تفسير الكتاب المقدّس
الأب ابراهيم سعد
إنجيل القدّيس مرقس الرّسول – الإصحاح الرّابع عشر
بَدءًا مِن هذا الإصحاح، يَقومُ الإنجيليُّ مَرقسُ بِسَردِ مَسيرةِ آلامِ الرّبِّ يسوع بِكُلِّ مَراحلِها وصولاً إلى الموتِ والقيامة. إذًا، إنَّ هذا النَّص هو نصٌ سرديٌّ، لذا لن نتوقَّفَ عِندَ شَرحِ آياتِه، إنّما سَنقومُ بِاستخلاصِ العِبَرِ المفيدةِ مِنهُ لِحَياتِنا اليَوميّة.
1 “وَكانَ الفِصحُ وَأيّامُ الفَطِيرِ بَعدَ يَومَينِ. وَكانَ رُؤَساءُ الكَهَنَةِ وَالكَتَبَةُ يَطلُبُونَ كَيفَ يُمسِكُونَهُ بِمَكْرٍ وَيَقتُلُونَهُ،
2 وَلكِنَّهُم قالُوا: “لَيْسَ في العِيدِ، لِئَلَّا يَكُونَ شَغَبٌ في الشَّعبِ”.”
لم يَتمكَّنْ رؤساءُ اليَهود مِن إيجادِ مَمسكٍ على الربِّ يسوع، لذا قرَّروا اعتقالَه مُستَنِدِين إلى شَهاداتِ زورٍ، لأنَّ همَّهم الوَحيد هو القضاءُ عليه أي قَتلُه. إنَّ سُلوكَ اليَهودِ لم يَتغيَّر مَع مُرورِ الزَّمَن، فَهُم دائمًا يَستَنِدون إلى الـمَكرِ والخَديعةِ لتَحقيقِ أهدافِهِم. في هذا النَّص، نُلاحِظُ أنَّ اليَهودَ كانوا يَتَحاشونَ اعتِقالَ الربِّ يسوع وقَتلَه في العَيد، كي لا يؤدِّي ذلك إلى أعمالِ شَغَبٍ بين الجُموع، خصوصًا عند تِلك الّتي كانت لا تَزالُ تَتبَعُه بِسَببِ انبِهارِها بالأعاجيبِ الّتي كان يَقومُ بها.
3 “وَفِيما هُوَ في بَيْتِ عَنْيا في بَيْتِ سِمعانَ الأَبرَصِ، وَهُوَ مُتَّكِئٌ، جاءتِ امرَأَةٌ مَعَها قارُورَةُ طِيبِ نارِدِينٍ خالِصٍ كَثيرِ الثَّمَنِ. فَكَسَرَتِ القارُورَةَ وَسَكَبَتهُ عَلى رَأسِهِ.”
في الإصحاحِ السَّابق، أخبَرَنا الإنجيليُّ مَرقس أنَّ يسوعَ كان مُتَّجهًا إلى أورشليم، وأنَّه كان لا بُدَّ له من أن يَمُرَّ بِمَدِينَتين، هما: بَيتَ فاجي وبَيتَ عَنيا. ولكنَّ الربَّ اختارَ الدُّخولَ إلى بَيتِ عَنيا وعدمَ الدُّخولِ إلى بَيتِ فاجي، على الرُّغمِ مِن أنَّ المسافةَ إلى بَيتِ عَنيا هي أطولُ من تِلك الّتي إلى بَيتِ فاجي. إنَّ عِبارةَ “فاجي” في العِبريَّة، تَعني الفَجّ أي الّذي لم يَنضجْ بَعد، ولهذا السَّبب لم يَدخُل الربُّ يسوع إلى بَيتِ فاجي، لأنَّ أهلَها لم يَكونوا بَعدُ مُستَعِدِّينَ لاستِقبالِهِ في وَسَطِهم. أمَّا عِبارةَ “عَنيا” في العِبريّة فهي “عِنّاو” وَجَمعُها “عناويم”، وهي تَعني الفُقَراء، وبالتَّالي “بَيتَ عَنيا” تَعني بَيتَ الفقراء، ولهذا السَّببِ اختارَ الربُّ الدُّخولَ إليها، وتحديدًا الدُّخولَ إلى بَيتِ سِمعانِ الأبرص. إنَّ الأبرصَ، بِحَسْبِ الشَّريعةِ اليَهوديّة، هو شَخصٌ مُصابٌ بِمَرضٍ مُعدٍ، وبالتَّالي عَليه الابتعادُ عن الجموعِ وعَدمُ مُخالَطَتِهم، أي العَيشُ في عُزلةٍ عن البَشر. ولكنَّ الربَّ يسوع، على الرُّغم مِن مَعرفَتِه بِوَضعِ هذا الإنسانِ المريضِ، اختارَ الدُّخولَ إلى بَيتِه ليَقولَ لنا إنَّ الخلاص سيُعطى لِجَميعِ البَشر مِن دونِ استِثناء أحدٍ. إنَّ الربَّ يسوع قد اختارَ الدُّخولَ إلى بَيتِ إنسانٍ لا يَهتمُّ به أحد. إخوَتي، إنَّ الفَقيرَ في الكِتابِ المقدَّسِ لا يُشيرُ فقط إلى الإنسانِ الّذي لا يَملِكُ مالاً، إنّما أيضًا إلى كلِّ إنسانٍ غَيرِ قادرٍ على ضَمانِ حَياتِه لليَوم التَّالي، بِسَببِ عَدمَ امتِلاكِهِ الطَّعام، وبالتَّالي الفَقيرُ هو كلُّ إنسانٍ يَتَّكِلُ على الله لضَمانِ حياتِه، لأنَّ اللهَ هو سنَدُه الوحيدُ في هذه الحياة. هُنا، يَتبادَرُ إلى أذهانِنا نَصُّ التَّطويبات في إنجيل متّى، الّذي فيه يَقولُ لنا الربُّ يسوع: “طوبى للفقراء بالرُّوح” (متى5: 3). إنَّ عِبارةَ “الفُقراء بالرُّوح” لا تَعني أبدًا الأشخاصَ الصَّالِحين البُسطاء، إنّما تَعني الأشخاصَ الّذين يَسلِكُونَ في رِضى الرُّوح، أي أُولَئِكَ الّذين لا يَتَذَمَّرونَ على الله ولا يَتَمرَّدون عليه، فيُهدِّدونَه بِالابتِعادِ عنه كُلَّما واجَهَتْهُم الصِّعابُ في حَياتِهِم. إنَّ دُخولَ الربِّ يسوع إلى بَيتِ الأبرصِ قَد تَحوَّلَ إلى ذَريعةٍ لِرُؤساءِ اليَهودِ لاعتِقالِه والحُكمِ عليه بالموت. إنّ الـمَرأةَ الّتي سَكبَتْ الطِّيبَ على رأسِ يَسوع، هي بِحَسْبِ إنجيلِ لوقا (لو 8: 2)، مَريمُ الـمِجدليّة الّتي كانَ الربُّ قد أخرجَ مِنها سَبعةَ شياطِين، وهي أيضًا بِحَسْبِ قَولِه قد سَكَبَتْ الطِّيبَ على رِجلَي الربِّ (لو 7: 38)، لا على رأسِه كما ورَدَ في هذا النَّص الإنجيليّ. إنّ سَكْبَ هذه المرأةِ الطِّيبَ على رأسِ يسوعَ يُشير إلى إعادة مَسحِه من جديد، وبالتَّالي الاعترافِ به مَسيحَ الله.
4 وَكانَ قَوْمٌ مُغتاظِينَ في أَنفُسِهِم، فَقالُوا: “لِماذا كانَ تَلَفُ الطِّيبِ هَذا؟
5 لأَنَّهُ كانَ يُمكِنُ أنْ يُباعَ هَذا بِأكثَرَ مِن ثَلاثِمِئَةِ دِينارٍ وَيُعطى لِلفُقَراءِ”. وَكانُوا يُؤَنِّبُونَها.
