تفسير الكتاب المقدّس
الأب ابراهيم سعد
إنجيل القدّيس مرقس الرّسول – الإصحاح التاسع (32-50)
في هذا القِسم مِن الإصحاحِ التَّاسع، لا يَزالُ القدِّيسُ مَرقسُ يُؤسِّسُ للحديثِ عن مَسارِ الربِّ يسوع الّذي سيَقودُه إلى الموتِ على الصَّليبِ ثمّ إلى القيامة، وهو مَسارٌ على الّذين يريدونَ اتِّباعَ المسيحِ السَّيرُ به. في هذا النَّصِّ، يُخِبرُنا الإنجيليُّ مَرقسُ أنَّ الربَّ يسوع كانَ سائرًا مع تلاميذِه، نحو أورَشليم حيثُ سيُصلَبُ، وأنّ التَّلاميذَ كانوا يَتشاجرون في الطَّريقِ حولَ الأعظمِ بَينَهم. هذه هي طبيعةُ البَشر: يبَحثونَ عن المراتبِ الأُولى في كُلِّ ما يقومون به، وذلك بِهَدَفِ إظهارِ ذواتِهم. وتَلاميذُ الربِّ هُم كَسائر البَشر، يَهتَّمون أيضًا لِمَن سيتولَّى الـمَنصِبَ الأوَّل في جماعتِهم، بَعد موت ِالربِّ، خصوصًا أنّ الربَّ قد أخبرَهم أنّه عمّا قريبٍ سيَموتُ ويَقومُ من بين الأموات. لم يتشَّجعْ أحدٌ مِن التَّلاميذِ على إخبارِ يسوع حولَ موضوعِ شجارِهم في الطَّريق، عندما سألهُم عن ذلك، لذلك التَزَموا الصَّمتَ. ولكنَّ الربَّ عَرَف موضوعَ نِقاشِهم، لذا أعطاهُم وَصيَّةً، “إذَا أَرادَ أَحَدٌ أَنْ يَكُونَ أَوَّلًا فَيَكُونُ آخِرَ الْكُلِّ وَخَادِمًا لِلْكُلِّ” (مر 9: 35).
إنّ الوَصيّةَ الّتي أعطاها الربُّ يسوع لِتَلاميذِه، هيَ مِن أصعبِ الوَصايا للتَّطبيق، وهِيَ تأتي في المرتَبةِ الثَّانيةِ بَعد وَصِيّةِ “أحِبُّوا بَعضُكم بَعضًا كما أنا أحببتُكم”(يو 13: 34). إنّ وَصيَّةَ “أحِبُّوا بَعضُكم بعضًا، كما أنا أحببتُكم” (يو 13: 34)، تَعني عمليًّا أنّه لا حاجةَ بَعد الآن لا لِلنَّاموسِ ولا لِلشَّريعةِ ولا لأيِّ قانونٍ آخَر، لأنَّ المحبَّةَ تَحمِلُ في طَيَّاتها، نوعًا جديدًا مِن التَّعاملِ مع الآخَرين، بَعيدًا عن أيِّ قانونٍ بَشريّ.
إخوتي، حِين تَنقصُ المحبَّة، تَظهرُ الحاجةُ لتَطبيقِ القانون. “أَحِبُّوا بعضكُم بَعضًا” (يو13: 34)، هي وَصِيّةٌ تُجسِّدُ ناموسَ المسيحِ، وقد أضافَ الربُّ إليها عبارةَ “كما أنا أحببتُكم” (يو13: 34)، ليُذكِّرَ التَّلاميذَ بِالطَّريقةِ الّتي عَليهم اعتِمادُها في مَحبَّتِهم للآخَرين.
مِن خلالِ هذه الوَصيّة، يَدعو الربُّ تلاميذَه إلى مَحبَّةِ لا فقط الّذين يُبادلونَهم هذه المحبَّة، إنّما أيضًا إلى محبَّةِ الأشخاصِ الّذين يَرفضونَها. إنَّ هاتَين الوَصِيَّتَين اللّتَين ذَكَرناهما هُما مِن أصعبِ الوصايا للتَّطبيقِ على الإطلاق، لأنَّهما مُتناقَضِتَان في ما بينهما: لأنّ “الأوَّلَ” في عالَمِنا اليوم، أي الزّعيمَ أو المسؤولَ، غالبًا ما يَكونُ مَخدومًا لا خادمًا، فيَكونُ مُحاطًا بِفريقٍ مِن أتباعِه مُخصَّصٍ لهذهِ الغاية. وإذا قامَ المسؤولُ في المجتَمع بِخدمَةِ الآخَرين المحتاجِين له، فإنَّه غالبًا ما يَنتَظرُ مديحًا منِهم على ما قام بِهم تُجاهَهم، وهذا يَتناقضُ مع مفهومِ هذه الآية، لأنَّ الربَّ يطلبُ مِن الّذي يريدُ أن يَكونَ الأوَّلَ أن يَكونَ “آخِرَ الكُلّ”، أي أن يَقبَلَ بأن يَكونَ غيرَ مُقدَّرٍ مِن الّذين يَقومُ بِخدمتِهم، وهُنا تَكمنُ صعوبةُ هذه الوَصيَّةِ، لأنَّها ضِدَّ مَنطِقَ العالَم. إنَّ غالبيّةَ حالاتِ اليأسِ والإحباطِ النَّفسيّ اللَّذَين يُصيبان البَشرَ سَبَبُهما عدمُ شعورِ الإنسانِ بالتَّقديرِ والاهتمامِ مِنَ الآخَرين.
