تأمّل روحيّ،
الأب أيوب شهوان،
” مَن يزرع في الرّوح، يحصد من الرّوح حياة أبديّة” (غلا 8:6)،
الرياضة الروحيّة السنويّة لجماعة “أذكرني في ملكوتك”
دير مار يوحنا الحبيب لراهبات القدّيسة تريزا الطفل يسوع – القليعات
إذا عدنا إلى الكتاب المقدس، في الرسالة إلى أهل غلاطية تحديداً، سنجد العبارة التالية في الفصل السادس: “الذي يزرع في الرّوح يحصد من الرّوح حياة أبدية”، وعلى القارئ الجيد أن يدرك أن هذه العبارة لها امتداد على ما يسبقها وما يليها، ضمن إطار يتحدث فيه بولس الرسول عن أمور كثيرة.
ورسالة بولس إلى أهل غلاطية هي الأصعب من حيث لهجة الخطاب، إذ كان فيها الكثير من الكلام الواعي والقاسي، لدرجة أنه يقول لهم: “أيها الغلاطيون الأغبياء”. وذلك لوجود مشكلة ليس بينه وبين اليهود فحسب، بل أيضاً مع المسيحيين الذين هم من أصل يهودي، والذين اعتنقوا المسيحية، ولكنهم يريدون الحفاظ على شريعة موسى على جميع الأصعدة كالسبوت، والختان، وكل ما يتعلق بمنع الأطعمة، إلخ.. فرد بولس عليهم بأنه قد بشرهم بالإنجيل الذي من فوق من عند الله، وليس من أصل بشري، فكيف لهم أن يقابلوه بشرائع بشرية؟ وأن يقابلوا النعمة بأعمال الشريعة الأرضية؟
ومن هنا ينتقل للحديث عن موضوع آخر غاية في الأهمية وهو “الحرية”، فيعاتبهم لأن الإنجيل حررهم فكيف لهم أن يعودوا لتكبيل أنفسهم بسيور الشريعة؟ ويستطرد مشدداً على أن الشريعة سبَّبت غضب الله، لأنَّ أحداً لا يستطيع أن يحفظها بأكملها، يل يحفظ جزءاً ويخالف آخر، وبالتالي يبقى دوماً رازحاً تحت سلطة الخطيئة. ويقول القديس يعقوب في رسالته بأن من يحفظ الناموس ويخطىء بأحد بنوده فقد أخطأ به كله، ويؤكد بولس الرسول أنَّ المسيح قد رفع عنا عبء الشريعة وأعمالها، ولا يجب علينا العودة إلى عبوديتها مجدداً.
إذا فبولس الرسول ينطلق من نقاط ثلاثة:
1- يبشرنا بالإنجيل الذي هو من عند الرب.
2- الشريعة ليست أكثر أهمية من الإنجيل، بل هو الأعظم.
3- بالرغم من أهمية الشريعة، فإن دورها كان عابرا، قام على التحضير والإعداد، فهي كمن يربي طفلا لسنوات قلة، وبعدها يصبح الطفل رجلا مسؤولا عن نفسه. وجاء يسوع ليكمل كل شيء بعد انتهاء دور الشريعة.
وهنا نعود إلى فكرة الحرية عند المسيحي الذي يعيش بحسب الروح، لا بحسب الحرف. والروح هو روح يسوع والروح القدس، أما الحرف فهو الشريعة. اعتاد اليهود الاعتقاد بأنَّ تقدمة الذبيحة في الهيكل تؤدي إلى تلبية طلباتهم جميعها، وفي هذه الحالة يصبح الله خاضعاً لأعمال الإنسان. وقد تحدث مارتن لوثر عن هذا
– وقد شهد انقسام الكنيسة بين البروتستانت والكاثوليك عام 1521 – شارحا قصة الراهب أوغسطين الذي كان ملتزما جداً يسهر الليل ويصلي ويصوم، ومع ذلك استمر بالوقوع في التجربة ذاتها إلى أن أيقن أنَّ نعمة الرب الحرة وحدها تؤدي بنا إلى العيش بحرية. ومن هنا، من يحيا ألم الروح يحيا الحرية، ومن يعش ألم الحرف يعش عبداً.