في هذا النَّص، لا يَكشِفُ لنا الإنجيليُّ مَرقس هويَّةَ الشَّخصِ أو الأشخاصِ الّذينَ عَبَّروا عن انزِعاجِهِم مِن صَرفِ المرأةِ هذا المبلغَ الضَّخمَ جدًّا، ألا وهو ثلائمئةُ دينارٍ، لِشراءِ قارورةِ طِيبٍ وسَكبِها على الربِّ يسوع. أمّا الإنجيليُّ يوحنّا، فَقَد أعلنَ لنا هُويَّةَ هذا الشَّخصِ الّذي انزَعَجَ مِن تَصرُّفِ هذه المرأةِ، وهو يَهوذا الإسخَريوطيّ الّذي كانَ أمينًا للصُّندوقِ في ذَلِكَ الحين، وقد كان معروفًا عنه أنّه سارقٌ ولِصّ. هُنا، لا بُدَّ لنا مِنَ الإشارةِ إلى أنَّ كُلَّ الأحداثِ المدوَّنَةِ في إنجيلِ مَرقسَ تُشكِّلُ الأخبارَ الأوليَّةَ لِما حَدَثَ في تلك الأيّام، إذ إنّه الإنجيلُ الأوّلُ الّذي دُوِّنَ بين الأناجيلِ الأربعة.
6 أَمَّا يَسُوعُ فَقالَ: “اتْرُكُوها! لِماذا تُزعِجُونَها؟ قَد عَمِلَتْ بي عَمَلًا حَسَنًا!
7 لأَنَّ الفُقَراءَ مَعَكُم في كُلِّ حِينٍ، وَمَتَى أَرَدتُم تَقدِرُونَ أن تَعمَلُوا بِهِم خَيرًا. وَأَمَّا أَنا فَلَسْتُ مَعَكُم في كُلِّ حِينٍ.
8 عَمِلَتْ ما عِندَها. قَدْ سَبَقَتْ وَدَهَنَتْ بِالطِّيبِ جَسَدي لِلتَّكفِينِ.
9 اَلحَقَّ أَقُولُ لَكُم: حَيثُما يُكرَزْ بِهذا الإنجِيلِ في كُلِّ العالَمِ، يُخبَرْ أَيضًا بِما فَعَلَتْهُ هذِهِ، تَذكارًا لَها.
كانَ الربُّ يسوع يَعلَمُ أنَّ ما قالَه هؤلاءِ اليَهودُ لا يُعبِّرُ عن مَحبَّتِهِم ورغبَتِهم في مساعدةِ الفقراء، إنّما هو مجرَّدُ حُجَّةٍ أرادوا مِن خِلالِها إخفاءَ كِذِبهم ونِفاقِهم؛ لذلك، أجابَهم بِالقَول إنَّ الفقراءَ باقونَ مَعَهم إلى الأبد، أمَّا هو فَسيُغادِرُهم عمَّا قَريب. إنَّ الطُّيوبَ الّتي وَضَعَتْها المرأةُ على رأسِ الربِّ، هي، بالنِّسبة إليه، تُشبِه الطُّيوبَ الّتي ستَحمِلُها النِّساءُ فَجرَ الأحدِ إلى قَبرِه بِهَدَفِ تَكفِينِه. وبالتَّالي، ما فَعَلَتهُ هذه المرأةُ في هذا النَّص، يُشكِّلُ “نبوءةً” عمَّا أرادَتْ النِّسوةُ فِعلَه عِندَ ذَهابِهِنَّ إلى قَبرِ الربِّ. في الآيةِ التَّاسِعَة من هذا النَّص، يُعبِّرُ الإنجيليُّ مَرقس عن مَوقِفِه مِنَ العَملِ الّـذي قامَت به هذه المرأة، وقد تَحوَّلَ ذلك الـمَوقِفُ إلى حقيقةٍ إذ ما زالَ المؤمِنُونَ إلى يَومِنا هذا يَذكُرونَ ما فَعَلَتْه هذه المرأة. إنَّ ما قامَتْ به هذه المرأةُ يُعبِّرُ عن قُبولِها بالربِّ يسوع وبِعَملِهِ الخلاصيّ، على عَكسِ الرُّسل، خصوصًا بُطرس ويَهوذا، الّذين لَم يَقبلوا بِعَملِ الربِّ يسوعَ الخلاصيّ، حين أخبَرَهم بما سيَحدث لَه، إذ إنّهم مِن شِدَّة خَوفهم هربوا عند صَلبِه.
10 “ثُمَّ إنَّ يَهُوذَا الإسْخَريُوطِيَّ، واحِدًا مِنَ الاثْنَي عَشَرَ، مَضَى إلى رُؤَساءِ الكَهَنَةِ لِيُسَلِّمَهُ إلَيْهِم.
11 وَلَمَّا سَمِعُوا فَرِحُوا، وَوَعَدُوهُ أنْ يُعطُوهُ فِضَّةً. وَكانَ يَطلُبُ كَيْفَ يُسَلِّمُهُ في فُرصَةٍ مُوافِقَةٍ.”
مِن خلال هذا الكلامِ، نُدرِكُ أنَّ المؤامرةَ قد تمَّ إنجازُها، إذ اتُّخذ القرارُ بِاعتقالِ يسوع، ولا يَنتظِرُ هذا القرار سِوى التَّنفيذ من خلال اختيارِ الوقتِ المناسِب لِذَلك. إنَّ موافقةَ يَهوذا الإسخريوطيّ على بَيعِ الربِّ يسوع إلى رؤساءِ اليَهود شكَّلَتْ مَصدَر فَرحٍ لهم لأنَّه سَمحَ لهم بِقَرارِه هذا تَحقيقَ هَدَفِهم وهو القضاءُ على الربِّ يسوع. إنَّ عَمليّةَ البَيعِ الّتي قام بها يَهوذا الإسخريوطيّ تَعكسُ لنا حقيقةَ مَوقفِه مِنَ الربِّ يسوع: فَهو مِن خلالِ هذا العَملِ، أعلن رَفضَه القُبولَ بالربِّ يسوعَ المسيح إلهًا ومخلِّصًا له، واختيارَه المالَ إلهًا بَديلاً عن الربِّ. إنَّ مَوقِفَ يَهوذا الإسخَريوطِيّ يُذكِّرُنا بِوَصيِّة الربِّ القائلة: “لا تَعبُدوا رَبَّين: اللهُ والمال”(متى6: 24). إنَّ ما فَعَلَه يَهوذا الإسخريوطيّ بِحقِّ الربِّ يسوع كانَ عن “سابقِ إصرارٍ وتصميم”، بِحَسْب تَعبيرِ القانونِ الجَزائيّ، إذ إنَّه اتَّفقَ مع رؤساءِ اليَهود على تَسليمِهم الربَّ يسوع ، وبدأ يُخطِّطُ لِتَحقيقِ ذلك مِن خلالِ اختياره الوَقتَ المناسِبَ لإنجازِ ذلك. عادةً، عندما يُدرِكُ الإنسانُ أنَّه ارتَكَب خطيئةً، يُسارِعُ إلى تَبريرِ ذاتِه أمام الله قائلاً له إنّه ارتكَبَ ذلك عن غير قَصدٍ، وأنَّ ذلك كانَ نَتيجةَ ضُعفِه البشريّ. إذًا، حين يَرتَكبُ الإنسانُ خَطيئةً، يَسعى لإيجادِ حَيثيّاتٍ لارتكابِه إيّاها وذلك للتَّخفيف مِن فداحةِ ما اقترفه ولإلغاءِ صِفَةِ الإصرارِ والتَّصميمِ على خَطيئتِه، آملاً بِذَلِكَ أن يَصفَحَ اللهُ عَنهُ حِينَ يُقدِّمُ له ذاتَه بِمظهرٍ يُثيرُ الشَّفقة. في هذا النَّص، يُخبِرُنا الإنجيليُّ مَرقسَ أنَّ يَهوذا كان يَبحثُ عن “فُرصةٍ مُوافقةٍ” لِتَسليمِ الربِّ يسوع إلى رؤساءِ اليَهود، وهذا يعني أنَّ يهوذا لَم يَتُب عَن خطيئتِه هذه، بل استَمرَّ في السَّعي لِتَحقيقِها، ما يَعكسُ إصرارَه وتَصميمَه على تَنفيذِها. إذًا، على كلِّ إنسانٍ أن يتَّخِذَ مَوقفًا مِن الربِّ يسوع: إمَّا أن يَرفُضَ الاعترافَ به إلهًا له، وبالتَّالي يُسلِّمَه للموتِ كما فَعَل يَهوذا، وإمّا أن يَقبل به إلهًا له فيَكونَ على مِثال تلك المرأة الّتي عَبَّرت عن قبولِها بالربِّ يسوع إلهًا لها عندما سَكَبَتْ الطِّيب على رأسِه.
