تأمّل إنجيليّ،
الأب ميشال عبود الكرمليّ.
وقالت مريم،
خلال تأمُّلنا في العذراء مريم، نطرح السؤال: متى تكلّمت مريم؟ وماذا قالت؟
استنادًا إلى الكتاب المقدَّس، تكلّمت مريم بدايةً في البشارة: إنّ النّصّ الإنجيليّ حول البشارة (لو1: 26-38)، يُخبرنا أنّه حين دخل الملاك على مريم مُلقيًا عليها التحيّة قائلاً لها:”السّلام عليك يا ممتلئة نعمةً الربّ معك”، اضطربت مريم لهذا الكلام وسألت نفسها “ما معنى هذا السلام؟”. فقال لها الملاك:”لا تخافي يا مريم، فقد نِلتِ حُظوةً عند الله. فستَحمِلين وتَلِدين ابنًا فسمِّه يسوع.” فقالت مريم للملاك:”كيف يكون هذا ولا أعرِفُ رَجُلاً؟”. إنّ هذا السؤال الّذي طرحته مريم على الملاك يُشبه سؤال زكريّا للملاك يوم بشَّره بِحَبَل أليصابات، مِن حيث التركيبة اللّغويّة؛ ولكنّه مختلفٌ كلّ الاختلاف في المضمون: فسؤالُ مريم كان سؤالاً استفساريًّا بينما سؤالُ زكريّا للملاك: “بِمَ أعرف هذا، وأنا شيخٌ كبير، وامرأتي طاعنةٌ في السِّن؟”، كان سؤالاً يعبِّر عن شكِّه بكلام الملاك الـمُرسَل إليه مِن عند الله. لا نبغي بهذا الكلام اتِّخاذ موقف المدافع عن العذراء مريم، وإبعاد عنها كلّ احتمالٍ في شكِّها بكلام الملاك، إذ يحقّ لكلِّ مؤمِن أن يطرح التساؤلات على الله حين لا يفهم تدخّل الله في حياته.
إنّ مريم وزكريّا كانا مؤمِنَين بالربّ ولذا رغِبا في معرفة تفاصيل حول تدخّل الله المفاجئ في حياتهما، ولذا طرحا الأسئلة على الملاك. حين سألت مريم الملاك:”كيف يكون هذا وأنا لا أعرف رَجُلاً؟”، أجابها الملاك قائلاً لها: “إنّ الرّوح القدس سينزل عليكِ وقدرة العليّ تُظلِّلُكِ، لذلك يكون المولود منكِ قدُّوسًا وابن العليّ يُدعى”. إذًا، أمام كلَّ نعمةٍ ينالها من الله، على المؤمِن أن يطرح الأسئلة ليفهم معنى تدخّل الله المفاجئ في حياته. في بشارة العذراء مريم، اعتلن الثالوث الأقدس مجتمعًا للمرّة الأولى، ثمّ اعتلن ثانيةً يومَ عماد يسوع في نهر الأردّن: فالابن نال العماد، وسُمِع صوت الآب من السّماء، والرّوح القدس حلّ على الربّ في شكل حمامةٍ.
