“طوبى للحزانى فإنّهم يُعزّون” (مت 5:5)
بقلم المطران كيرلس سليم بسترس، متروپوليت بيروت وجبيل وتوابعهما للروم الملكيّين الكاثوليك
هناك نوعان من الحزن: نوعٌ فقد الرجاء والثقة بالحبّ وبالحقيقة، وهو يتآكّل الإنسانَ من الداخل ويُدمِّره؛ ونوعٌ ينجم عن الاضطراب الذي تثيره الحقيقة، ويقود الإنسان إلى التوبة ومقاومة الشرّ. إنّ هذا النّوع من الحزن شافٍ؛ لأنّه يعلِّم الرجاء والحبّ، من جديد. إنّ الّذي يجسّد النوعَ الأوّل من الحزن، إنّما هو يهوذا الّذي أصابه الرعب، وهو يفكِّر في سقطته، فما عادَ يجرؤ على الرجاء، وشنقَ نفسَه فريسة اليأس. أمّا النّوعُ الثاني من الحزن فيجسِّده بطرس الّذي ذرف دموعًا شافية تحت نظر الربّ، ففتحت أثلامًا في تربة نفسه. لقد بدأ انطلاقة جديدة، وأصبح إنسانًا جديدًا.
أورثَنا التقليد صورةً عن الحزن الشافي، حين جلسَت مريم عند قاعدة الصّليب برفقة أختها مريم زوجة كلاوبا، ومريم المجدليّة، ويوحنّا الحبيب. نصادف هنا مجموعة من النّاس الّذين استمرُّوا مُخلِصين ولم يكن بمقدورهم تحييد الشقاء عن مساره؛ إلاّ أنّهم تقاسموا الألم، ووقفوا إلى جانب المحكوم عليه، وتبادلوا الحبّ منحازين إلى الله الّذي هو محبّة. عند قاعدة الصّليب، يمكن أن نفهمَ هذه التطويبة: “طوبى للحزانى، فإنّهم يُعزّون”. إنّ الّذي لا يُقسّي قلبَه إزاء الألم، إزاء شقاء الآخرين، بدلاً من أن يفتحَ على نفسه الشرّ، ويعاني من سلطانه، مؤكدًا بذلك أنّه يقف إلى جانب الحقيقة وإلى جانب الله، إنّما هو يفتح نوافذَ العالم ليدخل إليها النّور.
إنّ الحزن الّذي يتحدّث عنه الربّ هو رفض التأقلم مع الشرّ، ومقاومة النّاس في ما يفعلونه، ورفض نماذج السلوك أو التصرّف الّتي تُفرَض على الفرد. الحزن الّذي تتكلّم عنه التطويبة الثالثة هو المشاركةُ في آلام المسيح الّتي بها “يحمل خطايا العالَم”. هذا الحزن يدخل في صميم السرّ الفصحيّ، ويصير ينبوعَ تعزية. لأنّ ذبيحةَ المسيح تنسكب نتائجُها على مَن هُم في الشدّة والضيق. والنجاة الّتي حقّقتها موهبة الرّوح القدس، أي إقامة يسوع، تنسكب نتائجها على جميع البشر، لأنّ المسيح قد عانى اضطرابَ الموت على الصّليب ليخلّصَ العالَم، وينتصرَ على الخطيئة وعلى الموت.
في هذا السّر الفِصحيّ، سرّ موت المسيح وقيامته، يتّضح معنى التطويبة الثالثة: “طوبى للحزانى، فإنّهم يُعَزّون”، أي طوبى للّذين يرافقون يسوع حتى النهاية؛ طوبى للّذين يقودُهم الإيمان إلى تحمّل محنة الجمعة العظيمة، ويصمدون في الظلمة، لأنّهم سيُعَزّون بموهبة القيامة، الّتي هي عمل الرّوح القدس، “الربّ المحيي”. طوبى لهم لأنّهم يشاركون في قصد الله الخلاصيّ. إنّهم يعملون مع يسوع من أجل خلاص العالَم.
في العهد القديم، تنبّأ أشعيا قائلاً إنّ الله “سوف يُزيل الموتَ على الدوام، ويمسح السيّد الربّ الدموعَ عن جميع الوجوه” (أش 25: 8)، مبيّنًا أنّ البشريّة كلَّها سوف تُعتَق من الموت لتشارك الله في حياته. وتُعيد رؤيا يوحنا هذا الرجاء، إذ تصف أورشليم الجديدة بقولها: “هوذا مسكن الله مع النّاس”. وتُضيف: “سيسكن معهم، ويكونون له شعبًا، “الله – معهم” يكون إلهَهم؛ ويمسح كلّ دمعة من عيونهم؛ ولا يكون بعد موتٌ، ولا نحيبٌ ولا وجع، لأنّ الأوضاعَ الأولى قد مضتْ” (رؤ 21: 3-4).
التعزية الّتي يوعَد بها الحزانى هي في النهاية القيامة من الموت. وقد سبق يسوع وحقّقها في حياته، بصفة كونه المعزّي الأوّل، إذ أقام من الموت ابنَ أرملة نائين (لو 7: 11-16)، وابنة يائيروس (لو 8: 41-56)، ولعازر (يو11: 1-44). وفي رواية هذه الأحداث الثلاثة، يؤكّد الإنجيليّون أن يسوع يخلّص من البكاء ومن الموت. فللأرملة قال: “لا تبكي” (لو7: 13)، ثمّ أقام ابنها من الموت. وللجموع الّذين كانوا يبكون وينوحون على ابنة يائيروس، قال: “لا تبكوا” (لو 8: 52)، ثمّ أقام الفتاةَ من الموت. وأمام قبر لعازر بكى هو نفسه (يو11: 35). لكنّه قال لمرتا: “أنا القيامةُ والحياة. مَن آمن بي، وإن مات، يحيا، ومَن كان حيًّا وآمن بي فلن يموت أبدًا” (يو11: 25-26).