12 “وَفي اليَومِ الأَوَّلِ مِنَ الفَطيرِ. حِينَ كانوا يَذبَحُونَ الفِصحَ، قالَ لَهُ تَلامِيذُهُ: “أَينَ تُريدُ أنْ نَمضِيَ وَنُعِدَّ لِتَأكُلَ الفِصحَ؟”.”
إنَّ ذَبحَ الفِصحِ هو عادةٌ طَقسِيَّةٌ يَهوديّة، وقد التَزمَ الربُّ بِها مَع تلاميذِه، وهذا يَدلُّ على أنَّ الربَّ يسوع لم يأتِ لِيَنقُضَ النَّاموسَ اليَهوديّ إنّما ليُعطيَه مِلءَ مَعناه، أي المعنى الّذي أرادَ الله إيصالَه للبَشَر مِن خلالِه.
13 فَأَرسَلَ اثْنَينِ مِن تَلامِيذِهِ وَقالَ لَهُما: “اذْهَبا إلى الـمَدِينَةِ، فَيُلاقِيَكُما إنسانٌ حامِلٌ جَرَّةَ مَاءٍ. اِتْبَعاهُ.
14 وَحَيثُما يَدخُلْ فَقُولا لِرَبِّ البَيْتِ: إنَّ الـمُعَلِّمَ يَقولُ: أَينَ الـمَنزِلُ حَيثُ آكُلُ الفِصْحَ مَعَ تَلاميذي؟
15 فَهُوَ يُريكُما عِلِّيَّةً كَبيرَةً مَفرُوشَةً مُعَدَّةً. هُناكَ أَعِدَّا لَنا”.
16 فَخَرَجَ تِلمِيذاهُ وَأَتَيا إلى الـمَدِينَةِ، وَوَجَدا كَما قالَ لَهُما. فَأَعَدَّا الفِصحَ.
إنَّ الربَّ يسوع أرسَلَ اثنَين مِن تَلاميذِهِ إلى المدينة، ليُعدَّا له العشاءَ الفِصحيّ فيها. إنَّ الرَّقم اثنَين يَدلُّ على صِدقِ الرِّسالة الّتي أرسَلَهُما الربُّ لإنجازِها. كانَ التَّلاميذُ يَعتَقِدونَ أنَّهم الوحيدون الّذينَ آمَنوا بالربِّ يسوع، ولكنَّ هذا الاعتقادَ قد تَبدَّدَ حين أرسلَ الربُّ اثنَين مِنهم إلى الـمَدينة ليُعدَّا له العشاءَ الفِصحيّ عند شَخصٍ لا يَعرِفانِه، ولكنَّ هذا الأخيرَ كان قد تعرَّفَ إلى الربِّ وعَبَّرَ له عن استعدادِه لاستقبالِه في بَيتِه، لذا اختارَ الربُّ يسوع تَناولَ العَشاءِ الفِصحيّ مَع تلاميذِه في هذا البيت. إذًا، عِندَ اللهِ طُرقٌ كثيرةٌ لا نَعرِفُها، يَستخدمُها لإيصالِ كَلِمَتِه إلى الآخَرين ولِزَرعِها في نَفوسِهم. قد نَعتَقدُ أنَّ اللهَ قد زرعَ كَلِمَتَه فينا فقط وأنَّ الآخَرين هُم بلا إيمانٍ وبلا دِينٍ، إذ إنَّهم بالنِّسبة إلينا لا يُؤمِنونَ بالله، ولكنَّنا سَنَتفاجأ عندما نُدرِكُ أنَّ اللهَ قد زَرعَ كَلِمَته في نُفوسِهم، وجَعلَ مِنهم شَعبًا مُقدَّسًا يَستريحُ اللهُ فيه.
17 “وَلَمَّا كانَ الـمَساءُ جَاءَ مَعَ الاثْنَي عَشَرَ.”
في المساءِ، جاء يسوعُ إلى البَيتِ حيثُ أُعِدَّ العشاء الفِصحيّ، وكانَ بِرِفقَةِ رُسُلِه الاثنَي عَشَر، وهذا يعني أنَّ يَهوذا الإسخريوطيّ الّذي قَبَضَ ثمنَ خِيانَتِهِ للربِّ يسوع كان ضِمنَ هؤلاء، وهو الآن يَنتَظرُ الفُرصَة المناسِبَة لِتسَليمِه إلى اليَهود. أُنظروا إلى هذا الإصرارِ والتَّصميمِ على الخُبثِ والخَديعةِ اللّذَين يَتَمتَّع بهما يَهوذا! إنَّ عبارةَ “إسخريوطيّ”، الّتي تُضافُ إلى اسمِ يَهوذا لا تُشير إلى المدينة الّتي مِنها يَنحَدِر كما أنَّها لا تُشير إلى اسمِ عائلَتِه، إنّما هي عِبارةٌ يونانيّةٌ “سِيخاريوس” تعني الخَنجر، وهذا يعني أنّ اسم “الإسخريوطيّ” يُشير إلى الشَّخص الّذي يَطعن بِالخَنجر. وبالتَّالي، فإنّ يَهوذا يَنتَمي إلى جماعةِ بارباس، الّذي كان يرغب في تَحريرِ اليَهوديّةِ مِنَ المحتَّلِ الرُّومانيّ، بِقُوّة السِّلاحِ والتَمرُّدِ والثَّورة. وَبِما أنَّ يسوعَ المسيح لا يلجأ إلى القوّة لِطَردِ المحتَلّ، فقد قرَّرَ يَهوذا الإسخريوطيّ الاستِغناءَ عنه، لأنّه لا يَخدمُ مَشروعَه التَّحريريَّ لمملكة داود مِن سُلطَةِ الرُّومان.
18 وَفِيما هُم مُتَّكِئُونَ يَأكُلُونَ، قالَ يَسُوعُ: “الْحَقَّ أَقولُ لَكُم: إنَّ واحِدًا مِنْكُمْ يُسَلِّمُني. اَلآكِلُ مَعي!”
19 فَابْتَدَأُوا يَحزَنُونَ، وَيَقولُونَ لَهُ واحِدًا فَواحِدًا: “هَل أنا؟” وَآخَرُ: “هَلْ أنا؟.
عِندَ سماعِهم هذا الخَبَر، بدأ الرُّسل يَطرحون السُّؤالَ على الربِّ يسوع قائِلِين له: “هل أنا؟”. إنَّ طَرحَ هذا السُّؤال مِن قِبَل الرُّسل يُؤكِّدُ لنا أنَّهم لم يَكُونوا قادِرِينَ على ضَمانِ عَدمِ خِيانَتِهم للربِّ يسوع. وهُنا نَسألُ: هَل مِنَ المعقولِ ألّا يَكُونَ الرَّسولُ، الّذي عاش مع الربِّ وتَبِعَه وسَمِعَ كلامَه، قادرًا على ضَمان ذاتِه بِعَدَم خِيانَتِه؟! وبالتّالي، من خلالِ هذا السُّؤال، نُدرِكُ أنَّ جَميعَ المؤمِنِين مُعرَّضون في أيّةِ لَحظةٍ مِن حَياتِهم إلى خِيانَةِ الربِّ.
20 فَأجابَ وَقالَ لَهُمْ: “هُوَ واحِدٌ مِنَ الاثْنَي عَشَرَ، الَّذي يَغمِسُ مَعي في الصَّحْفَةِ.
إنَّ عبارةَ “الّذي يَغمِسُ معي في الصَّحفة”، هي عبارةٌ يَستَخدِمُها الشَّرق أَوسَطيِّون للدَّلالة على أنّ الأشخاص الـمَعنيِّين بهذه العبارة قد أصبحوا في وِحدةِ حالٍ في ما بينهم بِسَببِ تَشارُكِهم الطَّعامَ الواحد.
