تفسير الكتاب المقدّس

الأب ابراهيم سعد

إنجيل القدّيس مرقس الرّسول – الإصحاح الثاني عشر (13-44)

13 ثُمَّ أَرسَلُوا إلَيْهِ قَومًا مِنَ الفَرِّيسِيِّينَ والهِيرُودُسِيِّينَ لِكَي يَصطادُوهُ بِكِلمَةٍ

14 فَلَمَّا جاءُوا قالُوا لَهُ: “يا مُعَلِّمُ، نَعلَمُ أَنَّكَ صادِقٌ ولا تُبَالي بِأَحَدٍ، لأَنَّكَ لا تَنظُرُ إلى وُجُوهِ النَّاسِ، بَل بِالْحَقِّ تُعَلِّمُ طَرِيقَ اللهِ. أَيَجُوزُ أَن تُعطى جِزْيَةٌ لِقَيصَرَ أَم لا؟ نُعطي أَمْ لا نُعطي؟”

15 فَعَلِمَ رِيَاءَهُم، وَقالَ لَهُم: “لِماذا تُجَرِّبُونَني؟ اِيتُونِي بِدِينَارٍ لأَنظُرَهُ.”

16 فَأَتَوا بِهِ. فَقالَ لَهُم: “لِمَن هَذِهِ الصُّورَةُ وَالكِتابَةُ؟” فَقالُوا لَهُ: “لِقَيصَر”.

17 فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُم: “أَعطُوا ما لِقَيصَرَ لِقَيصَرَ وَما للهِ للهِ”. فَتَعَجَّبُوا مِنهُ.
18 وَجاءَ إلَيْهِ قَومٌ مِنَ الصَّدُّوقِيِّينَ، الَّذِينَ يَقُولُونَ لَيسَ قِيَامَةٌ، وَسَأَلُوهُ قائِلِينَ:

19 “يا مُعَلِّمُ، كَتَبَ لَنَا مُوسَى: إنْ ماتَ لأَحَدٍ أَخٌ، وَتَرَكَ امْرَأَةً وَلَم يُخَلِّفْ أَولادًا، أَن يَأخُذَ أَخُوهُ امْرَأَتَهُ، وَيُقِيمَ نَسْلًا لأَخِيهِ.

20 فَكانَ سَبعَةُ إخوَةٍ. أَخَذَ الأَوَّلُ امْرَأةً وَماتَ، وَلَم يَترُكْ نَسْلًا.

21 فَأَخَذَها الثَّاني وَماتَ، وَلَم يَترُك هُوَ أَيضًا نَسْلًا. وَهكَذا الثَّالِثُ.

22 فَأَخَذَها السَّبعَةُ، وَلَم يَترُكُوا نَسْلًا. وَآخِرَ الكُلِّ ماتَتِ الـمَرْأَةُ أَيضًا.

23 فَفي القِيَامَةِ، مَتَى قامُوا، لِمَنْ مِنهُم تَكُونُ زَوجَةً؟ لأَنَّها كانَتْ زَوجَةً لِلسَّبعَة”.

24 فَأَجابَ يَسُوعُ وقالَ لَهُم: “أَلَيْسَ لِهَذا تَضِلُّونَ، إذْ لا تَعرِفُونَ الكُتُبَ وَلا قُوَّةَ اللهِ؟

25 لأَنَّهُم مَتَى قامُوا مِنَ الأَموَاتِ لا يُزَوِّجُونَ وَلا يُزَوَّجُونَ، بَل يَكُونُونَ كَمَلائِكَةٍ في السَّماواتِ.

26 وَأَمَّا مِن جِهَةِ الأَموَاتِ إنَّهُم يَقُومُونَ: أَفَمَا قَرَأتُم في كِتَابِ مُوسَى، في أَمرِ العُلَّيقَةِ، كَيفَ كَلَّمَهُ اللهُ قائِلًا: أَنا إِلهُ إبراهِيمَ وَإِلهُ إسْحاقَ وَإِلهُ يَعقُوبَ؟

27 لَيْسَ هُوَ إلهَ أَموَاتٍ بَل إلَهُ أَحيَاءٍ. فَأَنتُم إذًا تَضِلُّونَ كَثِيرًا!.

صَباحَ الخير، نحنُ اليَوم في صَددِ مُتابعةِ شَرحِ الإصحاحِ الثّاني عَشَر مِن إنجيل مرقس. وبَعدَ الانتهاءِ من هذا الإصحاح، يبقى لنا أربعةُ إصحاحاتٍ لِشَرحِها، وسيَكُون ذلك بِوَتيرةٍ أسرعَ من الإصحاحاتِ السّابقة، إذ إنَّها تَتضمَّنُ سردًا لأحداثِ الآلامِ والصَّلب والقِيامة. 

يُقسَم هذا النَّصُّ الإنجيليّ إلى قِسمَين: في القِسم الأوَّل، يُجيبُ الربُّ يسوع على سؤالِ الفَرِّيسيِّينَ؛ أمّا في القِسم الثّاني، فَيُجيبُ على سُؤالِ الصَّدوقيِّين. إنّ القِسمَ الأوَّلَ من هذا النَّص قد سَبَّبَ جدلاً بين المؤمِنِين، خصوصًا في ما يتعلَّق بِقَولِ الربِّ يسوع: “أَعْطُوا مَا لِقَيْصَرَ لِقَيْصَرَ وَمَا للهِ للهِ”، إذ اعتقَدَ البَعضُ مِنهُم أنَّ الربَّ يَسوع يَدعُوهم إلى تأديةِ واجباتِهم من جهةٍ تُجاه الله، ومن جِهَةٍ أُخرى تُجاه قَيصَر؛ غَير أنَّ هذا المفهومَ لا يَنسجِمُ مع سِياقِ النَّص، أي مَع ما قَصَده الربُّ يسوع في هذه العِبارة.