إخوتي، إنَّ ثَمانِين بالمِئة مِن مُجرِمي العالَمِ هُم أشخاصٌ عانوا مِن عَدمِ شُعورِهم بالـمَحبَّةِ والتَّقديرِ والاهتمامِ مِن قِبَلِ الآخَرين، وهذا ما دَفعَهم إلى القِيامِ بأُمورٍ سيِّئةٍ قادَتْهم في بعضِ الأحيانِ إلى قَتلِ الآخَرين، بِهَدَفِ لَفتِ الأنظارِ إلَيهم. إخوتي، إنَّ هؤلاءَ يَشعُرونَ بِأنَّهم غَيرُ موجودين في عُيونِ أحِبَّتِهم. مِن خلالِ هذهِ الوَصيَّةِ:
35 “إذَا أَرادَ أَحَدٌ أَنْ يَكُونَ أَوَّلًا فَيَكُونُ آخِرَ الْكُلِّ وَخَادِمًا لِلْكُلِّ” (مر 9: 35)، أرادَ الربُّ يسوع أن يَقولَ لِتلَاميذِه إنَّ مَن يريدُ أنْ يَكونَ الأوَّل فِيهم، عَليه أن يسعى كي يَكونَ غيرَ مَوجودٍ في عُيونِ الآخَرين؛ بمعنى آخرَ، أرادَ الربُّ يسوع مِن خلالِ هذه الوَصيَّةِ تَشجيعَ التَّلاميذِ على القيام بِما يُرضي الله والاكتفاءِ بَنَظرتِه إليهم، لا بِنَظرة الآخَرين إليهم. وهُنا، تَكمنُ صعوبةُ تَطبيقِ هذه الوَصيَّةِ، لأنَّ غالبيَّةَ النَّاسِ يَبحَثون عن نَظرةِ التَّقديرِ مِن الآخَرين لِما يقومون به. إنّ الربَّ قد أخبَرَ تلاميذَه بِهذهِ الأُمورِ حين كانوا في طَريقِهم إلى أورشَليم، حيثُ سيُصلَبُ، ولذا لَم يبقَ واحدٌ مِنهم عندَ أقدامِ الصّليبِ، فالتَّلاميذُ لم يَفهموا كلامَ الربِّ إلّا بَعدَ قِيامتِهِ مِن بَينِ الأموات.
36 “فَأَخَذَ وَلَدًا وَأَقَامَهُ فِي وَسْطِهِمْ ثُمَّ احْتَضَنَهُ”: بَعد هذا الحديثِ مع التَّلاميذِ، احتَضنَ الربُّ يسوعُ طِفلاً. إنّ صُورةَ الطِّفلِ هي عَمليًّا صورةٌ عن يسوعِ المسيح. فكما أنَّ الطِّفلَ يَشعُر بالأمانِ بِوجودِ أبيه، كَذَلكَ الربُّ يسوعُ يَشعرُ بالأمانِ بِوجودِ اللهِ الآب معه. وكذلِكَ التَّلاميذُ أيضًا يَشعرونَ بالأمانِ بوجودِ الربِّ يسوعَ مَعهم، فَبِوجودِه مَعهُم لا يَخافون مِن أيِّ شيءٍ ولا يَأبَهون لأيِّ شيءٍ.