21 “إنَّ ابنَ الإنسانِ ماضٍ كَما هُوَ مَكتُوبٌ عَنْهُ، وَلكِنْ وَيْلٌ لِذلِكَ الرَّجُلِ الَّذي بِهِ يُسَلَّمُ ابْنُ الإنسانِ. كانَ خَيْرًا لِذلِكَ الرَّجُلِ لَو لَمْ يُولَدْ!”: إنّ الشَّخص الّذي قَصَدَه الربُّ يسوع بِهَذهِ العِبارةِ هو يَهوذا الإسخَريوطيّ.
22 “وَفِيما هُم يَأكُلُونَ، أَخَذَ يَسُوعُ خُبزًا وَباركَ وَكَسَّرَ، وَأَعطاهُم وَقالَ: “خُذُوا كُلُوا، هَذا هُوَ جَسَدي”: إنَّ هذهِ الآيةَ الإنجيليّةَ تُشكِّلُ الجُملَةَ الأساس في قُدَّاسِنا الإلهيّ. في الثّقافةِ اليهوديّةِ العِبريّة، الجسدُ هو الحضور. وإليكُم مِثالاً توضيحيًّا لِما نَقول: عِندما تَدخُلُ إلى بَيتٍ مُعيَّنٍ، فإنَّك تَدخُل إليه بِجَسَدِك، لذا يَتَمكَّنُ الحاضِرونَ مِن رؤيَتِكَ والتَّعرُّفِ إلى هُويَّتِك، فيَقولون: لقد أتى فُلان. إذًا، عندما قال الربُّ لتلاميذه: “خُذُوا كُلُوا، هَذا هُوَ جَسَدي”، أراد أن يقولَ لهم: خُذُوا حضوري في ما بينكم. إنّ جسد الربِّ في هذه الآية هو الخُبزُ الـمُعطى للتَّلاميذ لِيَتَناولوه.
23 ثُمَّ أَخَذَ الكَأسَ وَشَكَرَ وَأَعطاهُم، فَشَرِبوا مِنها كُلُّهُم.
24 وَقالَ لَهُم: “هَذا هُوَ دَمِي الَّذي لِلعَهدِ الجَدِيدِ، الَّذي يُسفَكُ مِنْ أَجلِ كَثِيرِينَ.
25 اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إنّي لا أَشرَبُ بَعدُ مِنْ نِتاجِ الكَرمَةِ إلى ذَلِكَ اليَومِ حِينَما أَشرَبُهُ جَديدًا في مَلَكُوتِ اللهِ.
في حضارَتِنا الـمَشرِقِيّة، الدَّمُ يَرمزُ إلى الحياة، لذا عندما يَموتُ أحدُهُم قَتلاً نَقول: “قد صفّى دَمُه”. وبالتَّالي، حين طَلبَ الربُّ يسوع إلى تَلاميذِه أن يَشربوا دَمَه، طَلبَ إليهم أن يَقبَلوا حَياتَه فِيهِم. إذًا، بإعطائه لنا جَسَدَه ودَمَه، يُعطينا الربُّ يسوع حضورَه وحَياتَه لِتَبقى فينا على الدَّوام. كان يَهوذا الإسخَريوطيّ حاضرًا في هذا العَشاءِ الفِصحيّ مع الربِّ وتَناولَ، كما سائرِ التَّلاميذ، جسَدَ الربِّ ودَمَه، وهذا يدلُّ على أنَّ الخَوَنةَ للربِّ يَشتَركون مع سائر المؤمِنِين في القدَّاسِ الإلهيّ، وقد أكونُ أنا واحدًا مِنهم. لذلك، على كلِّ واحدٍ منّا أن يَطرَح السُّؤالَ على ذاته: ألعلِّي أنا الخائنُ للربِّ؟! إخوتي، لا أحدَ مِنّا يَستَطيعُ أن يَضَمنَ أمانَتَه المستمرَّةَ للربِّ يسوع! لذا، نحن مدعوُّون اليَومَ إلى المثابرةِ على أمانَتِنا للربِّ يسوع، فيَكونُ لنا نَصيبٌ معه في العرس الأبديّ الّذي يُحضِّرُه لنا الربُّ يسوع، منذُ صعودِه إلى السَّماء، ونَشرَبُ معه مِن خَمرَتِه الأبديّة ونَعيشُ في فَرَحٍ دائمٍ معه في الملكوتِ السَّماويّ.
26 ثُمَّ سَبَّحُوا وَخَرَجُوا إلى جَبَلِ الزَّيتُونِ.
27 وَقالَ لَهُم يَسُوعُ: “إنَّ كُلَّكُم تَشُكُّونَ فيَّ في هذِهِ اللَّيلَةِ، لأَنَّهُ مَكتُوبٌ: أنّي أَضرِبُ الرّاعيَ فَتَتَبَدَّدُ الخِرافُ”.
28 وَلكِنْ بَعدَ قِيَامي أَسبِقُكُم إلى الجَلِيلِ.
إنَّ التَّسبيحَ والخروجَ هما مِن أساسيّاتِ الطَّقسِ اليَهوديّ للعَشاءِ الفِصحيّ. مِن خلالِ هذا النَّص، يُخبِرُنا الإنجيليُّ مَرقس أنّ الربَّ يسوعَ قد عاش العَشاء الفِصحيّ وِفقًا للتَّقليدِ اليَهوديّ مِن دون إجراءِ أيِّ تَعديلٍ فيه. وفي هذا النَّص أيضًا، نُلاحِظُ أنَّ الربَّ يسوعَ استَعمل عبارة “كُلُّكم”، للإشارة إلى أنّ الشَّكَّ فيه لن يقتصرَ فقط على بطرسَ ويَهوذا، بل هو سَيَطالُ جميعَ الرُّسلِ دون أيِّ استثناء. وهُنا، تَجدُر بنا الإشارةُ إلى أنَّ الهروبَ هو أحدُ علاماتِ الشَّكِ الّذي عاشَه الرُّسل. وفي هذا الإطار، يَهمُّنا الإضاءة على أمرٍ وهو أنّ الخوفَ والإغراءَ هما مِن العواملِ الّتي تَدفعُ الإنسانَ إلى الابتعاد عن الله. إنّ الإنسان يَخافُ من عدَّةِ أمورٍ منها المستقبلُ لأنّه مجهولٌ بالنِّسبة إليه، وهو أحدُ أوجُهِ الموتِ الّذي يَخافُ منه الإنسانُ ويواجهُه في حياتِه اليوميّةِ بأشكالٍ متعدِّدة. أمَّا الإغراءُ فهو حصولُ الإنسانِ على مُقابلٍ جرَّاءَ قيامِه بأمرٍ لا يُرضي الله، كالرَّشوةِ مثلاً. إخوَتي، إنَّ الشَّيطانَ لا يُجبِرُ الإنسانَ على ارتكابِ الخَطيئة، إنّما يَسعى إلى تَقديمِها له على أنّها شَيءٌ مُغرٍ وجذَابٌ، فيَنجَذِبُ إليها الإنسانُ ويَختَبرُها. وإلَيكُم مِثالًا على ذلك: عِندَ مُرورِكُم في الأسواق، إنَّ أوّل ما يَلفُتُ انتباهَكُم هو واجهاتُ المتاجر، فهي الّتي تَجذُبكم إلى الدُّخول إلى هذا المتَجر أو ذاك، والتسَوُّقِ منه. وبالتَّالي، الخَطيئةُ هي كَواجِهَةِ المتجر، أي أنّها عبارةٌ عن شيءٍ جميلٍ قادرٍ على جَذبِ الإنسانِ إليه: إذا دَخلَ الإنسانُ إلى هذا المتَجرِ يَكونُ قد انجذَبَ إلى التَّجربة، وإذا اشتَرى منه يَكونُ قد وَقع في التَّجربةِ وارتَكبَ الخطيئة. إنَّ الربَّ يسوع يُخبِرُ تَلاميذَه أنَّه سيَعود إليهم بَعدَ قِيامَتِه مِن بينِ الأموات ليُشدِّدَهُم في كَلِمَتِه ويَحُثَّهم على متابعةِ المسيرة، ويَجعلَهم من جديدٍ تَلاميذَ له، على الرُّغم من شَكِّهم به.