إستنادًا إلى النَّص اليُونانيّ الأصليّ، نُلاحِظُ وجودَ اختِلافٍ بين العِبارةِ الأصليّةِ وتَرجَمَتِها، وهذا ما أدَّى إلى سوءِ فَهمِ المؤمنِيِن لِما أرادَ يسوع قَولَه لهم بهذه العِبارة. في هذا النَّصّ، يُخبِرُنا الإنجيليُّ مَرقس أنَّ الفَرِّيسيِّين والهِيرودُسِيِّين قد جاؤوا إلى يسوع ليَصطادوه بِكَلِمة، أي أنّهم جاؤوا إليه مِن أجل تَركيبِ تُهمَةٍ عليه، لِيَتمَكَنَّوا مِن مُحاكَمَتِه وصَلبِه. إنَّ الفَرِّيسيِّين والهِيرودسيِّين والصَّدَّوقيِّين هُم على عَداوةٍ فِي ما بَينَهم، فالأحزابُ الّتي يَنتَمي إليها هؤلاء غير مُتوافقةٍ في ما بَينَها، لا على العقيدة الدِّينيّة ولا على التَّوجُّهِ السِّياسيّ. ولكنَّ هذه الأحزابَ الـمُعادِيَة لِبَعضِها البَعض قَد جَمعَتْها “مُصيبةٌ مُشتَرَكةٌ”، ألا وهي الربُّ يسوع، فتَوحدَّتْ مع بَعضِها البعض للقَضاءِ عَليه. إخوتي، إنَّ الأشرارَ يَتَّحِدونَ فِي ما بَينِهم، تارِكِين خِلافاتِهم جانبًا، لمواجهةِ الحقيقةِ والقَضاء عليها. إنَّ طَريقَ الحقِّ واحدةٌ وواضحةٌ، أمّا طُرقُ الشَّر فهي مُتَعدِّدةٌ ومُتَنوِّعة. ما حدَثَ مع الربِّ يسوع هو خَيرُ دليلٍ على ذلك، إذ ماتَ على الصَّليب نتيجةَ تآمُرِ رؤساءِ اليهود عليه.

“يا مُعَلِّمُ، نَعلَمُ أَنَّكَ صادِقٌ وَلا تُبالي بِأَحَدٍ، لأَنَّكَ لا تَنظُرُ إلى وُجُوهِ النَّاسِ، بَلْ بِالْحَقِّ تُعَلِّمُ طَرِيقَ اللهِ”: إنّ هذه الآيةَ هي مَديحٌ مِن الفَريِّسيِّين للربِّ يسوع، ولكنَّ هذا المديحَ يُخفي في طيّاتِه هَدفَهم الحقيقيّ مِن مَجيئهم إليه ألا وهو السَّعيُ لإيجاد تُهمةٍ عليه، كي يَتمَكَّنوا مِن اعتِقالِه وقَتلِه. إنَّ عِبارةَ “لا تَنظُرُ إلى وُجُوهِ النَّاسِ” تُشكِّلُ اعتِرافًا مِن رؤساءِ اليَهود أنَّ الربَّ يسوع لا يُحابي الوجوه. إنَّ تاريخَ هذه العِبارةِ يَعود إلى الشُّعوبِ القَديمةِ الّتي كانَت تَستَعمِلُها للإشارةِ إلى القاضي العادل. ففي القديم، كان يَتِمُّ إدخالُ الـمُتَّهَمِ إلى قاعةِ المحاكماتِ مُطأطأ الرّأسِ كي لا يَتمكَّنَ القاضي مِنَ التَّعرفِ إلى هوِيَّتِه، فيَكونَ حُكمُ هذا الأخير على المتَّهمِ حُكمًا عادلاً، بَعيدًا عن أيِّ تأثيراتٍ خارجيّة. إذًا، بِاستِخدامِهِم هذه العِبارة، أعطى الفَرِّيسيِّيون الربَّ يسوعَ صِفاتَ القاضي العادل.  