37 “وَقَالَ لَهُمْ:”مَنْ قَبِلَ وَاحِدًا مِنْ أَوْلاَدٍ مِثْلَ هذَا بِاسْمِي يَقْبَلُنِي، وَمَنْ قَبِلَنِي فَلَيْسَ يَقْبَلُنِي أَنَا بَلِ الَّذِي أَرْسَلَنِي”: مِن خلالِ هذه العِبارةِ، أرادَ الربُّ يَسوع أن يَقولَ لِتلاميذِه إنَّه عَليهم التَّحلِّي بمنطِق الطِّفلِ والقُبولِ به في حياتِهم، كي يَتمكَّنوا مِن قُبولِ الربِّ يسوع واللهِ الآب. إخوَتي، مِن الصَّعبِ جدًّا على الإنسانِ أن يُصبِحَ طِفلاً مِن جديد. إنّ المقصودَ بعبارةِ “الطِّفل” أو “الوَلد” هُنا، ليسَ البَساطةَ وعَدمَ الإدراكِ للأمورِ، إنَّما الاتِّكالُ الدَّائمِ على الأبِ، أي الإيمانِ الـمُطلَقِ به. إنَّ الطِّفلَ لا يَخافُ مِن شَيءٍ طالما أنَّ والِدَه بقُربِه وطالما هو مُمسِكٌ بيَدِ والِدِه، فالوَلدُ يَشعرُ بالأمانِ لوجود أبيه إلى جانبِه. فإذا أحدَقَ بِه الخَطرُ، يَقومُ الطِّفلُ بِتَنفيذِ كُلِّ ما يَطلبُه مِنه والِدُه ولكنَّه لا يَقومُ بِتَنفيذِ ما يَطلبُه مِنه إنسانٌ غَريبٌ، كائنٌ مَن كان. مِن خلالِ هذا الكلامِ، أرادَ الربُّ الإشارةَ إلى كَيفيِّة قُبولِ تَلاميذِه لِلصِّغار، إذ على صِغارِ النَّاسِ أن يَشعُروا بالأمانِ بِوجودِ تَلاميذِ الربِّ بالقُربِ مِنهم. وهذا ما هو مَطلوبٌ منّا أيضًا، نحن المؤمِنين بالربّ.
38 “فَأَجَابَهُ يُوحَنَّا قِائِلًا: “يَا مُعَلِّمُ، رَأَيْنَا وَاحِدًا يُخْرِجُ شَيَاطِينَ بِاسْمِكَ وَهُوَ لَيْسَ يَتْبَعُنَا، فَمَنَعْنَاهُ لأَنَّهُ لَيْسَ يَتْبَعُنَا”: في هذهِ العِبارة، يَطرَحُ الرَّسولُ يوحنَّا على مَسامِعِ يسوعَ مَرضًا لا زالَتْ الكَنيسةُ إلى اليوم تُعاني مِنه، وهو قِيامُ المؤمِنين بِتَصنيفِ النَّاسِ إلى صالحِين مع إضافةِ علَّةٍ إليهم وهي عدمُ انتمائِهم إلى كَنيسَتِنا. إنّ مَسيحيِّين كُثُرًا يَشعُرونَ بالانزعاجِ عِندَ اهتداءِ أحدِهم إلى المسيحِ مِن خلالِهم، مِن دونِ طلبِ هذا الأخيرِ الانتماءَ إلى الكَنيسَةِ الّتي يَنتمي إليها الّذي كان سَببًا في اهتدائه. إخوتي، عَلينا أن نَفرَح لاهتداءِ الآخَرِ إلى المسيح، بِغَضِّ النَّظرِ عن الكنيسةِ الّتي سيَختارُها هذا الأخيرُ للانتماءِ إليها، لأنَّ الأساسَ في إيمانِنا هو اتِّباعُ المسيحِ، لا الانتماءُ إلى كَنيسةٍ مُعيَّنة.
إنّ المسيحَ قد شكَّل صَدمةً لِكُلِّ مَن تَعرَّف إليه:
أوّلاً: في العهدِ القديم، شَكَّلَ المسيحُ صَدمةً للشَّعبِ اليَهوديّ الّذي كان يَعتبرُ نفسَه شَعبَ اللهِ الـمُختار وأنَّ اللهَ هو إلهُه فقط. لقد اعتقدَ الشَّعبُ اليهوديّ بأنَّ كلمةَ اللهِ تأسُرُ الله، والحقيقةُ هي أنَّ كَلِمةَ اللهِ تأسُرُ الشَّعبَ لا الله. لذلك، اضطرَبَ الشَّعبُ واحتارَ في أمرِه، حين أَخبَرَه اللهُ في وقتِ الازدهارِ والبَحبوحةِ أنَّ الشِّحَّ آتٍ إليه، وفي وقتِ اليأسِ أنَّ الخلاصَ آتٍ، وفي وَقتِ فَرحِه بِالصّلاةِ في الهَيكلِ أنَّ الهَيكل سيُدمَّر، وفي وقتِ دَمارِ الهَيكلِ أنَّ الهيكلَ سيُبنى مِن جديدٍ، وفي وقتِ وجودِه في الصَّحراءِ حيثُ لا طعامَ ولا ماءَ أنَّ مَأكلَهُ مؤمَّنٌ له، وفي وقتِ الشَّبَعِ أنَّ المجاعةَ آتيةٌ. إخوتي، إنَّ اللهَ ليسَ أمرًا مَفروغًا مِنه، فاللهُ حاضرٌ في كلِّ لَحظةٍ ليَكشَف لكَ عن ذاتِه بِطَريقةٍ مختَلِفةٍ عن الطَّريقةِ الّتي كُنتَ تَعرِفُه بها سابقًا. لقد شَكلَّ اللهُ صدمةً للشَّعبِ حينَ قامَ أحدُ أنبياءِ العهدِ القديم، بِتَسميةِ قورُش، مَلِكِ بلادِ فارسَ الوثنيّة،”مَسيحَ الربّ”، لأنّ هذا الأخيرَ قامَ بِتَحقيقِ مَشروعِ الله للشَّعبِ اليهوديِّ الـمُشتَّت، إذ ساعَدَه في العَودةِ إلى بِلاده. إذًا، يَبدو لنا واضحًا أنّ مَن هو عدُّوٌ لله، بالنِّسبةِ إلى المؤمِن، قد حوَّلَه اللهُ إلى صَدِيقٍ له.