29 فَقالَ لَهُ بُطرُسُ: “وَإنْ شَكَّ الجَميعُ فَأنا لا أَشُكُّ!
30 فَقالَ لَهُ يَسُوعُ: “الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إنَّكَ اليَومَ في هذِهِ اللَّيلَةِ، قَبلَ أنْ يَصِيحَ الدِّيكُ مَرَّتَينِ، تُنكِرُني ثَلاثَ مَرَّاتٍ.
31 فَقالَ بِأَكثَرِ تَشدِيدٍ: “وَلَو اضطُرِرتُ أنْ أَموتَ مَعَكَ لا أُنكِرُكَ!” وَهكَذا قالَ أَيضًا الجَميعُ.
مُنذُ وقتٍ قليل، لَم يكُن بطرسُ الرَّسول واثقًا مِن عَدمِ خيانَتِه للربِّ عندما أخبرَهم أنَّ واحدًا منهم سيَخونُه، بِدَليلِ أنّه سألَه إن كان سَيَكُونُ هو الّذي يَفعلُ ذلك. وها هو الآنَ بُطرسُ يُعلِن للربِّ أنّه سيَبقى مَعَه مهما حَدث. غريبٌ هو الإنسان، إذ إنّه يُعطي اللهَ وعودًا لا يَستطيعُ الثَّباتَ عليها حينَ يَتعرَّضُ للشِّدة! فالرُّسلُ أنفسُهم قد هربوا وتَركوا الربَّ وَحيدًا حين تمَّ اعتقالُه والحُكمُ عليه بالصّلب، لأنَّهم خافوا. ونحن أيضًا لَسنا أفضَل حالًا منهم، إذ إننّا، في العديد من المرَّات، نَعِدُ الربَّ بأمورٍ لا نَستطيعُ الثَّباتَ عليها في وقتِ الصُّعوبات، لا بل أكثرَ من ذلك نَنساهُ ونَتركُهُ وَحدَه؛ وإذا تذكَّرناه في هذه الأوقاتِ الصَّعبة، نتوجَّهُ إليه بصلاة الأبانا، طالِبين إليه عَدمَ التَّدخُّلِ في شؤونِنا الأرضيّةِ والبَقاءَ في سمائه، لأنّنا نخافُ خِسارةَ مَصالحِنا الأرضيّةَ الّتي قد لا تُرضي الله. إنَّ عِبارةَ “في هذه اللَّيلة” تُشيرُ إلى اللَّيلة الأخيرة الّتي قَضاها الربُّ مع تلاميذِه قَبلَ أن يَتمَّ اعتقالُه، وبالتَّالي انطلاقُه في مَسيرةِ آلامِه الخلاصيّة. إخوتي، إنَّ كلمة “ربَّما” الّتي يَستَخدِمُها المسيحيُّون في الكثيرِ من الأحيان، تُشكِّلُ التَّجربةَ الكُبرى للمُؤمِنِين، إذ تَدفعُهم إلى وَضع فَرَضِيّاتٍ قد تَحصلُ وقد لا تَحصل، بَدلَ أن يَهتمُّوا بمواجهةِ الواقعِ الّذي يُقدِّمُ لهم العديدَ من التَّحدّيات، الّتي تَدفعُهم إلى اتِّخاذِ مَوقفٍ واضِحٍ وصَريحٍ مِنَ الربِّ. في هذا النَّص، طَلَبَ الربُّ يسوع مِن بطرسَ التَّوقفَ عن إعطائِه وعودًا لا يَستطيعُ الإلتزامَ بِها، وانتظارَ ما سيَحدُث.
32 “وَجاءُوا إلى ضَيْعَةٍ اسْمُها جَثْسَيْماني، فَقالَ لِتَلامِيذِهِ: “اجْلِسُوا ههُنا حَتَّى أُصَلِّيَ”.
إنَّ اسمَ هذه المدينةِ مُؤلَّفٌ مِن كَلِمَتَين عِبريَّتين: الأُولى هي “جِيت” وتعني البُستان أو المعصرة؛ والثّانية هي “سِماني” وتعني السَّمن أو الخيرات. وفي هذا الإطار، نَتذكَّرُ ما وَرَدَ في سِفر إشعيا (5: 1-6)، الذّي فيه يُخبِرُنا النَّبيُّ أنّ اللهَ قد سيَّج كَرَمًا ووضَعَ فيه مِعصرةً، وانتظرَ أن يُعطيَه عِنبًا صالحًا، فأعطاه عِنبًا رديئًا. في هذا النَّص، يُذكِّرنا القدِّيس مَرقس بهذا النَّص من سِفر إشعيا، ويقول لنا إنَّ هذا الكَرمَ الّذي لَم يُعطِ اللهَ سابقًا عِنبًا صالحًا، دَخل إليه الربُّ يسوع بِجسَدِه ودَمِه وجَعلَه مِن جديدٍ بُستانًا مَليئًا بِالعِنَبِ الصّالح، وبالتَّالي أصبَحَ هذا البُستانُ مجدَّدًا “جِتسماني” أي كَرمًا مَليئًا بِالخَيرات. فالربُّ يسوع دَخل إلى هذا البُستانِ للصَّلاة قَبْل آلامِه الخلاصيّة، وقد اصطَحب مَعه ثَلاثَةً مِن تَلامِيذِه الّذين يُشكِّلونَ أعمِدَة الكَنيسة، وهُم بُطرسُ ويَعقوب ويوحنّا.
33 ثُمَّ أَخَذَ مَعَهُ بُطرُسَ وَيَعقُوبَ وَيُوحَنّا، وَابتَدَأَ يَدهَشُ وَيَكتَئِبُ.
34 فَقالَ لَهُم: “نَفْسي حَزِينَةٌ جِدًّا حَتَّى الـمَوتِ! اُمكُثُوا هُنَا وَاسهَرُوا.
35 ثُمَّ تَقَدَّمَ قَلِيلًا وَخَرَّ على الأَرضِ، وَكانَ يُصَلّي لِكَيْ تَعبُرَ عَنْهُ السَّاعَةُ إنْ أَمكَنَ.
36 وَقالَ: “يا أَبا الآبُ، كُلُّ شَيءٍ مُستَطاعٌ لَكَ، فَأَجِزْ عَنّي هذِهِ الكَأسَ. وَلكِنْ لِيَكُنْ لا ما أُريدُ أَنا، بَلْ ما تُريدُ أَنتَ.
في هذا النَّص، نرى الربَّ يسوع في حالةٍ لَم نَعتَدْ رؤيتَه فيها وهي حالةُ الاكتئاب. إنَّ صلاةَ الربِّ يسوع في بستانِ الزَّيتون تُشكِّلُ صلاةَ الأبانا الخاصَّةِ به، إذ فيها تَوجَّهَ إلى الله الآب مُناديًا إيّاه “أبّا”، وهي عبارةٌ لا يَستَعمِلُها إلّا الابن لـمُناداةِ أبيه الحقيقيّ. وهُنا، تَهُمّنا الإشارةُ إلى أنّ الإنجيليّ مرقس هو الوحيدُ بين الإنجيليِّين الأربعة الّذي استخَدم هذه العِبارة “أبّا”، وقد تَرَكَها في لُغتِها العِبريّة من دون أن يُتَرجِمَها. إنَّ الربَّ يسوع هو الوحيدُ الّذي يَستَطيعُ استخدامَ هذه العِبارةِ لأنَّ اللهَ الآبَ هو أبوه الحقيقيّ، أمَّا نَحن فإنّنا إخوةٌ في الإنسانيّة، وقد أصبحنا إخوةً للربِّ يسوع، وبالتَّالي أبناءَ لله الآب بالتَّبنيّ، بِواسطةِ يسوع المسيح، وقد أعطانا اللهُ الآبُ الميراثَ نَفسَه الّذي أعطاهُ للربِّ يسوع. في هذا الإطارِ، أودُّ أن أُخبِرَكُم عن ابنِي البِكر الّذي كان يَشعر بالحُزن في أثناء الزِّياحاتِ الكَنسيّة، إذ لَم يَكن بإمكاني مرافقتُه فيها، كما يَفعلُ سائرُ الآباءِ مع أولادهم، كَوني كاهنَ الرَّعيّة، وهذا يَفرضُ عليَّ السَّيرَ أمام الجموعِ في مِثل تِلك الاحتفالات. عندما أخبَرني ابني بأنّه لا يَشعرُ بِالعِيد بِسَبب بُعدي عنه في تلك الاحتفالاتِ، ولأنّ الجميعَ يُنادُونني “أبونا” كما يَفعل هو، أجَبتُه حينئذٍ قائلاً إنّ الجميع يَستَطيعون مُناداتي “أبونا”، ولكن لا أحدَ مِنهُم يَستطيعُ مُناداتي “بابا” إلّا هو. في هذا النَّص، نُلاحِظُ أنَّ الربَّ يسوع قد طَلَب إلى أبيه أن يُبعِدَ عنه هذه الكأس. إنّ الـمَوتَ هو أُجرةُ الخَطيئة. لذلك، صلّى الربُّ يسوع إلى أبيه، ليُبعِدَ عنه كأسَ الموت: لا خَوفًا من الموت، كما قد يعتقِدُ بَعضُ المؤمِنين، إذ كان بإمكانِ الربِّ طَلبَ فِرقةٍ من الملائكةِ لِحِمايَتِه من الموت؛ إنّما لِتَحاشي الوقوفِ أمامَ أبيه وِقفةَ الخاطئ، هو البارُّ والطائعُ لأبيه إلى أقصى الحدود، أي الطَّاعةِ حتّى الموتِ على الصَّليب.