“فَعَلِمَ رِيَاءَهُمْ، وَقَالَ لَهُمْ: “لِمَاذَا تُجَرِّبُونَنِي؟ اِيتُونِي بِدِينَارٍ لأَنْظُرَهُ”: في هذه الآيةِ، يُخبِرُنا الإنجيليُّ مَرقس أنَّ الربَّ يسوع قد اكتشَفَ مَكرَ الفَرِّيسيِّين وخُبثَهم عند طَرحِهم هذا السُّؤالَ عليه؛ لذلك، قال لهم: “لِماذا تُجرِّبونني؟”. إنّ عِبارةَ “لماذا تُجرّبونني؟” تُؤكِّدُ لنا أنّ اللهَ لا يُجرِّبُ البَشَر، كما كان يَعتَقِدُ الكَثيرُون، إنَّما البَشرُ هُم الّذينَ يُجرِّبونَ الله. طَلبَ الربُّ يسوع مِن الفَرِّيسيِّين أن يُعطوه دينارًا، ففعلوا؛ وعندما نَظر الربُّ إليه، سألَهم عن صاحِبِ الصُّورة والكِتابَة الموجودَين على الدِّينار، فأجابوه إنّها لِقَيصر. عِندئذٍ، لم يقُلِ الربُّ لهم العِبارةَ الموجودةَ في هذا النَّص، “أعطوا ما لِقَيصر لِقَيصَر وما لله لله”، إنّما “إنَّكم تُعطونَ ما لِقَيصر لِقَيصَر وما لله لله”، وذلك بالإستناد إلى النَّص الأصليّ اليونانيّ. فمِن خلالِ هذه الآيةِ “إنّكم تُعطون ما لقَيصَر لِقَيصر وما لله لله”، أرادَ الربُّ يسوع تَوصيفَ الواقعِ المزيَّفِ الّذي يعيشُه الفَرِّيسيُّون، الّذي يَقومُ على سَعيِهِم إلى إرضاءِ القَيصر مِن جِهَةٍ بِتَقديم المال له، وإلى إرضاء الله من جهةٍ أخرى بِتَقديمِ الذَّبائحِ وتَقديمِ الصَّلواتِ والسُّجودِ للّه في الهيكل، معتَقدين أنّهم بذلك سيَنجَحون في إرضاء الله والقَيصَر في آنٍ معًا. إخوتي، لو كان الربُّ يسوع قد قالَ لِلفَرِّيسيِّين “أعطوا ما لِقَيصر لِقَيصر وما لله لله”، لَما كان هناكَ من داعٍ لِتَعجُّبِهم، كما يُخبِرُنا الإنجيليُّ مَرقس في هذا النَّص، لأنّ الفَرِّيسيِّين يَقومون بِذَلِك في حياتِهم اليوميّة؛ ولكنَّ الفَرِّيسيِّين قد تعجَّبوا عندما قام الربُّ بِوَصفِ نِفاقِهم القائمِ على محاولتِهم التَّوفيقَ ما بين اللهِ والقَيصر. إنَّ ما قالَه الربُّ يسوع للفَريِّسيِّين في هذا النَّص قد أثار عَجَبَهم، لأنَّهم كانوا يعتقدون أنّهم يَقومون بِكُلِّ ما يُرضِي الله طِوال مَسِيرَتِهم التَّاريخيّةِ معه، من خلالِ تقديمِ البَخورِ له والصّلواتِ والذَّبائحِ في الهيكل؛ ولكنَّهم اكتشَفوا أنَّ ما كانوا يَقومون به لا يُرضي الله. هذا ما عَبَّرَ عنه اللهُ للشَّعب اليهوديّ في سِفر إشعيا، حين قال لهم: “رُؤوسُ شُهورِكُم وأعيادُكُم كَرِهَتْها نفْسي. صارَت ثقْلًا عليَّ وسَئمْتُ ا‏حتِمالَها‌. إذا بَسَطْتُم أيديَكُم للصَّلاةِ أحجُبُ عينَيَّ عَنكُم، وإنْ أكثَرتُم مِنَ الدُّعاءِ لا أستَمِعُ لكُم، لأنَّ أيديَكُم مَملوءَةٌ مِنَ الدِّماءِ. فا‏غتَسِلوا وتَطهَّروا وأزيلوا شرَّ أعمالِكُم مِنْ أمامِ عينَيَّ وكُفُّوا عَنِ الإساءةِ. تعَلَّموا الإحسانَ وا‏طلُبوا العَدلَ. أغيثوا المَظلومَ‌ وأنصِفوا اليَتيمَ وحاموا عَنِ الأرملَةِ.”(إشعيا 1: 14- 17). وبالتَّالي، مِن خلالِ هذا الكلام، أرادَ الربُّ أن يَقولَ لِشَعبِه: ما نَفعُ صَلواتِكم إليَّ، ما دُمتُم لا تَهتَّمون لا بالأرملةِ ولا بِاليَتِيم ولا بِالفَقير! ما نَفعُ بناءِ هيكلٍ لي لِتَسجِنُوني في داخلِه! لذلك، دَمَّر اللهُ الهَيكل، لأنّه لا يُريدُ بَعدَ الآن السُّكنى في داخِله. وهذا ما نَقلَه الأنبياءُ إلى الشَّعب اليَهوديّ؛ فعلى سبيلِ الـمِثال، عِندما دَخلَ النَّبيُّ عاموس قَصرَ الـمَلِك في تلك الأيّام، وَجدَ هَيكَلاً صَغيرًا في داخلِه، فقَال النَّبيُّ للمَلِك إنَّ كُلَّ ما يَملكُه مِن عائلةٍ وأراضٍ ومُدُنٍ، سَوفَ يُدمَّر لأنّه أهمَلَ الأرملةَ واليَتيم والبائس. إذًا، في هذا النَّص، يُذكِّر الربُّ الفَرِّيسيِّين بِما قالَه اللهُ للشَّعبِ اليَهوديّ قَديمًا وهو أنَّ ما يُرضي اللهَ هو اهتمامُ الإنسان بأخيه المحتاج، لا بِناءُ الهياكلِ ومَراكزِ الصَّلاة! لذلك، قرّرَ اللهُ تَغييرَ نَوعِيَّة الهَيكلِ الّذي يَسكُن فيه، فانتقَلَ مِنَ السُّكنى في الهَيكلِ الحجريِّ إلى السُّكنى في الهَيكلِ الإنسانيّ، أي في كلِّ إنسانٍ فَقيرٍ ومُهَمَّش، وبالتَّالي مَن أرادَ أن يُرضيَ اللهَ حقًّا، فعليه أن يُسارِعَ إلى خِدمةِ الإنسانِ المحتاج ومُساعدتِه لأنَّ الله موجودٌ في داخِلِه. وهذا يعني أنَّ مَن يَذهبُ إلى الهيكل لِعِبادة الله، يُصبحُ كالوَثَنيّ الّذي يَعبُد الفَراغَ لأنَّ الله قد تَرَك الهيكل وذَهَبَ إلى السُّكنى في الإنسانِ المحتاج. إخوتي، إنَّ هذا الأمرَ يَنطبِقُ علينا اليومَ نحن المؤمِنِين! قد يَعتقدُ البَعضُ مِنّا أنَّه يُرضي اللهَ حينَ يَذهبُ إلى الكَنيسَةِ ويُمارِسُ فيها بَعضَ الطّقوسِ الدِّينيّةِ الخارجيّةِ الفارغةِ من معناها، ولكنَّه سُرعانَ ما يَكتَشِفُ أنّ الله قد غيَّر مَذبَحه، ليَجعَلَ مِن كُلِّ إنسانٍ فقيرٍ ومُهمَّشٍ مَذبَحًا له. وهذا يعني أنَّ على المؤمنِ أن يُقدِّم ذَبيحَتَه لا على المذبحِ إنّما إلى الإنسانِ المحتاج، كي تكونَ تلك الذَّبيحةُ مَرضِيَّةً لله. وهذا ما ذكَّرَنا به أيضًا الربُّ يسوع، في إنجيل متّى، في نصِّ الدَّينونة، إذ أخبَرنا أنَّ كلَّ ما نَفعلُه مع إخوتِه الصِّغار فإنّنا له نَفعلُه، وهذا يعني أنّ الربَّ يسوع قد ماهى نفسه مع الإنسانِ الجائع والعطشان والمريضِ والمسجون والغريب، أي مع كُلِّ إنسانٍ فَقيرٍ ومُهَمَّش. إنَّ أيقونةَ المسيحِ المتجسِّدِ في عالَمِنا اليوم هي الإنسانُ المحتاج. وما أجملَ الصَّلواتِ الّتي نُقدِّمُها إلى الله مِن خلالِ مُساعدتِنا لهؤلاء: إنّها العِبادةُ الحقَّة لله! 

