الصّوم والحياة الأبديّة

بقلم المطران أنطونيوس الصوري، متروبوليت زحلة وبعلبك وتوابعهما للرّوم الأرثوذكس  

الصّوم في المفهوم العميق هو تدريب المشيئة البشريّة على الخضوع بالمحبّة للمشيئة الإلهيّة. الخضوع هو إخضاع طوعيّ للذّات بالطّاعة للكلمة الإلهيّة حبًّا بالله، وليس عن خوف أو قهر.

ننقطع في الصّوم عن الطّعام لفترة من الوقت خلال اليوم. هذه الحركة الإمتناعيّة تَمُدُّنا إلى بُعْدٍ آخَر للحياة من خلال خبرة الموت الّتي نستبقها في جوعِ وعطشِ الجسدِ عندما لا نلبِّي له حاجاته هذه. الصّوم عبر الانقطاع عن المآكل والمشارب يأخذنا إلى ذكر الموت… والموت عَبْرَ إيماننا بالمسيح يأخذنا إلى الحياة الأبديّة…

في الصّوم نمتنع عن كلّ ما يَمُتّ إلى الحيوان بِصِلَةٍ في الطّعام من لحم وألبان وأجبان… هذا لنتذكّر عيشة الفردوس الأوّل حيث كان غذاء الإنسان هو البُقول وثمر الأشجار. كان الإنسان في سلامٍ ووَحْدَةِ حبٍّ مع الخليقة كلّها لأنّه كان مطيعًا للوصيّة بالتّسليم للحبيب الإلهيّ.

في تقليد الكنيسة الأرثوذكسيّة نتذكّر مع بداية الصّوم طَرْدَ آدم وحوّاء من الفردوس. لذلك، نستعيد في ذواتنا كلّ تاريخ البشريّة من الفردوس إلى السّقوط في مسيرةٍ نحو الحياة الجديدة بالقيامة، نحو الحياة الأبديّة.

دَخَلَ الموتُ بآدم الأوّل بمشيئةِ المعصيةِ المتأتِّيَةِ من حبِّ الذّات، أي الأنانيّة. ودَخَلَتِ الحياةُ الأبديّة بآدم الثّاني، يسوع المسيح الإله- المتجسّد، بمشيئة الطّاعة الكلّيّة، المتأتّيَة من المحبّة اللّامتناهِيَة، ببذْلِ الذّات.

الصّومُ صارَ طريقنا بالصّلاة في المسيح، آدم الجديد، إلى الحياة الجديدة أو إلى جِدّة الحياة، إلى الحياة بالرّوح القدس في الثّالوث الأقدس في سِرِّ سُكْنَى الإلهِ فينا بابنِه في روحه للحياة الأبديّة غالِبِين الموتَ بالقيامة منذ الآن…

Instagram
Copy link
URL has been copied successfully!
WhatsApp