37 ثُمَّ جاءَ وَوَجَدَهُم نِيامًا، فَقالَ لِبُطرُسَ: “يَا سِمعانُ، أَنتَ نائِمٌ! أَمَا قَدَرْتَ أنْ تَسهَرَ ساعَةً واحِدَةً؟
في هذا النَّصّ، نلاحظ أنّ الربَّ يسوع قد نادى بُطرس باسمِ سِمعان، وهو الاسمُ الّذي كان لبُطرس قَبْل أن يُوكِلَ إليه الربُّ مَهمَّةَ رعايةِ الكَنيسة. إنّ هذا يدلُّ على أنّ الربَّ يسوع قد سَحَب هذا التَّكليفَ مِن بُطرُسَ الّذي سَوف يَشُكُّ به ويُنكِره؛ ولكنَّه سيُعيدُ إلى بُطرسَ هذا التَّكليفَ الرَّسوليَّ في ما بَعد.
38 اِسهَرُوا وَصَلُّوا لِئَلّا تَدخُلُوا في تَجرِبَةٍ. أَمَّا الرُّوحُ فَنَشيطٌ، وَأَمَّا الجَسَدُ فَضَعِيفٌ.
39 وَمَضَى أَيضًا وَصَلَّى قائلًا ذلِكَ الكَلامَ بِعَينِهِ.
40 ثُمَّ رَجَعَ وَوَجَدَهُم أَيضًا نِيامًا، إذْ كانَتْ أَعيُنُهُم ثَقيلَةً، فَلَم يَعلَمُوا بِماذا يُجِيبُونَهُ.
إنَّ عِبارةَ “اسهَروا وصَلُّوا” تُشكِّل تَتِمّةً لِصلاةِ الأبانا الّتي كان الربُّ يسوع قد بَدأها مُنذ قليلٍ. إخوتي، إنَّ عِبارةَ “الرُّوحُ نَشيطٌ أمّا الجَسَدُ فَضَعيف” تَهدفُ إلى حَثِّنا على المثابرةِ على السَّهر الرُّوحيّ أي على اليَقظة الرُّوحيّة؛ فاليَقظَةُ الرُّوحيّة تَمنحُ الإنسانَ نِعمةَ التَّمييزِ الرُّوحيّ. في هذا النَّص، نُلاحِظُ أنَّ الإنجيليَّ مَرقس يُبرِّرُ للرُّسل نَومَهم، إذ يقول لنا: “كَانَتْ أَعيُنُهُم ثَقِيلَةً”.
41 ثُمَّ جاءَ ثالِثَةً وَقالَ لَهُم: “نامُوا الآنَ وَاسْتَريحوا! يَكفي! قَد أَتَتِ السَّاعَةُ! هُوَذا ابْنُ الإنسانِ يُسَلَّمُ إلى أَيدِي الخُطاةِ.
إنّ عِبارةَ “ناموا الآن واستَريحوا! يَكفي!”، لا تَعكس تَرجمةً صحيحةً للعِبارةِ الأصلِيَّة الموجودةِ في النَّص اليونانيّ. إنّ هذه العبارة في هذا النَّص تَدفعُنا إلى الاعتقاد بأنّ الربَّ يسوع قدَ طَلَب إلى تلاميذه أن يَناموا ويَستَريحوا، ما يَدفعُنا إلى طَرَحِ السُّؤال حَول جَدوى عبارة “يَكفي!”. في الحقيقة، إنّ التَّرجمةَ الصَّحيحَةَ للعِبارةِ الأصلِيَّةِ اليونانيّة هي:”أتنامون وتَستريحون؟ كَفى!”؛ وبالتَّالي، هذه العبارة في اليونانيّة هي في صيغة الاستفهام الإنكاري أي على شَكل سؤالٍ. إذًا، أراد الربُّ من خلال هذه العِبارة أن يَقولَ لِتلميذِه كَفاهم نَومًا فها ساعةُ مَوتِه قد جاءت، وبالتَّالي هو لَم يَطلبْ مِنهم الاستمرارَ في نَومِهم. هُنا، نُلاحِظُ اختِلافًا في العِباراتِ بين الإنجيليّ مرقس والإنجيليّ يوحنَّا حول ساعة موت الربِّ يسوع، فالإنجيليّ يوحنَّا يُسمِّيها السّاعة الّتي فيها يتمجَّدُ فيها ابن الإنسان، أمّا الإنجيليّ مَرقس فيَكتفي بالقَول إنّ ساعَتَه قد أتت. إنّ عبارة “الخطأة” الّتي استَخدمَها هُنا الإنجيليّ مَرقس تُؤكِّد لنا أنّ الربَّ يسوع يريد أن يَمنح خلاصَه لِجميع البشر الخطأة، وخصوصًا أولئك الّذين قَتَلوه، إذ قَبِل هؤلاء بالخلاص.
42 قُومُوا لِنَذهَبَ! هُوَذا الَّذي يُسَلِّمُني قَدِ اقتَرَبَ!”: إنّ المقصود هُنا بِعِبارةِ “الّذي يُسلِمني” هو يَهوذا الإسخَريوطيّ.
43 “وَلِلوَقتِ فِيما هُوَ يَتَكَلَّمُ أَقبَلَ يَهُوذَا، واحِدٌ مِنَ الاثْنَي عَشَرَ، وَمَعَهُ جَمعٌ كَثِيرٌ بِسُيُوفٍ وَعِصِيٍّ مِن عِندِ رُؤَساءِ الكَهَنَةِ وَالكَتَبَةِ وَالشُّيُوخِ”: هذا هو الوَقتُ المناسِبُ الّذي كان يَهوذا يَنتَظرهُ لِتَسليمِ الربِّ إلى رؤساءِ اليَهود، أي لِتَنفيذِ المؤامرة الّتي حِيكَت ضِدَّ يسوع.
44 “وَكانَ مُسَلِّمُهُ قَد أَعطاهُم عَلامَةً قائلًا: “الَّذي أُقَبِّلُهُ هُوَ هُوَ. أَمسِكُوهُ، وَامْضُوا بِهِ بِحِرصٍ”: إنَّ القُبلَة ترمزُ إلى العلاقة مع الآخَر والإخلاصِ له والوفاء والأمانةِ والوِحدة. هُنا، نَفهمُ أهميّةَ العِبارةِ الّتي نَسَمعُها في القُدَّاس الإلهيّ، حين يَقول لنا الكاهن: “قَبِّلوا بَعضَكم قُبلةً مُقدَّسة”. إذًا، إنّ يَهوذا الإسخَريوطيّ قد حوَّلَ القُبلَةَ الّتي تَعكسُ الإخلاصَ والوفاءَ والأمانة إلى علامةٍ لخيانته للربِّ يسوع والغَدرِ به. للأسف، إنّ عَبقريّةَ الإنسانِ في بَعضِ الأحيانِ تَتَفوَّقُ على عَبقريّةِ الشَّيطان!