إذًا، مِن خلال العِبارة الّتي قالها الربُّ يسوع للفَرِيسِيِّين: “إنَّكم تُعطون ما لِقَيصر لِقَيصر، وما لله لله”، أراد أن يَقول لهم إنّهم مِن جهةٍ، يُحسِنون استعمالَ عُملةَ القَيصرِ الموجودةَ في جُيوبِهم، وأنّهم مِن جهةٍ أُخرى يَستَّغِلون اللهَ لتَحقيقِ مَصالِحِهم الشَّخصيّة. هنا، تَتَبادرُ إلى أذهانِنا صُورةُ يسوعَ الّذي دَخل إلى الهَيكلِ غاضبًا من وجودِ الصّيارفةِ وباعةِ الحمام في داخِله. عند دخولِه إلى الهيكل، قَلَبَ يسوعُ أوّلاً طاولة الصّيارفة، لأنّ هؤلاء يُتاجِرونَ بالله مُقابِلَ المال، إذ إنّهُم يَضَعون ذواتَهم مكانَ الله؛ ثُمّ قَلَبَ طاولةَ بائعي الحَمام، لأنّ هؤلاء يُتاجِرونَ بالرُّوحِ القُدس، مِن أجل مآربِهم الشَّخصيّة، فالحَمامُ في الكِتاب المقدَّس يَرمُز إلى الرُّوح القدس. هذا هو الإلحادُ الجديد: فالإلحادُ الحقيقيّ لا يَقومُ على إعلانِ الإنسانِ عَدمَ إيمانِه بِوُجودِ الله، إنّما يَقومُ على وَضعِ الإنسانِ ذاتَه مَكانَ الله.

إنَّ المواقفَ الّتي يتَّخِذُها الإنسانُ في حَياتِه اليَوميَّةِ تَعكِسُ إيمانَه باللهِ أو إلحادَه. في خِتامِ القِسمِ الأوَّلِ من هذا النَّص، يُخبِرُنا الإنجيليُّ مَرقس أنَّ الفَرِّيسيِّين قد تَعجَّبوا مِن جَوابِ الربِّ يسوعَ لهم، وهذا ما دَفعَهم إلى إنهاءِ هُجومِهم على الربِّ يسوع، إذ قاموا بِتَسجيلِ أقوالِه لاستِخدامِها ضِدَّه عِندَ مُحاكَمَتِه. إنَّ الربَّ يسوع قد تَمكَّنَ مِنَ النَّجاةِ مِنَ الفَخِّ الّذي أرادَ الفَريِسيُّون إيقاعَه به.

في القِسمِ الثَّاني مِن هذا النَّصّ، يُخبِرُنا الإنجيليُّ مَرقس أنَّ الصَّدوقيِّين تابعوا مَسِيرةَ الفَرِّيسيِّين في الهُجومِ على الرَّبِّ يسوع. إنّ الصَّدُّوقيِّين هُم على خِلافٍ مع بَقيّةِ الفِئات اليَهوديّة، إذ إنّهم يَنتَمون إلى الطَّبقةِ الأرستقراطيّةِ في المجتمعِ اليهوديّ أي إلى طَبَقَةِ الأغنياءِ، وهُم لا يُؤمنون إلّا بالكُتبِ الموسويَّة الخَمسةِ أي بالتَّوراة، وهُم لا يُؤمِنون بالقيامةِ لأنَّها غيرُ مذكورةٍ في كُتبِ التَّوراة. بِاختصارٍ، الصَّدُّوقيِّون لا يَهتَّمونَ بِشَيءٍ إلّا لما هو موجودٌ في جُيوبِهم، والدِّينُ بالنِّسبة إلَيهِم هو عُنوانٌ خارجيٌّ لِسُلوكِهِم في الحياة. في هذا النَّص، نُلاحِظ أنَّ الصَّدوقيِّين قد حاولوا الإيقاعَ بالربِّ يسوع، مِن خلالِ طَرحِ سُؤالٍ عليه حَولَ زواجِ المرأةِ مِن أسلافِها لإقامةِ نَسلٍ لِزَوجها المتوفيّ، وقد استَخدموا فيه عِباراتٍ مِن كِتابِ موسى، أي كُتبِ التَّوراة. إنَّ تَصَّرُفَ الصَّدَّوقيّين هُنا يُذكِّرُنا بِتَصرُّفِ الشَّيطانِ الّذي استَخَدمَ ثلاثَ مَقاطِعَ كِتابيَّةٍ من سِفرِ تَثنيةِ الاشتِراع في محاولِتِه للإيقاعَ بالربِّ يسوع في البَرِيَّة. إنَّ الشَّيطانَ قد أخضعَ الربَّ يسوعَ لِثَلاثِ تَجاربَ في البَريَّة، هي: “إِنْ كُنْتَ ابْنَ اللهِ، فَقُلْ لِهَذِهِ الْحِجَارَةِ أَنْ تَتَحَوَّلَ إِلَى خُبْزٍ!” (متى 4: 3)، “إنْ كُنْتَ ابْنَ اللهِ، فَاطْرَحْ نَفْسَكَ إلَى أَسْفَلُ، لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: يُوصِي مَلائِكَتَهُ بِكَ، فَيَحْمِلُونَكَ عَلَى أَيْدِيهِمْ لِكَي لا تَصدِمَ قَدَمَكَ بِحَجَرٍ!” (متى 4: 6)، “أُعْطِيكَ هَذِهِ كُلَّها إنْ جَثَوْتَ وَسَجَدْتَ لِي!” (متى 4: 9)، وقد نَجحَ الربُّ في اجتيازِها إذ بَقيَ خاضِعًا لأبيه، وبالتَّالي لم يَتَمكَّنِ الشَّيطانُ مِن الإيقاعِ به. إنَّ سُؤالَ الصَّدُّوقيِّين للربِّ يسوع هو سُؤالٌ مُركَّبٌ، تَناولَ مَسألتَين: الأولى: “لِمَنْ مِنهُم تَكُونُ زَوجَةً؟”(مر 12: 23)، والثّانية: “مَتَى قامُوا” (مر 12: 23). إنَّ سُؤالَ الصَّدُّوقيِّين للربِّ يسوع يُعبِّرُ عن مدى خُبثِهم ورَغبَتِهم في الإيقاعِ به. إنَّ الربَّ يسوع قد أجابَ على سؤالِ الصَّدُّوقيِّين قائلاً: “لأَنَّهُمْ مَتَى قَامُوا مِنَ الأَمْوَاتِ لا يُزَوِّجُونَ وَلا يُزَوَّجُونَ، بَلْ يَكُونُونَ كَمَلاَئِكَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ. وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ الأَمْوَاتِ إنَّهُم يَقُومُونَ: أَفَمَا قَرَأْتُمْ في كِتَابِ مُوسَى، في أَمرِ العُلَّيْقَةِ، كَيفَ كَلَّمَهُ اللهُ قائِلًا: أَنَا إِلهُ إِبْرَاهِيمَ وَإِلهُ إِسْحَاقَ وَإِلهُ يَعْقُوبَ؟” (مر 12: 25-26). مِن خلالِ هذا الجوابِ، نُدرِكُ أنّ الربَّ يسوع قد استَخدَمَ مع الصَّدُّوقيِّين الأسلوبَ نَفسَه الّذي استَخدَمَه مع الشَّيطانِ في البَريَّة، فأعطاهُم جَوابًا عن قِيامةِ الأمواتِ مِن كِتابِ موسى. ثمّ أضَاف قائلاً لهم: “لَيْسَ هُوَ إِلهَ أَمْوَاتٍ بَلْ إِلهُ أَحْيَاءٍ. فَأَنْتُمْ إِذًا تَضِلُّونَ كَثِيرًا!”، فَلم يَتَمكَّنوا بعدَ ذلك من طَرح أيِّ سؤالٍ عليه، لأنَّ جوابَه قد أفَحَمَهم، فانَصرَفوا عنه. هذا ما فَعلَه الشَّيطانُ أيضًا حين عَجِزَ عن الإيقاعِ بالربِّ يسوع في البَرِيَّة، إذ يَقولُ لنا النَّصُّ الإنجيليّ، “وَلَمَّا أَكْمَلَ إِبْلِيسُ كُلَّ تَجْرِبَةٍ فَارَقَهُ إلى حِينٍ” (لو 4: 13). إذًا، أَفشَل الربُّ يسوع مُخطَّطَ الفَرِّيسيِّين والهِيرُودسيِّين والصَّدَّوقيِّين للإيقاعِ به، وذلك قَبلَ مَوتِه على الصّليب. إنَّ وجودَ مجموعاتٍ مِن الشَّعب تَبحثُ عن تُهمةٍ للإيقاع بالربِّ يسوع، لا يَنفي وجودَ مجموعاتٍ أُخرى كانت تَسعى للتَّقَرُّبِ منه بِاستمرارٍ. إنَّ كلامَ الربِّ يسوع إلى هذه المجموعاتِ الثّلاث مِنَ الشَّعبِ، الفَرِّيسيِّين والهِيرُودسيِّين والصَّدُّوقيِّين، لا يَنطَبِقُ على جَميعِ اليَهود، فالربُّ يسوع يَنظرُ إلى كلِّ إنسانٍ انطِلاقًا مِن مَوقفِ هذا الأخير منه.