النقطة الهامة في رسالة بولس إلى أهل غلاطية هي أنها مليئة بالانتقادات المضادة والتقابلات؛
الجسد – الروح، الإنجيل – الناموس، الحرية – العبودية، الصليب – العالم. وإذا قرأنا كتب التعليم الحكميّ، كسفر الأمثال وسفر يسوع بن سيراخ وسفر الجامعة، لوجدنا أن الكاتب يستخدم دوماً أسلوب “الحَسَن يُظهِر حُسنَهُ الضِّدُّ”، وهو ما استخدمه بولس الرسول ليوصل رسالته بأفضل الطرق الممكنة. وبالعودة إلى عبارة “من يزرع في الروح يحصد من الروح” نجد أن بولس الرسول يقابلها مع عبارة أخرى “من يزرع في الجسد يحصد من الجسد”، وهذه المقابلة هامة جداً لنفهم ما يريد الرسول أن يقول لنا.
إذاً، رسم بولس في هذه الرسالة مقابلات بين أعمال الجسد وثمار الروح، حتى يبيِّن أنَّ المسيحي ينقاد للروح وغير المسيحي ينقاد لغير الروح – غير المسيحي الغير مؤمن ينقاد للجسد – ونجد الفرق بين الروح والجسد في كل من العقلية اليونانية وفي أفكار بولس الرسول، فالروح دائماً فوق والجسد في الأسفل، الروح خالد والجسد فانٍ. وهنا يحاول بولس الرسول أن يبيِّن أنَّ أعضاء الجماعة المسيحية يرتقون إلى الروح، والأجمل أن هذا الروح ينعشهم. وهنا يجب أن نفهم السبب وراء قول الرسول بولس لهذه العبارة “من يزرع في الروح يحصد من الروح حياة أبدية”.
إننا بطبيعتنا ننقاد إلى الروح وننتعش به، ولكنَّ المشكلة أننا في بعض الأحيان نضع الروح جانباً ولا نصغي إليه ولا ننقاد إليه، بل نصغي إلى وسوساتٍ خارجية وننقاد إلى أوامر تأتينا من حية هنا ومن إبليس هناك. وهنا يشرح الرسول بولس أن من لا ينقاد للروح ينقاد لغيره، إلى الشهوات. وعلينا أن نتذكر أن الشهوة أمر مقدس وليست خطيئة، وهي جزء من شخصيتنا وكياننا إن أحسنا استخدامها كانت للخير وللحياة، “شهوةً اشتهيت أن آكل معكم الفصح” قال يسوع، ولكن تبدأ المشكلة عندما تتحول الشهوة إلى فوضى. والذي ينقاد للروح يكون سيد نفسه ويثمر ثمارا تليق بالروح، ومن ينقاد للجسد ينقاد للشهوة الغير منضبطة والغير منظمة، فلا تأتيه إلا بالموت.
وأعمال الجسد هي القتل والزنى والخيانة والغدر والسكر والكذب والمكر وغيرها الكثير، ومصير أي إنسان يأتي بهذه الثمار أن يحصد الهلاك، على عكس من يحصد من الروح حياة أبدية. بينما ثمر الروح هو المحبة والصفح والتعاون والتسامح والتعاضد والأخوة والإصلاح الأخوي وغيرها الكثير، وبولس الرسول يقابلها مع أعمال الجسد لأن الإنسان العاقل لايمكن إلا أن يميز بينهما، ونتيجة لهذا التمييز سيختار. وعدم التمييز هو الدخول في عالم الفوضى، حيث يصبح الخير رديفا للشر، وتكون هناك عودة إلى بداية سفر التكوين “وكان خواء وخلاء وكان عدم”، والله لا يريد لنا العدم. بل أراد النظام في الخلق، ففصل بين الليل والنهار، وبين البحر واليابسة، القمر والشمس، وذاك كله ليجلب لنا الحياة، لأن في الفوضى موت. لذلك وضع أمامنا بولس الرسول هذا التقابل الجميل في الآية 8، الفصل 6 من الرسالة إلى أهل غلاطية: ” من يزرع لجسده فمن الجسد يحصد فسادا ومن يزرع للروح فمن الروح يحصد حياة أبدية “. أي إما أن نزرع بذار تؤدي إلى الحياة الأبدية، أو نزرع ما لا يفيد شيئا إلا الهلاك. فالجسد يتلازم مع الفساد، في حين يتلازم مع الروح الخلود. وأجمل اكتشاف ورد في “سفر الحكمة” – الذي دون سنة 50 قبل الميلاد- هو الخلود، أي عدم الموت.