ثانيًا: في العهدِ الجديد، شَكَّلَ الربُّ يسوع أيضًا صَدمةً للشَّعب اليَهوديّ الّذي كان ينتَظرُ مَجيئه، لذا قامَ الشَّعبُ بِرَفضِ المسيحِ، عندما أتى إلَيهم.
ثالثًا: مُنذُ مَجيءِ المسيحِ إلى اليَوم، يُشَكِّل المسيحُ صَدمةً للمَسيحيِّين. إنَّ اليَهودَ والـمُسلِمِين والوَثنيِّين لَيسوا ضِدَّ المسيحيِّين، فَجميعُهم بَشَرٌ، ولكنَّهُم جَميعًا ضدَّ المسيحِ يسوع. فمُشكلةُ اليَهودِ مع المسيحِ تَكمنُ في عدمِ قبولِهم يَسوعَ النَّاصريّ مسيحًا ومُخلِّصًا؛ أمّا مُشكلةُ الـمُسلِمِين مع المسيحِ فتَكمنُ في عدمِ قبولِهم “عيسى” بالمعنى الإنجيليّ، لذلك أَعطَوه في القُرآنِ صُورةً يَستطيعونَ القبولَ بها. إنّ صورةَ المسيحِ الّتي يَطرَحُها الإنجيلُ هي مَرفوضةٌ من اليَهود، وكذلِكَ مِن الـمُسلِمِين، وأيضًا مِن المسيحيِّين أنفسِهم. قد يتفاجأُ البَعضُ بهذا القول! إخوتي، لَو كانَ المسيحُ مَقبولاً فِعلاً مِن المسيحيِّين، لكانَتْ أفكارُهم وأقوالُهم وتَصرُّفاتُهم وسُلوكُهم أكثرَ انسِجامًا مع فِكرِ المسيحِ وأقوالِه وأعمالِه! للأسف، إنّنا، كمَسيحيِّين، ما نزالُ بَعيدين جدَّا عن التَّشبُّهِ بِالمسيحِ يسوع. إخوتي، لقد شكَّلَ المسيحُ يسوعُ صَدمةً للمسيحيِّين أنفسِهم، عندما قال لهم: “أحِبُّوا بَعضُكم بَعضًا كما أنا أحببتُكم” (يو 13: 34). وإذا كانَت هذه الوَصَيّةُ قد شَكَّلَتْ صَدمةً للمسيحيِّين، فما ستَكونُ حالتُهم عندَ سماعِهم الربَّ يقولُ لهم: “أحبُّوا أعداءكم” (متى 5: 44)؟! ألا يُشكِّلُ كلامُ المسيحِ صَدمةً للمَسيحيِّين، عندما يقول لهم: “ما مِن حُبِّ أعظمَ مِن أن يَبذُلَ الإنسانُ نَفسَه في سَبيلِ أحبّائه” (يو 15: 13)؟
ألا تُشكِّلُ دعوةُ الرّبِّ للعطاءِ المجانيِّ صَدمةً للمسيحيّين؟! إخوتي، إذا كُنَّا، كمسيحيِّين، قد قَبِلنا فِعلاً كلامَ الربِّ في حياتِنا، فَلِماذا لا نُطبِّقُ كَلامَه في حياتِنا اليوميّة؟! إنّ الربَّ يسوعَ شكَّلَ حَجرَ عَثرَةٍ لِكُلِّ دينٍ، يَهوديًّا كان أَمْ مَسيحيًّا أَم إسلاميًّا أم وَثنيًّا. إخوتي، كلَّما نَظرَ المسيحيُّون إلى الربِّ يسوع على أنّه رئيسُ دينٍ، كلَّما أَثبَتوا للآخَرين أنّهم لا يعرِفونَ المسيحَ حقيقةً، وأنّهم لم يَقبَلوا به بَعد. إنّ بَعضَ المسيحيِّين يُبادِرون إلى القَول، إنَّ اللهَ في العهد القديم كان قاسيًا، أمَّا في العهدِ الجديد فَهو رَحومٌ وغَفورٌ، مُحبٌّ وحنون، وذلك لِتَبرير عَدمِ قبولِهم المسيح، كما يُقدِّمُه لنا الإنجيل. إخوتي، إنّ هذا الكلامَ هو غيرُ دَقيقٍ، لأنّ الإنجيلَ يقدِّمُ لنا أيضًا وَجهًا قاسيًا لِيسوعَ المسيح، وقد ظَهرَ ذلك في عِظته على الجَبَل، الّتي نَقلَها إلينا الإنجيليُّ متّى على امتدادِ ثلاثةِ إصحاحاتٍ، هي 5 و 6 و 7، وأيضًا في إطلاقِه الوَيلاتِ على الكَتَبة والفرِّيسيِّين، وفي تَوبيخِه لِتلاميذِه، في عِدَّة مواقف.