28 فَجاءَ واحِدٌ مِنَ الكَتَبَةِ وَسَمِعَهُم يَتَحاوَرُونَ، فَلَمَّا رَأَى أَنَّهُ أجابَهُم حَسَنًا، سَأَلَهُ: “أَيَّةُ وَصِيَّةٍ هِيَ أَوَّلُ الكُلِّ؟

29  فَأَجابَهُ يَسُوعُ: “إنَّ أَوَّلَ كُلِّ الوَصايا هِيَ: اسْمَعْ يا إسرائِيلُ. الرَّبُّ إلَهُنا رَبٌّ واحِدٌ.

30 وَتُحِبُّ الرَّبَّ إلَهَكَ مِنْ كُلِّ قَلبِكَ، وَمِن كُلِّ نَفسِكَ، وَمِنْ كُلِّ فِكرِكَ، وَمِن كُلِّ قُدرَتِكَ. هذِهِ هِيَ الوَصِيَّةُ الأُولَى.

31 وَثَانِيَةٌ مِثْلُهَا هِيَ: تُحِبُّ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ. لَيْسَ وَصِيَّةٌ أُخْرَى أَعْظَمَ مِنْ هَاتَيْنِ”

بالنِّسبةِ إلى الربِّ يسوع، إنَّ أعظمَ وَصِيَّتين هما: أن يُحِبَّ الإنسانُ إلَهَه مِن كُلِّ قَلبِه ونَفسِه وفِكرِه وقُدرتِه، والثّانية أن يُحِبَّ قريبَه كنَفسِه. أن يُحِبَّ الإنسانُ اللهَ مِن كُلِّ قَلبِه ونَفسِه وفِكرِه وقُدرتِه يَعني ألا يُشِرِكَ أيَّ إلهٍ آخر في عِبادَتِه لله الواحد، أي أن يَكُونَ مُلتَزِمًا بالعبادةِ الّتي اختارَها. إنَّ الربَّ يسوع قد جَعل الوَصِيَّة الأُولى مُساوِيَةً للوَصِيَّة الثّانية: فبالنِّسبة إليه، مَحبَّةُ اللهِ لها هي في الأهميّة ذاتها لِمَحبّة القريب. إذًا، إنَّ علاقةَ الإنسانِ باللّه لا يُمكِنُها أن تَكونَ ثُنائيّةَ الأبعاد إنّما ثلاثيّةَ الأبعاد، وهذا يعني أنَّ عَلاقةَ الإنسان بأخيه الإنسانِ تُشكِّلُ إنعكاسًا لِعَلاقَتِه بالربِّ. وهذا ما أكَّد عليه الإنجيليُّ يوحنَّا في رسالتِه الأُولى، إذ قال لنا: “إنْ قالَ أَحَدٌ: “إنِّي أُحِبُّ اللهَ” وَأَبغَضَ أَخاهُ، فَهُوَ كاذِبٌ. لأَنَّ مَنْ لا يُحِبُّ أَخاهُ الَّذي أَبْصَرَهُ، كَيْفَ يَقْدِرُ أَنْ يُحِبَّ اللهَ الَّذِي لَمْ يُبْصِرْهُ؟” (1 يو 4: 20). إذًا، في هذه الرِّسالة، وَصَف لنا الإنجيليُّ يوحَنّا الإنسانَ الّذي يَقولُ إنَّه يُحِبُّ الله وهو لا يُحِبُّ أخاه بـ”الكاذِب”، وهِيَ صِفَةٌ كان الربُّ يسوع قد أطلقَها على الشَّيطان.

32 فَقالَ لَهُ الكَاتِبُ: “جَيِّدًا يا مُعَلِّمُ. بِالْحَقِّ قُلتَ، لأَنَّهُ اللهُ وَاحِدٌ وَلَيْسَ آخَرُ سِواهُ.

