تفسير الكتاب المقدّس

الأب ابراهيم سعد

إنجيل القدّيس مرقس الرّسول – الإصحاح العاشر (28-52)

28 “وَابْتَدَأَ بُطرُسُ يَقُولُ لَهُ: “ها نَحنُ قَد تَرَكْنَا كُلَّ شَيءٍ وَتَبِعنَاكَ”.
29  “فَأَجابَ يَسُوعُ وَقَالَ: “الحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: لَيسَ أَحدٌ تَرَكَ بَيْتًا أَو إخوَةً أَو أَخَواتٍ أَو أَبًا أَو أُمًّا أَوِ امْرَأَةً أَو أَولادًا أَو حُقُولًا، لأَجْلِي وَلأَجلِ الإنجِيلِ”،
30 “إلَّا وَيَأْخُذُ مِئَةَ ضِعْفٍ الآنَ في هذا الزَّمانِ، بُيُوتًا وَإخْوَةً وأَخَوَاتٍ وأُمَّهَاتٍ وأَولادًا وحُقُولًا، مَعَ اضْطِهَادَاتٍ، وَفي الدَّهْرِ الآتي الـحَيَاةَ الأَبَدِيَّةَ.”
إنَّ تَفرُّغَ المؤمِنِ للإنجيلِ مُهمٌّ جدًّا بالنِّسبة إلى الإنجيليّ مَرقس، لذا أخبَرَنا في هذا الإصحاحِ عَن الثَّمنِ الّذي على المؤمِنِ دَفعُه إذا أرادَ اتِّباعَ الرّبِّ يسوع، وهو تَركُ عائلتِه والتَّخلي عن كُلِّ ممتلكاتِه. ولكنَّ الربَّ يسوعَ لم يُعلِن فَقط عن الثَّمنِ الّذي على المؤمِنِ دَفعُه لاتِّباعِه، إنّما أيضًا عن الثَّمنِ الّذي سَينالُه المؤمِنُ، وهو الحصولُ في هذه الحياةِ وفي الحياةِ الثانيّةِ على أضعافِ ما قامَ بالتَّخلِّي عنه. فعلى سَبيل المِثال: إذا قامَ المؤمِنُ بِتَرِك عائلتِه مِن أجل المسيح، فإنّه سَينالُ عائلةً جديدةً في هذه الأرض، تَضمُّ مؤمِنِين أمثالَه، آمنوا بالمسيح، فتَركوا كُلَّ شيءٍ وتبعوه. عندما سألَ بُطرُسُ الربَّ عن الثّمن الّذي سَيَحصلُ عَلَيه مع سائرِ الرُّسلِ نَتيجةَ اتِّباعِهم له، أجابَه الربُّ إنَّهم لن ينالوا ما يُحقِّقُ لهم مصالِحَهُم الشَّخصيّةَ، إنَّما سَينالونَ ما يُحقِّقُ مصالحَ الإنجيل، فَمَصلحةُ المؤمِنِ الشَّخصيّةُ تَندثِرُ وتتلاشى أمامَ طاعتِه للإنجيل. في الحقيقةِ، إنّ المؤمنَ بالربِّ يَفتَقِرُ بالمال ولا يَغتَني به، فالإنجيلُ يَمنحُ المؤمنَ غنىً بالأشخاصِ المتعطِّشين لِسَماعِ كَلِمَةِ الله وعَيشِها. وبالتَّالي، إذا استَغَلَّ المؤمِنُ كَلِمةَ الله فاغتنى ماديًّا مِن خِلالها، يُصبحُ كالصَّيارفةِ وتُجّارِ الحَمامِ في الهَيكلِ الّذين قاموا بالمتاجرةِ بالرُّوحِ القُدس، كما أخبرَنا عَنهم الإنجيل. إخوتي، كُثُرٌ هم الصَّيارفةُ وتُجّارُ الهَيكلِ في أيّامِنا هذه، ولكنْ هذا لا يعني أنّه يَحقُّ لنا إدانتُهم، لأنَّ الربَّ وحدَه هو ديّانُ الجميع، إنّما يَعني أنّه علينا، كمؤمِنِين بالربِّ، المثابرةُ على عَيشِ الإنجيلَ بِطريقةٍ تُرضي الله.