هُنا نَطرَح السُّؤال: متى يُصبحُ المسيحُ يسوعُ رئيسًا للكَنيسة؟ عندما تسعى الكَنيسةُ إلى تحقيقِ إرادتِه من خلالِ تطبيقِها لكلامِه، لا عندما تَنسبُ إليه أعمالَها! عندما تَنسبُ الكَنيسةُ أعمالَها إلى الربِّ، هُنا نَتكلَّمُ عن التِّجارة في الدِّين. وفي هذا الإطارِ، نتذكَّرُ ما قامَ به الربُّ يسوع في الهَيكل، عندما طَرَد التُّجارَ مِنه. إخوتي، إنّ الربَّ يسوع لم يتعرَّضْ حينَها إلى التُّجارِ كافّةً في الهَيكل، إنّما فَقَط إلى تُجّارِ الحَمامِ والصَّيارفة، لأنّ تُجّارَ الحمامِ هُم الّذين يُتاجِرون بالرُّوحِ القُدس، والصَّيارفةَ هُم عابِدُو المال. إخوتي، إنّ هاتَين التِّجارَتين تُشكِّلان خَطرًا على الكَنيسة إذ إنّ بَعضَ المؤمنين قد يستَخدمون كلامَ اللهِ لِما يَخدمُ مَصالِحَهم الخاصّةَ، كالحُصولِ على السُّلطةِ بِواسطةِ المال.
ها نحن إخوتي، على مَقرُبةٍ مِن الاحتفالِ بِعِيد مِيلادِ الربِّ يسوع! لذا، نَطرَحُ السُّؤال: ألا يُشكِّلُ الربُّ يسوع صَدمةً لنا؟ إنَّ الربَّ يسوع، كما قُلنا، شكَّل، في مِيلادِه الأرضيّ، صَدمةً للجَميع: صَدمةً لِهيرودسَ الـمَلِك، وكذلك صَدمةً لأورشليم، فالإنجيلُ يُخبرُنا أنّ الـمَلكَ ومَعه كُلُّ الـمَملكةِ قد اضطَربا عندما عَلِما بولادةِ المسيح. إنّ ميلادَ الربِّ قد صَدم الرُّعاة َكما صَدم الـمَجوسَ، الّذين أتوا مِن بلادٍ بَعيدةٍ، سائرين وراءَ نَجمٍ ليَدُلَّهم على مكانِ ولادةِ الربِّ. عندما وَصلَ الـمَجوسُ إلى المغارةِ، قدَّموا الهدايا لهذا الـمَلِك المولود، كما قدَّموا له السُّجودَ، مَع العِلم أنَّهم وَثنيُّون، وبالتَّالي هو ليسَ مَلِكَهم. إنَّ الربَّ قد صَدمَ المسيحيِّين، لذا اجتَهد هؤلاء في تَجميلِ قِصَّةِ الميلاد، ليتمكَّنوا مِن قُبولِ المسيح؛ فَقَام قِسمٌ مِنهم بِتَصويرِه على أنّه مجرَّدُ “طِفلٍ صَغيرٍ”، وبالتَّالي هو يَحتاجُ إلى العنايةِ والاهتمامِ مِن قِبَلِهم، فَأشفَقوا عليه. إخوتي، إنّ إلهَنا ليس صَنمًا، بل هو الإلهُ الحيّ: إنّه يواجِهُنا في كُلِّ صَفحةٍ مِن الكِتابِ المقدَّسِ بِطَريقةٍ مختَلِفةٍ عن سابِقَتِها، لم نَكن نتوَّقعُها. هذا هو الربُّ، هذا هو مخلِّصُنا، إنّه الّذي ماتَ من أجلِنا وقامَ في اليَومِ الثّالث، كما يُخبرُنا الإنجيل.