33 وَمَحَبَّتُهُ مِنْ كُلِّ القَلْبِ، وَمِنْ كُلِّ الفَهْمِ، وَمِنْ كُلِّ النَّفْسِ، وَمِنْ كُلِّ الْقُدْرَةِ، وَمَحَبَّةُ الْقَرِيبِ كَالنَّفْسِ، هِيَ أَفْضَلُ مِنْ جَمِيعِ الـمُحْرَقَاتِ وَالذَّبَائِحِ.

إنَّ هذا الكاتبَ اليَهوديّ قد اعتَرَف بأنَّ الربَّ يسوعَ على حقٍّ في ما يَقول، وهذا يعني أنَّه وافقَ على كلامِه وتَبنَّاه، ممّا يدلّ أنَّه أدرَك حقيقةً ما يُريده الله من البَشر، وهو، ما أخبرَنا به الكِتاب، قائلاً لنا: “أُريد رَحمةً لا ذبيحة”(هو 6: 6). 

34 فَلَمَّا رَآهُ يَسُوعُ أَنَّهُ أَجَابَ بِعَقْل، قَالَ لَهُ: “لَسْتَ بَعِيدًا عَنْ مَلَكُوتِ اللهِ”. وَلَمْ يَجْسُرْ أَحَدٌ بَعْدَ ذلِكَ أَنْ يَسْأَلَهُ!

في الآياتِ السَّابِقَة، أعلنَ الكاتِبُ اليَهوديّ للربِّ يسوع عن فَهمِه لما وَرَد في التَّوراة، ولكنَّه لم يُعلِن عن إيمانِه به مَسِيحًا ومخلِّصًا، لذلك قال له الربُّ يسوع: “لستَ بَعيدًا عن ملكوتِ الله”، ولم يَقُل له: إنّ ملكوت الله في داخلك، فهذا الرَّجل ما زال يَهوديًّا ولم يُعلِن بَعد عن اتِّباعه للمسيح. إنّ العِبارة الّتي استخَدمَها الإنجيليّ مَرقس هنا، “وَلَمْ يَجسُرْ أَحدٌ بَعدَ ذلِكَ أَنْ يَسْأَلَهُ!”، تؤكِّدُ لنا أنّ كُلَّ مُحاولاتِ الفَرِّيسيِّين والهِيرودسيِّين والصَّدُّوقيِّين للإيقاعِ بالربِّ يسوع قد باءت بالفَشَل.

35 ثُمَّ أَجابَ يَسوعُ وَقالَ وَهُوَ يُعَلِّمُ في الهَيْكَلِ: “كَيْفَ يَقُولُ الكَتَبَةُ إنَّ الـمَسِيحَ ابْنُ دَاوُدَ؟.

في هذه الآيةِ، نَكتشِفُ أنَّ الأدوارَ قد انقَلبَتْ إذ لمَ يَعد رؤساءُ اليهود هُم الّذين يَطرحونَ الأسئلة على الربِّ يسوع، إنّما هو الّذي يَقومُ بِطَرحِ الأسئلةِ عَلَيهم مُنتَظرًا مِنهم أَجوِبَةً على أسئلتِه.

36 لأَنَّ دَاوُدَ نَفْسَهُ قالَ بِالرُّوحِ القُدُسِ: قالَ الرَّبُّ لِرَبِّي: اجْلِسْ عَنْ يَمِينِي، حَتَّى أَضَعَ أَعداءَكَ مَوطِئًا لِقَدَمَيكَ.

37 فَدَاوُدُ نَفْسُهُ يَدعُوهُ رَبًّا. فَمِنْ أَينَ هُوَ ابنُهُ؟” وَكانَ الجَمعُ الكَثِيرُ يَسمَعُهُ بِسُرُورٍ.

38 وَقالَ لَهُم فِي تَعْلِيمِهِ: “تَحَرَّزُوا مِنَ الكَتَبَةِ، الَّذِينَ يَرغَبُونَ الـمَشيَ بِالطَّيَالِسَةِ، وَالتَّحِيَّاتِ في الأَسواقِ،

39 وَالـمَجالِسَ الأُولَى في الـمَجامِعِ، وَالـمُـتَّكَآتِ الأُولَى في الوَلائِمِ.

40 الَّذِينَ يَأْكُلُونَ بُيُوتَ الأَرامِلِ، وَلِعِلَّةٍ يُطِيلُونَ الصَّلَوَاتِ. هؤُلاءِ يأخُذُونَ دَينُونَةً أَعظَمَ”.”