اعتاد يسوع أن يعلم باستخدام الأمثال، أما مار بولس فقد كان يستخدم كلّ الوسائل الأدبية الممكنة، كالاستعارة والرمزية والتشبيه وحتى الأمثال أحياناً. وقد كان يستخدم نظرية فلسفية يوناينية تقول بأن الجسد يبلى بالأعمال السيئة والرّوح يخلَّد بالأعمال الصالحة. وقاد عاد ليقولها بأسلوب جميل جداً “من يزرع لجسده فمن الجسد يحصد فساداً”. والزراعة هنا هي صورة مستلَّة عن الزراعة الأرضية. وتبدأ الزراعة بالعمل الإيجابي. والإنسان المسيحي المنقاد بالروح هو بذاته بذار مقدس لأنه ولد بيسوع المسيح وبالروح القدس. عندما يئس أشعياء النبي من بني إسرائيل أنبأهم أن الربّ سيهلكهم، ولن يبقيَ من هم إلا قلة من الخيرين ليكونوا زرعا مقدّساً ينطلق منه شعب جديد.
نحن إذا زرع مقدس أولاً، وثانياً، قد زرع فينا كلام يسوع، فكياننا زرع مقدس. وإذا زرع الكلام فينا، فهذا يعني أننا أنتجنا. وكلام يسوع الذي زرع فينا هو كلام حياة وليس نظرية. ويقول الآباء في الكنيسة أن كلمة الله التي تزرع فينا تعادل القربان المقدس. فكلمة الله والقربان يدخلان فينا ويتغلغلان في حياتنا، فنكون إذاً زرع مقدس وأنبت أيضا ما هو مقدس، وهذا ما يشدنا ويعيدنا إلى الحياة الأبدية.
كما أننا نحن حاملو هذا الزرع العظيم، نصبح زارعين لما هو مقدس في نفوس الآخرين. وكما نأخذ مبدأ للحياة الأبدية علينا أن نعطي هذه الإمكانية للآخرين أيضا، لذلك نصبح شركاء ليسوع المسيح في الزرع المقدس وفي تأمين الحياة الأبدية، وهذه نقطة جوهرية جدا. وقد ركزت الرسالة إلى أهل غلاطية على البعد الجماعي، إذ أننا لسنا مسيحيين لذاتنا ولخلاصنا وحدنا، بل نحن مسيحييون لغيرنا قبلا ومن ثم لأنفسنا، ونعمل لخلاصنا ولخلاص الآخرين. ومن هنا يصبح المسيحي الذي يزرع في الروح شريكا مع الرب ورسولا له، ويكون مستعدا في كل يوم أن يلقى مصير بولس ومصير يسوع “أيُّ نبي من الأنبياء لم يضطهده آباؤكم؟”، يسوع صلب، بطرس صلب، وبولس قطع رأسه؛ استشهد الرسل جميعهم ما عدا يوحنا. وفي القرون الأولى للمسيحية، في زمن الملك قسطنطين عام 313 م قُتل الآلاف من المسحيين، لأنهم كانوا يبشرون بيسوع المسيح. ونحن أيضا سنعاني الاضطهاد وسنُتَّهم بالهذيان عند حملنا للزرع المقدس وتبشيرنا به، لذا يجب أن نكون أقوياء. أقوياء بقوة من يقوينا، وليس باضطهاد الآخرين والتعالي عليهم، لأن من يحمل رسالة عليه ألا يكون ضعيفا وسط مجتمعه. ورد في الفصل الأول من رسالة بولس إلى أهل رومية، آية 17: “الإنجيل هو قوة الله لكل من يؤمن”. علينا أن نكون أقوياء كقوة الرسول بولس وصديقه سيلا، اللَّذين سجنا في الظلام، وأغلقت عليهما أبواب سبعة، وقُيِّدت أيديهما وأرجلهما ومع ذلك أمضيا وقتهما في الصلاة والتسبيح، فانفكَّ قيدهما وفتحت أبواب السجن وتصدعت جدرانه وتمكنا من الهرب، أي أنهما كانا قويين جدا، توشحا بالروح القدس فانتصرا.
