مسيرة وهويّة الإنسان الصّائم،
بقلم الأب زياد صقر،
زمن الصَّوم المقدَّس هو ذكرى صَوم الربّ في البريّة لمدة أربعين يوماً. يُعتبَر وقتاً مُقدَّساً يَعكس اقتداء الإنسان بالمسيح ويَهدف إلى تعزيز العلاقة مع الله والِاتّحاد به من أجل النّموّ الروحيّ. مِن هنا تكمُن أهميّته الكبرى ومكانته المميّزة كاحتِفالٍ ليتورجيٍّ في سلسلة الأزمنة الطقسيّة، لأنّه يحقّق فينا سِرّ اللّقاء مع المسيح القائم من بين الأموات المنتصِر على الخطيئة والموت. وبهذا يُصبح الصَّوم عُنصراً مكوّناً لهويّة وبُنيان المؤمِن.
اليوم، أسقَط كثيرٌ من المؤمنِين هذا المفهوم الحقيقيّ للصّوم، واكتفوا بممارستِه كفريضةٍ دينيّةٍ سنويّة. مِن هنا نَتساءل: مَن هو الإنسان الصّائم؟ متى وكيف تبدأ مسيرتُه؟ وما هي دوافعه: نفسانيّةٌ، اجتماعيّةٌ، دينيّةٌ؟ هل هو بِدافع العادة؟ هل يصوم تحاشياً لانتقادات الأهل والجيران؟ أو ربما بهدف التفاخر ولَفْت الأنظار؟
ما هو زمن الصّوم؟ وما مَوقف إنسان اليوم منه؟ وما هي الخطوات التي تُساعد الإنسان على تحقيق النّجاح في عمليّة الصَّوم وعَيشها؟ تساؤلاتٌ تدعونا لاكتشاف هويّة الصّائم وتوضيح مسيرتِه لعَيش الصَّوم بالكامل، حيث يُعبّر الصّائم عن حاجته لإعادة التوازن الروحيّ وعلاقتِه مع الخالق من خلال ثلاث مراحل أساسيّة:
– وعي الحقيقة الذاتيّة: يُدرك الصّائم أنّه كائنٌ محبوبٌ من الله، مدعوٌ للشراكة معه. يعترف بحدود بشريّته وانحرافه نحو الشرّ، وهذا الوَعي يُعَدُّ بداية العودة إلى الله. يأتي زمن الصّوم كوقتٍ مقدّسٍ للتلمَذة واكتشاف الطريق، حيث يعود الصّائم إلى نضارة الكلمة من خلال وجه الكنيسة التي تُشركنا بسِرّ المسيح الخلاصيّ وتعلّمنا كيفيّة التحدُّث عن إيمانِنا.
– اكتشاف الذّات: يكتشف الصّائم الخطيئة كواقعٍ يَعزِله عن الله، مما يجعله يَشعر بالضّياع الروحيّ ويَدفعه للتّوبة والرّجوع إلى الله. فهَدف الصَّوم هو روحانيّ، يرتقي بالإنسان من مستوى الجَسد إلى الرّوح، فيتَحقّق تجديد إيمانِه وثقتِه باللّه الآب الّذي يُرشده، والمسيح الّذي يخلِّصه، والرّوح القدس الّذي يَعمل فيه.
– انتفاضة على الذّات: من خلال اكتشاف الخطيئة، يبدأ الصّائم في تمرّد داخليّ ضد ذاته، فيُقرّر تغيير حياته بِشكل جذريّ. هذا التحوّل يَعكس محبّته لله وللآخرين، ويجعل الصَّوم نمط حياةٍ روحيّةٍ تتجسّد في أعمالٍ ملموسة.
في النّهاية، يَظهر الصَّوم المسيحيّ كوسيلةٍ لتَحويل حياة المؤمِن من مجرّد طقوس دينيّة إلى مسيرة إيمانيّة حقيقيّة، حيث يَسعى المؤمِن للعودة إلى الله وتحقيق شراكةٍ دائمةٍ معه، مُستمِدّاً مَعونة الله في عمليّة التغيير الروحيّ.