إنّ العِبارةَ الّتي قالَها الربُّ يسوع: “قالَ الرَّبُّ لِرَبِّي: اجْلِسْ عَنْ يَمِينِي، حَتَّى أَضَعَ أَعداءَكَ مَوطِئًا لِقَدَمَيكَ” (مز 110: 1)، مأخوذةٌ مِن مَزاميرِ داود الـمَلِك. في هذا المقطعِ الإنجيليّ، يُوَجِّهُ الربُّ يسوع أسئلتَه إلى الكَتَبة، الّذين هُم لاهوتِيُّون ومعلِّمو الدِّين اليَهوديّ للشَّعب. بَعد انتِهاءِ حديثِه مع الكَتَبة، وجَّه الربُّ كلامه إلى تَلاميذِه وحذَّرَهُم من اتِّخاذِ الكَتَبةِ مِثالاً لَهم في سُلوكِهم في هذه الحياة. حين يَتَكلَّمُ الربُّ يسوع عن الكَتَبةِ فهو لا يَقصِدُهم جَميعًا، بل حدَّد نَوعَ الكَتَبة الّذين يَجبُ على الـمُؤمِنِ عدمُ التَّشبه بهم، إذ قال لنا: “الَّذِينَ يَرغَبُونَ الـمَشيَ بِالطَّيَالِسَةِ، وَالتَّحِيَّاتِ في الأَسواقِ، وَالـمَجالِسَ الأُولَى في الـمَجامِعِ، وَالـمُـتَّكَآتِ الأُولَى في الوَلائِمِ. الَّذِينَ يَأْكُلُونَ بُيُوتَ الأَرامِلِ، وَلِعِلَّةٍ يُطِيلُونَ الصَّلَوَاتِ. هؤُلاءِ يأخُذُونَ دَينُونَةً أَعظَمَ”. في المقطعِ السَّابق، أخبَرنا الإنجيليُّ مَرقس عن أحدِ الكَتَبة الصَّالِحِين الّذي جاء إلى يسوعَ لِيَسألَه عن أعظمِ الوصايا. إنَّ الربَّ يسوعَ حَذَّر تَلاميذَه من اتِّخاذِ ذِهنيَّةِ الكَتَبةِ الّتي تَقومُ على البَحثِ عن المقاعدِ الأولى في المجالس، لأنّهم مُعلِّمو الشَّعبِ اليَهوديّ وحُكماؤه. إنّ تَصرُّفَ الكَتَبةِ ما زالَ موجودًا إلى اليوم عند المسيحيِّين إذ يَعمدُ بَعضُ المؤمِنِين إلى التَّستُّرِ بالتَّواضعِ المزَّيف، حين يَجلسون في المقاعدِ الخَلفِيَّة، مُنتَظرِينَ مِنَ الآخَرين دَعوتَهم للجلوسِ في المقاعدِ الأماميّة، إذ إنَّ شَهوةَ المقاعدِ الأماميّةِ ما زالت موجودةً في داخِلِهم. وهنا نسألُ: لماذا يَقومُ المسؤولون الكَنَسيّون بِحجزِ المقاعدِ الأُولى في الكَنِيسَة للسِّياسِيِّين ولأصحابِ المراكزِ المهمَّةِ في المجتمع، حتّى إنّه في بعضِ الأحيانِ يَضعونَ لهم كراسيّ أمامَ المقاعدِ الأماميّةِ في الكَنِيسَة، إلى دَرجةٍ أنّ مَقعدَ هذا الزَّعيمَ يُصبحُ على مَقرُبةٍ جدًّا مِن مَكانِ جُلوسِ الكاهن؟ ونُضيف: لماذا هذا التَّكريمُ الزَّائد لهذا المسؤولِ أو ذاك: هل بِسَببِ إيمانِه وإخلاصِه للربِّ يسوع أَمْ لأسبابٍ أُخرى أرضيَّةٍ بَحتة، كامتلاكِه لِسُلطةٍ سِياسيّة مُهمَّة؟ إخوتي، إنَّ السُّلطةَ السِّياسِيَّة لا وجودَ لها في الكَنِيسَة حَيثُ المسيحُ مَوجودٌ والجميعُ مُتساوون أمامه. وهنا نسأل أيضًا: لماذا نَتَجاوزُ كُلَّ تَعاليمِ المسيحِ مِن أجلِ تَحقيقِ مَصالِحِنا الدُّنيويَّة الأرضيّة؟ في هذا الإطار، يَصُحُّ فينا قَولُ المسيحِ يسوع في هذا النَّص: “إنَّكم تُعطون ما لِقَيصر لقيَصر وما للّه للّه”، أي أنّنا نُحسِنُ تَدبيرَ أُمورِنا الأرضِيَّة كما كان الفَرِيسيُّون يَفعلونَ في أيّامِ المسيح يسوع. في أيّامِنا هذه، قد أصبحَ أمرًا عاديًّا إدخالُ الـمُسلِمين ذوي مناصِبَ مهمَّةٍ في الدَّولة إلى الكنائس وإجلاسِهِم في المقاعدِ الأماميّة عند مُشارَكَتِهِم في بعضِ المناسباتِ الدِّينِيَّة المهمَّة، وهذا أمرٌ لا أرغبُ في الغَوص فيه الآن. ولكنْ لا بُدَّ لنا أن نسأل: هل نَستَطيعُ أن نُعطي الأهميّةَ نفسَها الّتي نُعطيها للمَسؤولِينَ المسيحيِّين عِندَ دُخولِهِم إلى الكَنِيسَة، إلى إنسانٍ فقيرٍ مؤمِنٍ ومُلتزم بكلِّ مَواعيدِ الصّلاة؟ هل نَجد استعدادًا عند المسؤولين للتَّنحي عن مقاعدِهِم الأماميّة وإعطائها لإنسانٍ فَقيرٍ مُؤمِن لم يَتَمكَّن من إيجادِ مَكانٍ له في الكنيسة للجلوس؟!

ونسأل أيضًا: أمِنَ المعقول أن نَكونَ نحن المسيحيِّين الّذينَ جِئنا للصّلاة في الكنيسة، غيرَ قادرين على الالتزامِ بِتَعاليمِ المسيح الّذي جَعَلنا مُتساوين أمامه؟ إخوتي، لا أقول هذا بِهدف الإدانة إنَّما بِهدف تَوصيفِ الواقع، فنَعمَلُ على تَحسينِه. هل نَستَطيعُ أن نَجِدَ شَخصًا في الكَنِيسَة قادرًا على القِيام بهذه الثَّورة؟ هل مِن الخطأ التَّنحيّ عن المقاعد الأماميّة وإسنادِها إلى مؤمنٍ آخر والجلوس في المقاعد الخلفيّة؟ للأسف، إنّ غالبيّة المسؤولين المسيحيِّين هُم الّذين يَسعون إلى الحصولِ على المقاعدِ الأماميّة في الكَنيسَة! إنَّ تَصرُّفاتِنا هذه في الكَنِيسَة تَحديدًا، تدُّل على أنّنا نهتّم لإرضاء قيصر أكثر مِن سَعينا إلى إرضاء الله والعمل بتعاليمه، لأنّنا نبحث عن تحقيق مصالِحِنا الخاصّة وأطماعِنا وما يَخدُم أنانيَّتَنا! وفي هذا الإطار، نَتذكَّرُ قَولَ مار بولس لنا الّذي دَعانا إلى التَّعليم والتَّوبيخ، وبالتَّالي جميعُنا مدعوُّون إلى التَّعليم بِسُلوكِنا وتوبيخ الآخَرين على سُلوكِهم. إخوتي، في هذا النَّص، يُنبِّهُنا الربُّ يسوع من السُّلوكِ كما الكَتَبة الّذينَ يُحبُّون الحصولَ على التَّمجيدِ والإكرامِ من النَّاس إذ يَسعَون إلى المقاعدِ الأماميّة، ويأكلون بيوت الأرامل. إنّ الكَتَبة لا يَقومون بِسَرقةِ بُيوتِ الأرامل بِشَكلٍ ظاهرٍ وفاضِح، ولكنَّهم يَمتَنِعونَ عن مُساعَدَتِهنَّ، وبهذهِ الطَّريقةِ يَكونونَ كَمَن يأكلُ بُيوتَ هؤلاءِ الأرامل ويَسرقونها. وفي هذا الإطار، نَتذكَّرُ أيضًا قَولَ القِدِّيس باسيليوس الكَبير الّذي كان يَعتَبِرُ أنَّ كُلَّ مُؤمِنٍ يَمتَنِعُ عن مساعدة إنسانٍ محتاج وهو قادرٌ على فِعل ذلك، هو في الحقيقة إنسانٌ سارقٌ لأخيه المحتاج. 

