدّ قول القدّيس بولس.
فبموته نزل يسوع إلى أعماق الجحيم، وداس الأبواب والأقفال، وأمسك بأيدي موتانا، ونشلهم من عذابهم؛ وهذا ما تصوّره أيقونة القيامة. فالعهد الجديد ليس إلا متابعة للعهد القديم، وما جوهر روحانيّتنا وإيماننا، إلا القيامة والحياة الأبديّة.

أما المصدر الثّالث: فهو إنجيل “الغنيّ ولعازر”، اللّذين ماتا، وللموت حقّ على الجميع، فهو حصّاد يجمع الكلّ، فقراء وأغنياء، ويساوي الجميع تحت منجله في الغياب. إلا أنّ مصير ما بعد الموت، هو بيد الموتى وحدهم. فالغنيّ ضاع اسمه بين ممتلكاته وأمواله، فنزل إلى الجحيم ومكان العذاب؛ أما لعازر، فقد حفرت أعماله الصّالحة اسمه بماء الذّهب، فحملته الملائكة، ووضعته في أحضان ابراهيم، لذا فمن أراد الوصول إلى السّماء ، فليؤمن، وليعمل الصّالحات وسط عذابه، ترجّى الغنيّ الربّ أن يخبر إخوته الخمسة، بما ينتظرهم من عذاب، ربّما يغيّرون مسار حياتهم، لئلا ينتهوا في الجحيم؛ وهذا أساس رسالتنا التي نرسلها إلى إخوتنا الخمسة في أربعة أقطار العالم.

وقد ركّز الأب جوزف، في الشّقّ الثّاني، من الرّياضة على جماعة “اذكرني في ملكوتك”، المنطلقة من الكنيسة، الحضن الذي يدفئ، ويشفي، ويساعد. فنحن إذا، جماعة كنسيّة ترتكز روحانيّتها وأهدافها على خمس ركائز مهمّة وهي:
– المواظبة على تعاليم الرّسل.
– التّعرّف بإنجيلنا، كلمة الربّ، وعيشه بعمقه.
– كسر الخبز في سرّ الإفخارستيا أو القدّاس،لأنّه علامة الوحدة، وهو لا يقام فقط من أجل موتانا، بل من أجل كلّ واحد منّا، لخلاص نفوسنا ونفوسهم، ولتحقيق شراكة الموتى مع القدّيسين؛ أفلم يقل الرّب:”وأنا أقيم في اليوم الأخير كلّ من يتناول جسدي؟”.فالقربان المقدّس هو أهمّ ما في الجماعة، هو نبع الينابيع، هو ذروة القيامة.
– الصّلاة الفردية أو الجماعية؛ “فمن يعش في الصّلاة، يعش مع الرّب”.
فالصّلاة من أجل راحة أنفس موتانا، مع الأبانا والسّلام وصلاة الجماعة، هي ما يجمعنا، ويوحّدنا، ويقوّينا، ويقدّسنا.
– الحياة المشتركة:” إن أحبّ بعضكم بعضا، بهذا يعرف العالم أنّكم تلاميذي”. لذا، فشراكة المحبّة التي تجمعنا على تعدّديّتنا واختلافاتنا، هي ما يجعلنا علامة على كنيسة يسوع، نتعلّم الصّفح والغفران والعطاء، فلا يعود بيننا محتاج.
المشروع ليس ملكنا، بل هو مشروع السّماء، مشروع الله فينا، ممّا يجعلنا جماعة إلهيّة لا ترضى بأن يكون أفرادها إلا قدّيسين، يحيون بالنّعمة الإلهيّة التي توحّد بينهم.
فنحن جماعة روحانيّتها مسكونيّة موحّدة بين الفئات والأعمار والطّوائف: فلنعش الملكوت إذا، ولنترك الباقي لله.
ونحن قياميّون، نؤمن بالقيامة، بالحياة الثّانية، صخرة إيماننا وأساس بشرانا. كما أننا جماعة فصحيّة في عبور دائم وولادات مختلفة. وجماعة بشارة بالخلاص، بالسّماء؛ نصرّ على وضع موتانا في أحضان مريم، ونبقى برجاء عند أقدام الصّليب منتظرين الخلاص. كما أنّنا جماعة رجاء نعيش، ونعوّد الآخرين عيش القيامة بالرّجاء بالمسيح يسوع، حاضرين مع بعضنا البعض من أجل بعضنا البعض، إذ إنّنا لسنا جماعة كلام، بل جماعة تصميم وعمل.
وأنهى الأب كلامه بالتّشديد أخيرا على أنّنا قياميّون، ولا نركع، ولا نحزن، بل نتوب، ونتمسّك بالرّجاء والإيمان والتّوبة، حتى نرتفع مع مريم والتّلاميذ إلى السّماء يوم العنصرة.

 

ملاحظة: دُوِّنَ التأمّل بأمانةٍ مِن قِبَلِنا.

Instagram
Copy link
URL has been copied successfully!
WhatsApp