إنّ عالمنا اليوم، يُعاني من مرض الاكتفاء، إذ يعتقد أنّه يملك مِنَ المعلومات ما يكفي، ولا حاجة له لمعرفة المزيد، وهذا ما يبرّر عدم سعيه إلى طرح الأسئلة على ذاته وعلى الآخرين وحتّى على الله، لِفَهمٍ أوسع للأمور المحيطة به. إنّ الإنسان الّذي يبحث عن معرفةٍ أوسعٍ، لا يُوقِف بحثه حتّى يجد أجوبةً على كلّ تساؤلاته. غير أنّ المؤمِن قد يجد صعوبةً كبيرة في فَهمِ بعض الأمور بعقله البشريّ، لذا نلاحظ أنّ الله يتدخّل في حياة طالب المعرفة فيُعطيه علامةً تساعده على التعمُّق أكثر في معرفته. وهذا ما حدث مع مريم إذ أعطاها الله من خلال الملاك علامةً تساعدها على التأكُّد من صحّة ما يقوله لها، وعلى الغوص أكثر في التعمُّق في إرادة الله، وهي: حَبَلُ نسيبَتِها أليصابات الطاعنة في السِّن. في بعض الأحيان، تخالجنا بعض التَّساؤلات الإيمانيّة على سبيل المثال: هل إيماننا بالله نابعٌ من حقيقة وجوده أم هو مجرَّد أفكارٍ فلسفيّة وأخلاقيّة؟ وهل القداسة هي حقيقة قابلة للعيش والتطبيق في عالمنا، أم هي مجرّد أوهام تتوقّف عند كونها مجموعة أفكار جذّابة ورائعة غير قابلة للتطبيق؟
أمام كلّ هذه التّساؤلات أدعوكم إخوتي، إلى التأمّل في سِيَر حياة القدِّيسين، وإلى طرح السؤال على ذواتكم: هل يُعقل أن تكون كلّ اختبارات هؤلاء مبنيّة على أفكار فلسفيّة، وعلى أوهام؟ وهل يُعقَل أن يُضحيّ البعض منهم بحياتهم، من أجل وَهمٍ لم يختبروه؟ بعد أن نالت مريم من الملاك كلّ الأجوبة والتوضيحات على تساؤلاتها، قَبِلَت بالبشارة قائلة للملاك: “أنا أَمَة الربّ، فليكن لي بحسب قولك”. إذًا، تعلِّمنا مريم الطواعيّة لكلمة الله، فهي لم تتكلّم إلّا لتعبِّر عن قبولها لمشيئة الله في حياتها. ليسَ من السَّهل على المؤمِن أن يقبل كلمة الله في حياته، إذ يُعاني من الصِّراع الداخليّ بين أفكاره وبين ردّات فِعله، وبين ما تتطلّبه منه كلمة الله. على المؤمِن أن يتدربَّ على سماع صوت الله، فيتمكّن من معرفته وتمييزه مِن بقيّة الأصوات الّتي يسمعها في هذا العالم، فيسعى إلى تحقيق مشيئة الله دون سواها في حياته.
“فما إنْ وَقَع صوتُ سلامِك في أُذنيّ، حتّى ارتكض الجنين ابتهاجًا في بطنيّ” (لو 1: 44)، هذا ما قالته أليصابات في مريم. إنّ زيارة مريم لنسيبَتِها أليصابات تدعونا للتّفكير في زياراتنا للآخرين: فبعض الأشخاص الّذين نلتقي بهم، هم مدعاة للتشاؤم، حتّى أنّنا نتجرّأ على وَصفِهم بـ”ورقة نعوة”، لِما يزرعونه من طاقاتٍ سلبيّة في المحيطين بهم؛ بينما آخرون يزرعون فينا التفاؤل عند رؤيتنا لهم. إنّ لقاءنا ببعض الأشخاص قد يسبِّب لنا إنزاعاجًا نتيجة نبرةَ صوتهم أو تصرّفاتهم، وهذا يدفعنا إلى تحاشي اللّقاء بهم؛ غير أنّ لقاءنا بهم يشكِّل اختبارًا لنا على مدى تَقَبُّلَنا لهم على الرّغم من اختلافهم عنّا، وبالتّالي يشكِّل لقاؤنا بهم دعوةً لنا للعمل أكثر فأكثر على ذواتنا من أجل تحسينها في هذا الإطار. غير أنّ لقاءنا بآخرين يزرع فينا سلامًا إذ تُعبِّر وجوههم المشرقة عن امتلائهم من كلمة الله. على المؤمِن أن يكون ممتلئًا من كلمة الله، وهذا يتطلّب منه الصّمت ليتمكّن مِنَ الإصغاء إلى كلمة الله والتعمُّق بها. إنّ الصعوبات الّتي تعترض حياة الإنسان بشكلٍ يوميّ تجعله في حالةٍ مِن التوتُّر، لذا يبحث عمّا يؤمِّن له الرّاحة الحقيقيّة، ولن يجدها إلّا في تأمّله في كلمة الله. إنّ الإنسان الّذي يختبر تلك الرّاحة الحقيقيّة مع الله، يتحوّل إلى مصدر لراحة الآخرين عند لقائهم به. في هذا الصدّد، يقول يوحنّا الصّليب إنّ النَّفس السائرة في طريق الربّ لا تَتعَب، ولا تُتعِب. وتشكِّل مريم العذراء خيرَ مثالٍ لنا في هذا الموضوع إذ قالت أليصابات إنّ صوتَ مريم قد أحدث سلامًا في داخلها، بدليل ارتكاض الجنين في أحشائها.