39 “فَقَالَ يَسُوعُ: “لا تَمْنَعُوهُ، لأَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ يَصْنَعُ قُوَّةً بِاسْمِي وَيَسْتَطِيعُ سَرِيعًا أَنْ يَقُولَ عَلَيَّ شَرًّا.
40 لأَنَّ مَنْ لَيْسَ عَلَيْنَا فَهُوَ مَعَنَا.”
في هذهِ الآيات، يُخبِرُ الربُّ تلامِيذَه إنَّه لا يستطيعُ إنسانٌ ذِكرَ اسمِ الربِّ والقيامِ بأعمالِ شَرٍّ، حتَّى وإنْ لم يَكُن مِن بَين تلاميذِه. لذا، طَلبَ الربُّ مِنهم عدمَ التَّعرُضِ لأيِّ إنسانٍ يَقومُ بأعاجيبَ وأعمالٍ صالحةٍ بِاسمِ الربِّ. للأسفِ، لقد قامَ المسيحيُّونَ بالمحافظةِ على التَّصرفاتِ اليَهوديّةِ على الرُّغمِ مِن اعتناقِهم المَسيحيَّة. إخوتي، إنّ الربَّ لا يُريدُ إنشاءَ شعبٍ مختارٍ يَكُونُ خَيرَ أُمَّةٍ أُخرِجَت للنَّاس، بل يُريدُ أن يَسودَ قانونُ الحُبِّ كُلَّ البشريّة، فتَتَحوَّلَ إلى كَهنةٍ للمَلِك الوَحيد وأبناءً لله، كما قالَ بُطرسُ الرَّسول.
41 “لأَنَّ مَنْ سَقَاكُمْ كَأْسَ مَاءٍ بِاسْمِي لأَنَّكُمْ لِلْمَسِيحِ، فَالْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ لاَ يُضِيعُ أَجْرَهُ”.
إنَّ كُلَّ مَن يَسقي مُؤمِنًا كأسَ ماء، فقط لأنّه للمَسيح، لا مِن أجلِ مَصلحةٍ شخصيّةٍ، فإنّ أجرَه لن يَضيع. هُنا، نتذَّكرُ راحاب، تِلكَ المرأةَ الوَثنيّةَ الزَّانيةَ، – الّتي أخبَرَنا عنها الكِتابُ المقدَّس- ، الّتي دَخلَتْ إلى سُلالةِ يسوع البَشريّة، نَتيجةَ اهتمامِها بشَخصَين قد زاراها مِن قِبَلِ الله. إذًا، حِينَ تَسقي أحدًا كأسَ ماءٍ لأنّه فَقط للمَسيح، فإنَّ هذا يدلُّ على أنَّكَ أنتَ أيضًا خادمٌ للمَسيحِ يسوع، وأنَّكَ فِعلاً مسيحيٌّ. إخوتي، إنّ أبوابَ الكَنيسةِ مُشَّرعةٌ للجميع، ليَتمكَّنَ مِن الدُّخول إليها والخُروجِ مِنها، كُلُّ مَن يُريدُ ذلك. إنّ الكَنيسةَ مدعوّةٌ لا لأنَّ تُشرِّعَ أبوابَها فقط، إنَّما أيضًا قَلبَها: ففَتحُ البابِ هو رَهنُ إرادةِ الكَنيسةِ، فَهي تستطيع أن تُغلِقَه وأن تَفتَحَه متى أرادَتْ ذلك، ولكنَّ فَتحَ القلبِ لَيس مُلكًا لها لأنَّ القَلبَ يُصبحُ مُلكًا لَمَن فَتَحَتْ له قلبَها، ألا وهو الربُّ يسوع. حين يَفتَحُ المؤمِنُ قَلبَه للربِّ، فإنَّ الربَّ يدخلُ إليه، ويُحوِّلُه إلى إنسانٍ خادمٍ للجميع، فالمؤمنُ يُصبحُ غَير قادرٍ على إغلاقِ البابِ في وَجهِ الآخَرين، بِسَببِ حُبِّه للمَسيح.
42 “وَمَنْ أَعْثَرَ أَحَدَ الصِّغَارِ الْمُؤْمِنِينَ بِي، فَخَيْرٌ لَهُ لَوْ طُوِّقَ عُنُقُهُ بِحَجَرِ رَحًى وَطُرِحَ فِي الْبَحْرِ”.
43 “وَإِنْ أَعْثَرَتْكَ يَدُكَ فَاقْطَعْهَا. خَيْرٌ لَكَ أَنْ تَدْخُلَ الْحَيَاةَ أَقْطَعَ مِنْ أَنْ تَكُونَ لَكَ يَدَانِ وَتَمْضِيَ إلَى جَهَنَّمَ، إلَى النَّارِ الَّتِي لا تُطْفَأُ”.
44 “حَيْثُ دُودُهُمْ لا يَمُوتُ وَالنَّارُ لا تُطْفَأُ”.