45 فَجاءَ لِلوَقتِ وَتَقَدَّمَ إلَيْهِ قائلًا: “يا سَيِّدي، يا سَيِّدي!” وَقَبَّلَهُ.
46 فَأَلقَوا أَيدِيَهُم عَلَيهِ وَأَمسَكُوهُ.
47 فَاسْتَلَّ واحِدٌ مِنَ الحاضِرِينَ السَّيفَ، وَضَرَبَ عَبدَ رَئيسِ الكَهَنَةِ فَقَطَعَ أُذْنَهُ.
48 فَأجابَ يَسُوعُ وَقالَ لَهُم: “كأَنَّهُ على لِصٍّ خَرَجتُم بِسُيُوفٍ وَعِصِيٍّ لِتَأخُذوني!
49 كُلَّ يَومٍ كُنتُ مَعَكُم في الهَيكَلِ أُعَلِّمُ وَلَم تُمسِكُوني! وَلكِنْ لِكَي تُكمَلَ الكُتُبُ.
50 فَتَرَكَهُ الجَميعُ وَهَرَبُوا.
في هذا النَّص، نُلاحظُ أنَّ الإنجيليَّ مَرقس لا يَذكُرُ لنا خَبرَ إعادةِ الربِّ الأُذنَ المقطوعةَ إلى مكانِها في جِسم عبدِ رئيس الكَهنة، في حينِ أنَّ هذا الأمر قد وَرَد في إنجيلٍ آخَر. إنّ الأُذنَ مهمَّةٌ جدًّا في جِسم الإنسان لأنَّها تُساعدُهُ على سَماعِ كَلمةِ الله، وبالتَّالي إذا بَقيَتْ هذه الأذنُ مَقطوعةً، فهذا يَعني أنَّ هذا الرَّجُلَ لن يتمكَّنَ مِن سماعِ كَلمةِ الله، وبالتَّالي لن يَتمكَّنَ مِن التَّوبةِ والعَودةِ إلى الربِّ مُجدَّدًا. إخوتي، إنّ الربَّ يسوع لا يَفقدُ الأملَ من أيِّ إنسانٍ، حتّى مِن أولئك الّذين قاموا بِقَتلِه. إنَّ الربَّ يسوع جاء ليُخلِّص جميعَ البَشر، وبالتَّالي هو يَمنحُ الخلاصَ لِكلِّ مَن يَقبلُ به، فاللهُ لا يُجبر أحدًا على شيء. في هذا النَّص، نُلاحِظُ أنَّ كَلِمَةَ الربِّ قد تحقَّقَتْ إذ يُخبِرُنا الإنجيليُّ مَرقس أنَّ جَميعَ الرُّسلِ قد خافوا وَهربوا عِندَما تَمَّ تَسليمُ الربِّ يسوع إلى رؤساءِ اليَهود.
51 وَتَبِعَهُ شابٌّ لابِسًا إزارًا على عُرْيِهِ، فَأَمسَكَهُ الشُّبَّانُ،
52 فَتَرَكَ الإزارَ وَهَرَبَ مِنهُمْ عُريانًا.
إنَّ هذا الشَّابَّ يُذكِّرُنا بالمعموديّة في الكَنيسةِ الأُولى: ففي هذه الكنيسةِ ، كان المؤمِنون الجُددُ يَخلَعون ثِيابَهم القديمة عند دُخولِهم إلى جرن الـمَعموديّة، ثمّ يرتَدون ثِيابًا بيضاءَ جديدة عند خُروجِهم منه. في هذا النَّص، يُخبِرُنا الإنجيليُّ مَرقس أنَّ جميعَ الرُّسلَ قدَ هرَبوا عندما تَمَّ إلقاءُ القَبضِ على الربِّ يسوع، ولم يَبْقَ أحدٌ يَتبَعُه إلّا هذا الشَّابُّ الّذي هَربَ عاريًا عِندما تمَّ إلقاءُ القَبضِ عليه من قِبَل اليَهود. إنّ هذه الحادثةَ تُذكِّرُنا بِذَلكَ الشَّابِّ الّذي أعلَنَ للنِّسوةِ خَبرَ القِيامة (مر 16: 5)، عندما أتيَن فَجرَ الأحدِ لِتَحنيطِ جَسَدِ يسوع، وكان هذا الشَّابُّ أيضًا يَرتدي لِباسًا أبيض. إذًا، قَبْلَ المعموديّةِ، يَكُون المؤمِنُ عاريًا كهذا الشَّابِّ الّذي أَخبَرَنا عنه الإنجيليُّ مَرقس في هذا النَّص، ولَكِن بعَدَ المعموديّةِ يَرتدي المعمَّدُ لباسًا أبيضَ جديدًا، تَعبيرًا عن شهادتِه لقيامة الربِّ يسوع مِن بَينِ الأموات. في هذا النَّص، يُخبِرُنا الإنجيليّ مَرقس أنَّ جميعَ الرُّسلِ قَد هربوا عِندَ اعتقالِ يسوع، غَير أنَّ يوحَّنا الإنجيليَّ يُخبِرُنا أنَّ الرُّسلَ هربوا عند اعتقالِ الربِّ ما عدا واحدًا، وقد بَقي مَعه حتّى أقدامِ الصّليب وهو ذاك التِّلميذُ الّذي كان الربُّ يُحبُّه. غَريبةٌ هي قِصَّةُ هذا الشَّابِ: فَوُجودُه في هذا النَّصِّ لا يَدخُلُ ضِمن التَّسلسلِ المنطقيِّ لِتركيبةِ هذا النَّص. إنّ أحداثَ هذا النَّصِّ تَتمحورُ حَولَ الربِّ يسوعَ ورُسُلِه وخِيانةِ يَهوذا ورؤساءِ اليَهود والجُنودِ الّذين كانوا مَعهم. وهُنا، نسألُ: ما علاقةُ هذا الشَّابِّ الّذي كان يَتبعُ الربَّ بِكُلِّ هذه الأحداث، وما هو دَورُه في هذا النَّص؟!
53 فَمَضَوا بِيَسُوعَ إلى رَئِيسِ الكَهَنَةِ، فَاجتَمَعَ مَعَهُ جَميعُ رُؤَساءِ الكَهَنَةِ وَالشُّيُوخُ وَالكَتَبَةُ.
54 وَكانَ بُطرُسُ قَد تَبِعَهُ مِنْ بَعِيدٍ إلى داخِلِ دارِ رَئِيسِ الكَهَنَةِ، وَكانَ جالِسًا بَينَ الخُدَّامِ يَستَدفِئُ عِندَ النَّارِ.
55 وَكانَ رُؤَساءُ الكَهَنَةِ وَالـمَجمَعُ كُلُّهُ يَطلُبُونَ شَهادَةً على يَسُوعَ لِيَقتُلُوهُ، فَلَمْ يَجِدُوا.
56 لأَنَّ كَثِيرِينَ شَهِدُوا عَلَيهِ زُورًا، وَلَم تَتَّفِقْ شَهاداتُهُم.
57 ثُمَّ قامَ قَومٌ وَشَهِدُوا عَلَيهِ زُورًا قَائِلِينَ:
58 نَحنُ سَمِعناهُ يَقُولُ: إنِّي أَنقُضُ هَذا الهَيكَلَ الـمَصنُوعَ بِالأيدِي، وَفي ثَلاثَةِ أَيّامٍ أَبنِي آخَرَ غَيرَ مَصنُوعٍ بِأَيدٍ.
59 وَلا بِهَذا كانَتْ شَهادَتُهُم تَتَّفِقُ.
60 فَقامَ رَئِيسُ الكَهَنَةِ في الوَسطِ وَسَألَ يَسُوعَ قائلًا: “أَمَا تُجِيبُ بِشَيءٍ؟ ماذا يَشهَدُ بِهِ هَؤُلاءِ عَلَيْكَ؟”
61 أَمَّا هُوَ فَكانَ ساكِتًا وَلَمْ يُجِبْ بِشَيءٍ. فَسَألَهُ رَئِيسُ الكَهَنَةِ أَيضًا وَقالَ لَهُ: “أَأَنتَ الـمَسِيحُ ابْنُ الـمُبَارَكِ؟.