لقد تكلَّمت مريم، فعظّمت الربّ قائلة:”تُعظّم الربَّ نفسي، وتبتهج روحي بالله مخلِّصي” (لو 1: 46). لقد نَسَبت مريم حالة النِّعمة الّـتي تعيشها إلى الله لا إلى ذاتها. وهذا ما نفتقده للأسف في عالمنا، إذ يسعى كثيرون إلى نَسبِ الانجازات الّتي يُحقِّقونها إلى قوّتهم وجبروتهم الخاصّ، مُتنَاسين مجهود كلِّ مَن ساعدهم للوصول إلى الحالة الّـتي وَصلوا إليها. إنّ رغبة الإنسان في لفت أنظار الآخرين نحوه، يُعبِّر عن ضُعفه لا عن قوَّته. على الإنسان أن يُبرِز أهميّة ما قام به الآخرون في سبيل مساعدته للوصول إلى هدفه، إذ بِدُونهم لم يكن باستطاعته تحقيق أيِّ إنجازٍ يُذكَر. إنّ مريم العذراء عظّمت الله قائلة: “تُعظّم الربَّ نفسي وتبتهج روحي بالله مخلِّصي لأنّه نَظَر إلى أمته الوضيعة”، أي أنَّ مريم لم تَنسُب إلى ذاتها ما وَصَلت إليه من حالة النعمة بل أرجعته إلى الله، وهذا ما جعلها رسولةً لكلمة الله. وبالتّالي، نتعلّم من مريم أنَّ الرّسول النّاجح هو المؤمِن الّذي يَنسِب ما يُحقِّقه في رسالته التبشيريّة بكلمة الله، إلى الله لا إلى ذاته. إنّ الإنسان لا يستطيع أن يقوم بأيّ عملٍ تبشيريّ أو أيّ عملِ رحمةٍ تجاه الآخرين من دون الله، فالله هو الّذي منَحَهُ الحياة ووَهبه كلّ ما يمنُّ به على الآخرين مِن عطايا للمحتاجين. إذًا، ليس المؤمِن هو صاحب العطايا بل هو مجرَّد وسيطٍ يمرِّر الله من خلاله عطاياه للبشر؛ فالمواهب ليست مِلكَ الإنسان بل هي مِلكُ الله، وبالتّالي عليه أن يُعيدها إلى الله من خلال مشاركته للآخرين بها. وهنا نتذكّر كلام الربّ القائل للمؤمِنين به إنّهم لا يستطيعون شيئًا من دونِه.
إنّ الكتاب المقدَّس، لا يُخبرنا فقط عن أقوال مريم في حياتها الرسوليّة، بل يُخبرنا أيضًا عن صمتِها الّذي كان أبلغَ في بعض الأحيان من الكلام. فبَعد ولادتها للربّ يسوع في بيت لحم، كان باستطاعة العذراء مريم أن تتفاخر أمام زائريها المجوس والرُّعاة، بأنّها أمّ الله، أمّ المخلِّص، غير أنّها بقيَت صامتة، ويخبرنا الكتاب المقدَّس عنها:”كانت مريم تحفظ جميع هذه الأمور وتتأمّلها في قلبها” (لو2: 19)، فكان لصَمتها قوّة الكلمة. في إحدى البرامج التِّلفزيونيّة الّتي كنْتُ أتولّى تقديمها، واجهتُ ضيوفًا يسعون إلى إظهار ذواتهم، لا إلى إظهار الرِّسالة الّـتي يُقدِّمونها للنّاس، والّـتي هي أساس اختياري لهم كضيوفٍ في برنامجي.