“هؤُلاءِ يَأْخُذُونَ دَيْنُونَةً أَعْظَمَ”: من خلال هذه العِبارة، نُلاحِظُ أنّ الربَّ يسوع قد حَكَم على هؤلاء الّذين كانوا يَبحَثُونَ عن الإيقاع بالربِّ يسوع لمحاكمته.

41 وَجَلَسَ يَسُوعُ تُجاهَ الخِزانَةِ، وَنَظَرَ كَيفَ يُلقِي الجَمْعُ نُحاسًا في الخِزانَةِ. وَكانَ أَغنِيَاءُ كَثِيرُونَ يُلقُونَ كَثِيرًا.
42 فَجاءَتْ أَرمَلَةٌ فَقيرَةٌ وَأَلقَتْ فَلسَيْنِ، قِيمَتُهُما رُبْعٌ.

43 فَدَعَا تَلامِيذَهُ وَقالَ لَهُمُ: “الْحَقَّ أَقُولُ لَكُم: إنَّ هذِهِ الأَرمَلَةَ الفَقِيرَةَ قَد أَلقَتْ أَكثَرَ مِنْ جَميعِ الَّذِينَ أَلقَوْا في الخِزانَةِ،
44 لأَنَّ الجَمِيعَ مِنْ فَضلَتِهِمْ أَلقَوْا. وَأَمَّا هذِهِ فَمِنْ إعوَازِها أَلقَتْ كُلَّ ما عِندَها، كُلَّ مَعِيشَتِهَا.

إنّ هذه الخزانةَ موجودةٌ داخِلَ الهَيكَل. إنَّ المسألةَ الّتي يَطرَحُها الربُّ يسوع هنا لا تَتَعلَّق بِكَمِيَّةِ المال الّذي يُقدِّمه الإنسان في الهَيكل إنّما في علاقة هذا الإنسان مع ما يَمتَلِكه، وقُدرَتِه على مُشاركَتِه مع الآخَرين. وهُنا، يُطرَحُ السُّؤال: هل أنتَ، أيهّا الإنسان، الّذي تَملِكُ على المال أم أنّ المال هو الّذي يَملِكُكَ؟ إذًا، إنّ الموضوع الّذي يَطرَحُه الربُّ يسوع علينا في هذا النَّص هو موضوع العطاء: فالعطاء مهمُّ جدًّا في حياة المؤمن. في هذا الإطار، نسأل: هل الّذي يَخرج من جَيبِك هو شيءٌ ماديّ أم أنَّ ما يَخرج منه هو روحيّ؟ إخوتي، إنّ المال الّذي يَخرج من جَيبِك قد يَكُونُ وَسيلةً ماديّة فارغةً من معناها، حين تُقدِّمُها للآخَر مِن أجل التَّفاخر بما تَقومُ به والسَّعي لإظهارِ نَفسِكَ؛ ولكنَّ هذا المال قد يَكُونُ كالرُّوحِ القُدُس الّذي يُحيي الإنسانَ حِين تُقدِّمُه للآخَر بِكُلِّ مَحبّة. في هذا النَّصّ، يُخبِرُنا الإنجيليُّ مَرقس أنَّ هذه المرأة قد أعطَتْ كُلَّ ما تَمِلك، ولذا قامَ الربُّ بتَكرِيمِها وإعلاءِ شأنِها، في حين أنَّ الآخَرين كانوا من الأغنياء وقد قدَّموا للهَيكل ما يَفيضُ عَنهم. إذا صادَفْتَ في طَريقِكَ محتاجًا وقرّرت أن تُقدِّمَ له المال، لا تُعطيه المالَ الممزَّقَ الموجودَ في جَيبِك بل أعطِه المالَ ذا الحالةِ الجَيِّدةِ الموجودِ في جَيبِكَ؛ لأنّه في الحالة الأولى يَكُونُ عطاؤكَ ماديًّا أمَّا في الحالة الثّانية فيَكونُ عطاؤك قادرًا على إحياءِ رُوح هذا الفقير. إنّ تَقديمَ المؤمِنِ المالَ إلى الكَنِيسَة مِن أجلِ سَدِّ حاجَتِها، هو أمرٌ مرغوبٌ به جدًّا، ولكن حَذارِ أيّها المؤمن، أن تتكبّر على الآخَرين الّذين لا يَستَطيعونَ تَقديمَ كَمِيَّةِ المال نفسَها الّتي تُقدِّمها أنتَ، لأنّ عطاءَك ناتجٌ عمّا فَضُلَ عَنك أمَّا الآخَرون فقَد يكونون قدَّموا مِن عمق حاجَتِهم.

إخوتي، علينا الانتباه إلى طَريقةِ تَصرُّفاتِنا خُصوصًا في الكَنِيسَة، وإلَيكُم مِثالًا على ذلك: غالبًا ما يَتمُّ اختيارُ الأشخاصِ المقتَدِرين ماديًّا لِضَمِّهم إلى أعضاءِ لِجانِ الَوقف، ويَتمُّ التَّغاضي عن الأشخاص غير الميسورين ماديًّا، مُعتَقِدين أنَّ الإنسانَ الفَقير لا يَستطيعُ المساعدةَ في بِناءِ الكَنِيسَةِ والمساهمةِ في مشاريعها. إخوتي، إنّ الإنسانَ الفَقير قد يَكونُ قادرًا على المساهمةِ في عودة خاطئٍ إلى الله أكثرَ مِنَ الإنسان الميسور، لأنّ هذا الأخيرَ يَبحث أحيانًا عن أمجادٍ أرضيّة له!

إذًا، على الكنيسةِ إعادةُ النَّظرِ في طريقة تَطبيقِها هذه الآيةَ الـمُصحَّحةَ مِن قِبَلي، استنادًا إلى النَّصِّ اليونانيّ الأصليّ: “إنّكم تعطون ما لِقَيصر لِقَيصر وما للّه للّه”. آمين.

ملاحظة: دُوِّنت بأمانة مِن قِبَلنا 

Instagram
Copy link
URL has been copied successfully!
WhatsApp