45 “وَإِنْ أَعْثَرَتْكَ رِجْلُكَ فَاقْطَعْهَا. خَيْرٌ لَكَ أَنْ تَدْخُلَ الْحَيَاةَ أَعْرَجَ مِنْ أَنْ تَكُونَ لَكَ رِجْلانِ وَتُطْرَحَ فِي جَهَنَّمَ فِي النَّارِ الَّتِي لا تُطْفَأُ”.
46 “حَيْثُ دُودُهُمْ لا يَمُوتُ وَالنَّارُ لا تُطْفَأُ”.
47 “وَإِنْ أَعْثَرَتْكَ عَيْنُكَ فَاقْلَعْهَا. خَيْرٌ لَكَ أَنْ تَدْخُلَ مَلَكُوتَ اللهِ أَعْوَرَ مِنْ أَنْ تَكُونَ لَكَ عَيْنَانِ وَتُطْرَحَ فِي جَهَنَّمَ النَّارِ”.
48 “حَيْثُ دُودُهُمْ لا يَمُوتُ وَالنَّارُ لا تُطْفَأُ”.
إنَّ هذا الكلامَ يَدعونا إلى الانتباهِ، فلا نَكونُ سَببَ عَثرةٍ للآخَرين: فالمؤمِنُ قد يَعتقِدُ بأنّه يَقومُ بهذا العَملِ أو ذاك حُبًّا بالمسيح، فيُزعِجُ الآخَرين بتَصرُّفِه ويَتَسبَّبُ بابتِعادِ هؤلاء عن الربِّ. للأسفِ، فَد فَهِم بعضُ المسيحيِّين كلامَ الربِّ هنا بِطَريقةٍ خاطئةٍ، إذ قاموا بِتَطبيقِه حَرفيًّا فقَطعوا أعضاءَهم الّتي اعتَقدوا أنّها تُسبِّبُ عَثَرةً للآخَرين، رغبةً منهم في الحصولِ على ملكوتِ الله. إخوتي، مِن خلالِ هذا الكلامِ، أرادَ الربُّ أن يَقولَ لنا إنَّه عَلينا إلغاءُ كلِّ شيءٍ في حياتِنا مِن شأنِه عرقَلةُ مَسيرَتِنا نحو الملكوت، لِنُحافِظَ على مَسارِنا الصَّحيحِ في طريقِ الربِّ.
49 “لأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يُمَلَّحُ بِنَارٍ، وَكُلَّ ذَبِيحَةٍ تُمَلَّحُ بِمِلْحٍ”.
50 “الْمِلْحُ جَيِّدٌ. وَلكِنْ إِذَا صَارَ الْمِلْحُ بِلا مُلُوحَةٍ، فَبِمَاذَا تُصْلِحُونَهُ؟ لِيَكُنْ لَكُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ مِلْحٌ، وَسَالِمُوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا”.
في العهدِ القديم، كان على الشَّعبِ اليهوديّ وَضعُ المِلح على الذَّبيحةِ كي تَكونَ هذه الأخيرةُ مَقبولةً عند الله. وبالتّالي، مِن خلالِ هذا الكلامِ، يَطلبُ الربُّ مِن تلاميذِه أن يكونوا المِلحَ في هذا العالَم، فيُؤمِنَ الآخَرون بِالربِّ ويَتوبوا إليه مِن خلالِ شَهادَتِهم للربِّ أمامَهم. إذًا، إنّ مسؤوليَّتَنا، كمَسيحيِّين، عَظيمةٌ جدًّا، لأنّ الربَّ يحتاج إلينا كي يُظهِرَ ذاتَه للآخَرين. لذلِكَ، يُتابِعُ الربُّ حَديثَه مَع التّلاميذِ قائلاً لهم: “وَلكِنْ إِذَا صَارَ الْمِلْحُ بِلا مُلُوحَةٍ، فَبِمَاذَا تُصْلِحُونَهُ؟”. إخوتي، إنّ الطَّعامَ بلا مِلحٍ، يُصبحُ بلا نَكهة. وبالتَّالي، أن نَكون المِلحَ في هذا العالَمِ ليس امتِيازًا لنا، كمسيحيِّين، بل هو مسؤوليّةٌ سنُحاسَبُ عليها في اليَوم الأخير.
إنّ هذا الإصحاحَ، بدأ بسؤالٍ وجَّهَهُ الربُّ إلى تلاميذِه حول سَببِ شِجارِهم في الطَّريق، ولكنَّ التّلاميذَ صَمتوا ولم يُعطوه جوابًا لأنَّهم كانوا يتشاجرون حَول مَن الأعظم فِيهم. وها هو الربُّ الآن، يَختُمُ حديثَه معهم قائلاً لهم: “سَالِمُوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا”، وبالتّالي هو يَدعوهم إلى العيشِ بِسَلامٍ مع بَعضِهم البعض، ومع الآخَرين.