أمام هذا النَّصِّ، نَتذكَّرُ ما قاله النَّبيُّ إشعيا في نَشيدِ عبدِ يَهوه، إذ أخبَرَنا أنَّ مَسيحَ الربِّ هو الحَملُ البَريءُ الّذي سيُساقُ كَشَاةٍ إلى الذَّبحِ دُونَ أن يَفتَحَ فاهُ، وهو كان يَقصِدُ بِذَلكَ الكلامِ الربَّ يسوعَ المسيح. إنَّ الهَيكل الّذي كان الربُّ يَتكلَّمُ عليه هو هَيكلُ جَسَدِه، فهو الهَيكلُ الحقيقيُّ الّذي سيُبنى في ثلاثةِ أيّامٍ. إنَّ الربَّ بَقِيَ صامتًا لأنّه لا يُناقِشُ الشَّر، بل هو يَرفضُه، ويَقهرُه من خلالِ صَمتِه. إنَّ سؤالَ رئيسِ الكَهنة، ليسَ سُؤالاً مِن أجلِ النِّقاش، إنّما من أجلِ إعلانِ مَوقِفٍ واضِحٍ، وهذا ما سَيَفعلُه الربُّ يسوع، إذ سيُعلِنُ عن ذاتِه.
62 فَقالَ يَسُوعُ: “أَنا هُوَ. وَسَوفَ تُبصِرُونَ ابْنَ الإنسانِ جالِسًا عَن يَمِينِ القُوَّةِ، وَآتِيًا في سَحابِ السَّماءِ”.
63 فَمَزَّقَ رَئِيسُ الكَهَنَةِ ثِيابَهُ وَقالَ: “ما حاجَتُنا بَعدُ إلى شُهُودٍ؟
64 قَد سَمِعتُمُ التَّجادِيفَ! ما رَأيُكُمْ؟” فَالجَمِيعُ حَكَمُوا عَلَيهِ أَنَّهُ مُستَوجِبُ المَوْتِ.
65 فَابتَدَأَ قَومٌ يَبصُقُونَ عَلَيهِ، وَيُغَطُّونَ وَجهَهُ وَيَلكُمُونَهُ وَيَقولُونَ لَهُ: “تَنَبَّأ”. وَكانَ الخُدَّامُ يَلطِمُونَهُ.
إنَّ الربَّ يسوع قد عرَّفَ عن ذاتِه أمامَ رؤساءِ اليَهودِ حينَ قال لهم:”أنا هو”؛ وهذه العبارةُ هي نَفسُها الّتي عرَّفَ بها اللهُ نَفسَه لموسى. في هذا النَّصِّ، نُلاحظُ أنّ الربَّ يسوعَ بادَرَ إلى مُحاكَمَةِ اليَهودِ قَبْلَ أن يَقوموا هُم بِمُحاكَمَتِه، إذ قال لَهُم: “وَسَوفَ تُبصِرُونَ ابْنَ الإنسانِ جالِسًا عَن يَمِينِ القُوَّةِ، وَآتِيًا في سَحابِ السَّماءِ”، وبهذا الكلامِ أعلنَ لَهم أنّ دَينونَتهم آتية. إخوتي، مِن غَيرِ الجائز القَولُ إنَّ رؤساءَ اليَهودِ قد قَتلوا الربَّ لَعدمِ معرفَتِهم لَحقيقتِه، فَهُم قد قَتلُوه عن قصْدٍ لأنّهم أدركوا حَقيقَتَه. إنّ رؤساءَ اليَهودِ قد أصدَروا الحُكمَ بِحقٍّ يسوع، ولكنَّهم كانوا يَحتاجونَ إلى السُّلطةِ لتَنفيذِ هذا القرار، إذ إنّ السُلطةَ كانتْ في يَدِ الرُّومانِ لا في أيَدِيهم. إنَّ العارَ الّذي ذاقَه الربُّ على يَدِ رؤساءِ اليَهودِ لا يَقبلُه عَقلٌ، إذ لا يستطيعُ هذا العَقلُ البشريُّ أن يتحمَّلَ رؤيةَ الربِّ البريءِ من كلِّ عيبٍ يُقتَل!
66 وَبَينَما كانَ بُطرُسُ في الدَّارِ أَسفَلَ جاءَتْ إحدَى جَوَاري رَئِيسِ الكَهَنَةِ.
67 فَلَمَّا رَأَتْ بُطرُسَ يَستَدفِئُ، نَظَرَتْ إلَيْهِ وَقالَتْ: “وَأَنتَ كُنتَ مَعَ يَسُوعَ النَّاصِرِيّ!
68 فَأَنكَرَ قائِلًا: “لَستُ أَدرِي وَلا أَفهَمُ ما تَقُولِينَ!” وَخَرَجَ خارِجًا إلى الدِّهْلِيزِ، فَصَاحَ الدِّيكُ.
69 فَرَأتْهُ الجارِيَةُ أَيضًا وَابْتَدَأَتْ تَقُولُ لِلحاضِرِينَ: “إنَّ هَذا مِنهُمْ!
70 فَأَنكَرَ أَيضًا. وَبَعدَ قَلِيل أَيضًا قالَ الحاضِرُونَ لِبُطرُسَ: “حَقًّا أَنتَ مِنهُمْ، لأَنَّكَ جَلِيليٌّ أَيضًا وَلُغَتُكَ تُشبِهُ لُغَتَهُمْ!”
71 فَابتَدَأَ يَلعَنُ وَيَحلِفُ: “إنّي لا أَعرِفُ هَذا الرَّجُلَ الَّذي تَقُولُونَ عَنهُ!
72 وَصَاحَ الدِّيكُ ثانِيَةً، فَتَذَكَّرَ بُطرُسُ القَولَ الَّذي قالَهُ لَهُ يَسُوعُ: “إنَّكَ قَبْلَ أنْ يَصِيحَ الدِّيكُ مَرَّتَيْنِ، تُنكِرُنِي ثَلاثَ مَرَّاتٍ”. فَلَمَّا تَفَكَّرَ بِهِ بَكى.
إنّ بُطرسَ الرَّسولَ قد خاف، لذا أنكَرَ مَعرفَتَه بالربِّ يسوع، ولكن بما أنّ الخَطيئةَ تَجرُّ الخطيئة، بدأ بطرسُ يَلعَنُ ويَحلِف. إخوتي، إنّ الخطيئةَ تَجرُّ الخطيئة، كما الفضيلةُ تَجرُّ الفضيلة. إنَّ عِبارةَ “إنِّي لا أعرفُ هذا الرَّجل الّذي تَقولون عَنه” تُجسِّدُ خَطيئةَ آدمَ الّذي أنكَرَ مَعرفَتَه بِما قامت به امرأتُه حوَّاء، حين سألَه اللهُ عن سببِ مخالفَتِه وَصِيَّتَه، لا بل قَطعَ علاقَتَه بكلِّ معرفةٍ بامرأتِه الّتي أعطاهُ إيّاها االله ليَكُونَ وإيّاها جسَدًا واحدًا. عندَ صِياحِ الدِّيك، أدركَ بُطرسُ فداحةَ خطيئتِه، فبكى. إخوتي، إنّ النَّدمَ بَعدَ ارتكابِ الخطيئةِ لا يُجدي نَفعًا، إنّما التَّوبةُ هي الّتي تُجدي نَفعًا. لذا، وَضَعَتْ لنا الكَنيسةُ سرَّ التَّوبةِ لا سِرَّ النَّدم، على الرُّغم من تلاوتِنا لِما يُسمّى فعل النَّدامة. إذًا، النَّدامةُ من دون تَوبةٍ لا تَنَفع، فالتَّوبةُ تَبدأ من شُعورِ الإنسانِ بالإفلاس، أي مِن النَّدم. إنّ صِياحَ الدِّيكِ كان العلامَةَ الّتي أعطاها الربُّ لِبُطرسَ ليُؤكِّدَ له حقيقةَ نُكرانِه له.
في الإصحاحِ القادم، سنَتَكلَّمُ على محاكمةِ يسوع قَبْل الانتقالِ إلى الصَّلبِ والموتِ فالقيامةِ. وشُكرًا.
ملاحظة: دُوِّنت بأمانة مِن قِبَلنا