31 “وَلكِنْ كَثِيرُونَ أَوَّلُونَ يَكُونُونَ آخِرِينَ، وَالآخِرُونَ أَوَّلِينَ”: إنَّ المقصودَ بِهَذهِ العِبارةِ هُم اليَهودُ الّذينَ كانوا أَوَّلين بِسَببِ حِفظِهِم لِكَلِمةِ الله، ولكنَّهم صاروا “آخِرين” بِسَببِ رِفضِهم للمَسيحِ يسوع. إنَّ الّذينَ لم يَحفظوا الشَّريعةَ كانوا، بالنِّسبةِ إلى اليَهود،”آخِرين”، ولكنَّهم أصبحوا “أَوَّلين” بِسَببِ قبولِهم الربَّ، إذ آمنوا به.

32 “وَكانُوا في الطَّرِيقِ صَاعِدِينَ إلى أُورُشَلِيمَ وَيَتَقَدَّمُهُم يَسُوعُ، وَكانُوا يَتَحَيَّرُونَ. وَفِيمَا هُمْ يَتبَعُونَه كانُوا يَخَافُونَ. فَأَخَذَ الاثْنَيْ عَشَرَ أَيضًا وَابْتَدَأَ يَقُولُ لَهُمْ عَمَّا سَيَحْدُثُ لَهُ”:

مِن خلالِ هذه الآيةِ، نُدركُ أنَّ الربَّ كان متَّجهًا مع تلاميذِه نحوَ أورشليم، وأنَّه كانَ في مُقدِّمةِ هذه المسيرة. كانَ التَّلاميذُ في حالةٍ مِنَ الحَيرةِ والخَوفِ على الرُّغمِ مِن وجودِهم مع الربِّ، لأنّه مع الربِّ لا شيءَ مضمونٌ؛ فالرُّسلُ لا يَملِكونَ أيَّة ضمانةٍ سِوى كَلِمةَ الله، وبالتَّالي هُم أمامَ خَيارَين لا ثالثَ لَهما: إمّا أن يُصدِّقوا كَلِمةَ اللهِ لأنَّها الحقيقةُ الوَحيدة، وإمّا ألّا يُصدِّقوها فيَكُونوا في حالةٍ مِنَ الضَّياع. إنَّ كُلَّ مُؤمِنٍ مُعرَّضٌ للوقوعِ في الحِيرةِ الّتي وَقعَ فيها التّلاميذُ، خُصوصًا في أيّامِنا هذه، حِينَ يَجدُ أنَّ كَلِمةَ الله تَمنحُه التَّعزياتِ الرُّوحيّةَ وتَبعثُ فيه الرَّجاءَ، أمّا العالَمُ مِن حَولِه فلا يُبشِّرُه إلّا بالإحباطِ واليأسِ، فيَطرَحُ السُّؤالَ على ذاتِه: كَيفَ يُمكِنُ أنْ يَتَحقَّقَ كلامُ اللهِ في ظِلِّ هذا العالَمِ الّذي تُسَيطرُ عليه السَّوداويّة؟ هُنا، إخوتي، تَذكَّروا ابراهيمَ، أبا المؤمِنين، الّذي صَدَّقَ كَلِمةَ الله، وآمنَ بأنَّها ستَتَحقَّقُ مِن دونِ حُصولِه على أيّةِ علامةٍ حِسيَّةٍ تُؤكِّدُ له صِحَّةَ هذه الكَلِمةِ الّتي سَمِعَها. إنَّ البُرهانَ الوحيدَ الّذي نَالَه ابراهيمُ هو كَلِمَةُ اللهِ نَفسُها! إنَّ العَهدَ القديمَ يُخبرُنا عن أشخاصٍ كُثُرٍ تَبعوا الله بَعد حُصولِهم على علاماتٍ حِسيَّةٍ، أمّا ابراهيمُ فتَبِعَ اللهَ مِن دونِ حصولِه على ذلك.

33 “ها نَحنُ صَاعِدُونَ إلى أُورُشَلِيمَ، وَابْنُ الإنسَانِ يُسَلَّمُ إلى رُؤَساءِ الكَهَنَةِ وَالكَتَبَةِ، فَيَحكُمُونَ عَلَيهِ بِالـمَوْتِ، وَيُسَلِّمُونَهُ إلى الأُمَم،

34 “فَيَهزَأُونَ بِهِ وَيَجْلِدُونَهُ وَيَتفُلُونَ عَلَيهِ وَيَقتُلُونَهُ، وَفِي اليَومِ الثَّالِثِ يَقُومُ”.