لقد كان صَمتُ مريم في بعض المواقف، أفضل تعبيرٍ عن وَجَعِ قلبها. في النّص الإنجيليّ الّذي يتكلّم عن وجود يسوع في الهيكل، نقرأ: “ثمَّ أَخَذَا يبحثان عنه، عند الأقارب والمعارف. فلمّا لم يجداه، رجِعا إلى أورشليم يبحثان عنه، فوَجداه بعد ثلاثة أيّام في الهيكل، جالسًا بين العلماء يستمع إليهم ويسألهم. وكان جميع سامِعِيه مُعجَبِين أشدَّ الإعجاب بذكائه وجواباته. فلمّا أبصراه دَهِشا. فقالت له أمّه: يا بُنيّ، لِـمَ صنَعت بنا ذلك؟ فأنا وأبوك نبحث عنك مُتَلهِفَين” (لو 2: 44-48). قد يقول البعض عند سماعهم هذا النصّ الإنجيليّ، إنّه من البديهي أن يتفاجأ العلماء بأسئلة يسوع، لأنّه هو الله. غير أنّي أستطيع أن أقول لكم، انطلاقًا من خبرتي مع الأطفال أنّ أسئلتهم قد أدهشتني فعلاً لأنّي لم أكن أتوقّعها وجعلتني أختبر ذكاءهم. إنّ عبارة “مُتَلَهِفَين”، الّتي وَرَدت في هذا النَّص، تعبِّر عن مدى قلق مريم ويوسف حين أضاعا الربّ، مدّة ثلاثة أيّام، وكان يبلغ من العمر آنذاك اثنتي عشرة سنة. لقد سألت مريم ابنها يسوع حين وَجَدته في الهيكل: “لِمَ صنعت بنا هكذا؟”، وهذا السؤال بديهيّ حين يتعرَّض الإنسان للمصائب في حياته، إذ لا بدّ له أن يطرح السؤال على ذاته وعلى الله لمعرفة سبب تعرُّضه لكلّ تلك المشاكل الّـتي تواجهه في حياته. إنّ سؤال مريم ليسوع يعبِّر عن مدى خوفها وقلقها على وحيدها. إنّ النّاس فئتان: مِنهم مَن يجد سهولةً في التَّعبير عن مشاعره إذ يلجأ إلى التَّعابير الخاصّة بالأحاسيس، ومِنهم مَن يجد صعوبةً في التعبير عن مشاعره بالكلمات. إن تعبير الإنسان عن مشاعره هو نقطة قوَّةٍ لا نقطة ضُعفٍ. حين يجتاز الإنسان صعوبةً تعرَّض لها، يُخبِر عنها الآخرين بفرحٍ، مع أنّها أبكته في الماضي. كما أنّ بعض الأمور الّـتي يُخبرها الإنسان للآخرين تُشعره الآن بالحزن مع أنّها كانت مدعاةً لفرحه في الماضي.
وفي الختام، هناك كلمة أخيرة قالتها مريم للخدم في عرس قانا، وهي: “اِفعلوا ما يأمركم لكم”. وهذه الكلمة تشكِّل وصيّتها لنا، نحن أبناؤها المؤمِنون بيسوع المسيح ابنها. إنّ محبّتنا لمريم العذراء تُتَرجَم بطاعتنا لها، فهي لا تطلب منّا سوى أن نطيع ابنها، وبالتّالي علينا الانكباب على قراءة الإنجيل لنفهَم ما هي مشيئة الله في حياتنا. طلب منّا أحد الحبساء، في أثناء زيارتي له مع فريق من الشباب، أن يكون لكلِّ فردٍ منّا إنجيله الخاصّ، ليتمكّن كلّ منّا مِن وَضع إشاراته الخاصّة حول الآيات الّتي يلمسه الربّ بها. كما أَضَفْتُ إلى تلك الوصيّة نصيحةً أخرى، فطلبتُ من تلاميذي شراء كتابٍ مقدَّس خاصٍ لكلٍّ منهم، ووَضْعِه قرب فراشهم والقراءة فيه في مساء كلّ يوم، والتأمّل بتلك الكلمة الإلهيّة كلّما سَمَح لهم الوقت بذلك. وبعد مُضِي أسبوع، أخبرني بعض تلاميذي عن الطاقة الإيجابيّة الّـتي حصلوا عليها، وعن الانتعاش الّذي شعروا به نتيجة قراءتهم المتواصلة للكتاب المقدَّس. هذه هي وصيّة العذراء لنا: أن نسمع كلمة الله، ونتأمّل بها ونعمل بموجبها في حياتنا الأرضيّة مع الآخرين.
ملاحظة: دُوِّنَ التأمّل بأمانةٍ مِن قِبَلِنا.