ونحن لا نسعى لتأمين الحياة الأبدية لذواتنا فقط، بل للآخرين من حولنا، فيسوع اعطى جسده ودمه عنا جميعاً. ومن هنا يخطر ببالنا سؤال: “ماذا أفعل كي أزرع في نفسي وفي الآخرين ما ينتج ثمر الروح، ثمرا للحياة الأبدية؟ والجواب هو أننا أُعطينا الحكمة بالروح القدس، الذي يقودنا ويعرفنا الطريق الصحيح الذي يجب أن نسلكه وينهانا عن ارتكاب ما هو من الخطيئة والباطل والشرير، فنحن نعرف مسبقا زرعنا وثمنا وحصادنا لأنها جميعها مرتبطة بالروح القدس. ويقول بولس في الفصل الخامس، الآية 19: “فإذا كان الروح القدس يقودكم فما أنتم في حكم الشريعة”، وفي الآية 22: “أما ثمر الروح فهو محبة فرح سلام طول أناة لطف صلاح إيمان”، نتيجتها الحياة الأبدية، أما أعمال الجسد فنتيجتها الهلاك.
يقول القديس يوحنا الذهبي الفم في معرض حديثه عن هذا الأمر: “إن كنا نخضع للروح نحصد ثمرا روحيا، وإن كنا نخضع لشهواتنا الخاطئة نحصد ضعفاً”. عندما نزرع بالجسد نحصد الضعف وتختفي قوتنا. لأن المعصية تكسر القوة، كما يكسر زرع الجسد الإنسان المؤمن. لذلك يقول فم الذهب: “يليق بنا أن نزرع بذار حياتنا في تربة الروح”، مستخدما صورة الزراعة أيضاً، لأن العمل المسيحي ليس بيعاً وشراءً بل زراعة وحصاد للكلمة الحية يسوع المسيح، أي تعب وجهد، لا راحة كما في التجارة.
وكمثل يوحنا الذي “قبل مريم في خاصته” بعد أن أوصاه يسوع بها على الصليب، كذلك علينا أن نقبل كلمة الله في حياتنا فنزرعها كما يريد يسوع. ومرة جديدة يقول الذهبي الفم: “لا يكون الحصاد حسب ما يكون لدينا من معرفة، بل حسب ما نزرع. قد يكون لدينا قدر كبير من البذار في ذهننا، ولكن إن لم نزرعها في تربة ملائمة لا نأتي بثمر” لذا فعدم استخدام قدراتنا وإمكانياتنا هو بحد ذاته خطيئة، “ومن خلّص نفسا، خلَّص نفسه أيضاً”، ويتابع يوحنا الذهبي الفم قائلا: “من يزرع في الجسد شهوة يحصد ثمارا لا تدوم”، وهذه الثمار هي العقوبة والجزاء والخزي، إلخ..
إن بذرنا صدقات، تنتظرنا كنوز السماء، وإن بذرنا الاعتدال، تنتظرنا الكرامة والمكافأة وتكليل الملائكة وإكليل من الديان. يجعل بولس حديث عامًا فاتحًا باب الغيرة المملوءة حبًا نحو الجميع، مرتفعا بها إلى علو، موصيا إيانا أن نظهر رحمة لليهودي واليوناني بدرجات لائقة بحق، ولكن يلزمنا إظهار الرحمة للبشرية جمعاء.
ملاحظة: دُوِّنَ التأمّل بأمانةٍ مِن قِبَلِنا.