إخوتي، إنّ السَّلامَ، لا يعني تَوقُّفَ الحربِ، أو تَوَّقفَ الشِّجارِ بين طَرفَين مُتنازِعَين، بل يَعني السّلامَ الدّاخِليّ النَّابعَ مِن محبَّةِ الإنسانِ لله. إنّ العَيشَ في حالةٍ من السَّلامِ الدَّاخليّ، يَجعلُ الآخَرَ الّذي يلتَقي بِكَ يَشعرُ بالسَّلامِ لِوجودِكَ بالقُربِ منه. إنَّ تَجنُّبَ الإنسانِ لأخيه الإنسانِ لا يَصنعُ سلامًا حقيقيًّا، والهُدنةُ في الحربِ هي مجرّدُ استراحةٍ مؤقّتةٍ ما قَبل الحربِ أو ما بَعدَها. في القُدَّاسِ الإلهيّ، عندما يقولُ لنا الكاهن: “سلِّموا بعضُكم على بَعضٍ بِقُبلةٍ مقدَّسةٍ”، فهذا يعني اسعوا كي تُشعِروا الآخَرين الموجودين أمامَكم بأنَّكم تُحبُّونهم، فيَشعروا بالسَّلام في داخِلِهم. إنّ الّذي لا يَشعُر بأنّه محبوبٌ من الآخَر، يعيش في حالةِ اضطرابٍ وعُزلةٍ ووِحدة. تَجَبُّنًا للشّعورِ بالوِحدة والعُزلة وعدمِ الحُبِّ من الآخَر، قام الرُّهبان بِرَمي ذواتِهم في أحضانِ الله، لأنَّ اللهَ هو الضمانةُ الوحيدة لهم، فعاشوا في سلامٍ داخليٍّ واستَطاعوا نَقلَه إلى الآخَرين.
إذًا، في إنجيلِ مَرقس، يُخبرُنا الربُّ يسوع عن المسارِ الّذي اختارَه والّذي سيَقودُه إلى الصَّليبِ ثمّ القيامةِ، ويَطلُبُ منَّا ألّا نَخذُلَه، غَير أنّ الربَّ قد تعرَّضَ للخِذلانِ مِن الرُّسل، وهذا ما سيُخبرُنا عنه الإنجيليّ مَرقس. كما نقرأُ أيضًا في إنجيل مَرقس، عن رَجاء الربِّ بِرُسلِه، الّذين تمكَّنوا بعد قيامَتِه من بين الأمواتِ مِن مواجهةِ العالَم، إذ أصبح كُلُّ هَمِّهم إرضاءَ اللهِ لا إرضاءَ النَّاس. إخوتي، عندما يُصبِحُ هَمُّ المؤمِنِ الوحيدُ إرضاءَ الله، فإنّ كلَّ همومِه واضطراباتِه ستَزول، لأنّه سيَكتفي بِنَظرةِ الله إليه، غيرَ آبهٍ بنظراتِ العالَمِ إليه. قد يبدو لَكم هذا الأمرُ مُتعِبًا في البداية، ولكنْ هذا هو الحَلُّ الوحيدُ لِكُلِّ أزماتِ البَشَر.
في هذا الزَّمن، زَمنِ ميلادِ الربِّ يسوع، نَطرحُ السُّؤالَ على ذواتِنا: إلى أين تتَّجهُ عيونُنا: إلى يسوعَ “الطِّفل”، أمْ إلى يسوعَ المسيحِ المولود؟ الفَرقُ كَبيرٌ! قد يقولُ لي البَعضُ إنّ يسوعَ المسيحَ المولودَ في المغارةِ هو طِفلٌ. إخوتي، حين نَنظُر إلى الربِّ يسوع على أنّه الطِّفلُ المولود، فهذا يعني أنّه يتوجَّبُ علينا تَقديمُ شيءٍ له؛ أمّا حينَ ننظُرُ إلى الربِّ يسوع على أنّه المسيحُ المولود، فهذا يعني أنّه يتوجَّبُ علينا تَقديمُ شيءٍ لا للطِّفلِ في المغارة، إنّما لِكُلِّ أطفالِ هذا العالَم، الّذين كلَّمَنا عنهم الربُّ يسوع في هذا الإنجيل، أي إلى الّذين هُم بأمسِّ الحاجةِ إلى الشُّعورِ بالأمانِ والسّلامِ الدَّاخليّين في نفوسِهم، إلى الشُّعورِ بأنَّ اللهَ يراهم ويرعاهم من خلالِ وجودِنا إلى جانِبهم. آمين.
ملاحظة: دُوِّنت المحاضرة بأمانةٍ مِن قِبَلِنا.