أعطى الربُّ يسوعُ تَلاميذَه بُرهانًا على أنَّ كلامَه هو حَقٌّ، عندما أخبَرَهُم أنَّه سَيَتِمُّ اعتقالُه ثمّ مُحاكمَتُه وصَلبُه قَبلَ قِيامتِه مِن الموتِ في اليَومِ الثّالث. إنَّ هذا البُرهانَ على صِدقِ كلامِ يسوعَ يَبدو غَريبًا، إذ كَيفَ لِشَخصٍ مُقبِلٍ على الموتِ أنْ يَعِدَ آخَرين بِما هو بَعدَ الموتِ! إنَّ ذهنيّةَ التَّلاميذِ البَشَريّةَ مَنَعَتْهُم مِن فَهمِ الرِّسالةِ الّتي أرادَ يَسوعُ إيصالَها لهم. 

35 “وَتَقَدَّمَ إلَيهِ يَعقُوبُ وَيُوحَنَّا ابْنَا زَبدى قَائِلَينِ: “يا مُعَلِّمُ، نُرِيدُ أَنْ تَفعَلَ لنا كُلَّ ما طَلَبْنَا”.

36 “فَقَالَ لَهُمَا: “ماذا تُرِيدانِ أَنْ أَفعَلَ لَكُمَا؟”

37 “فَقَالا لَهُ: “أَعطِنَا أَنْ نَجلِسَ وَاحِدٌ عَن يَمِينِكَ وَالآخَرُ عَن يَسَارِكَ في مَجْدِكَ”.

38 “فَقَالَ لَهُمَا يَسُوعُ: “لَسْتُمَا تَعلَمَانِ ما تَطلُبَانِ. أَتَستَطِيعَانِ أَنْ تَشرَبا الكَأسَ الَّتي أَشْرَبُها أنا، وَأَنْ تَصطَبِغا بِالصِّبْغَةِ الَّتي أَصطَبغُ بِها أنا؟”

39 “فَقَالا لَهُ: “نَسْتَطِيعُ”. فَقَالَ لَهُمَا يَسُوعُ: “أَمَّا الكَأسُ الَّتي أَشْرَبُها أنا فَتَشرَبَانِها، وَبِالصِّبْغَةِ الَّتي أَصطَبغُ بِها أنا تَصطَبِغان”.
40 “وَأَمَّا الجُلُوسُ عَن يَمِيني وَعَن يَسَاري فَلَيْسَ لي أَنْ أُعْطِيَهُ إلَّا لِلَّذِينَ أُعِدَّ لَهُمْ”.”

إنَّ الجُلوسَ عَن يَمينِ الربِّ وعن شَمالِه في الملكوتِ يَدلُّ على السُّلطةِ في الملكوت. إنَّ الصِّبغةَ الّتي سيَصطَبِغُها الربُّ يسوعُ هي الموتُ على الصّليبِ، أي الاستِشهاد. مِن خلالِ جَوابِ الربِّ يسوعَ عَلَيهما، اعتقدَ التِّلميذَان، ابنَا زَبدى، أنَّ المكانَ الّذي طَلباه في الملكوتِ هو غَيرُ مُعَدٍّ لهما؛ غَيرَ أنَّ ما قَصَدَه الربُّ بِكَلامِه هو أنَّ التَّلميذَ لا يَستطيعُ أن يَطلبَ مَكانًا له في الملكوتِ، قَبلَ وصولِه إليه. فَطَالما أنّ المؤمِنَ لا يزالُ على هذهِ الأرضِ، فإنَّه لَن يَتَمكَّنَ مِن ضَمانِ وصولِه إلى الملكوتِ، حتّى ولو أعلَنَ المؤمنُ عن رَغبتِه في الوصولِ إليه. إنَّ اللهَ هو الوحيدُ الّذي يَستطيعُ تحديدَ أماكِنِ جُلوسِ المؤمنِينَ في الملكوت، وبالتَّالي لا يَحقُّ للمؤمِنِ تحديدَ مَكانِ جُلوسِه في الملكوت.      

41 “وَلَمَّا سَمِعَ العَشَرَةُ ابْتَدَأُوا يَغتَاظُونَ مِن أَجلِ يَعْقُوبَ وَيُوحَنَّا”.

إنَّ مَطَلبَ ابنَي زبدى مِنَ الربِّ يسوعَ هو مَطلبُ كُلِّ تلميذٍ، ولِهَذا السَّببِ غَضِبَ التّلاميذُ العَشَرةُ مِنهما.

42 “فَدَعَاهُم يَسُوعُ وَقالَ لَهُمْ: “أَنتُمْ تَعلَمُونَ أَنَّ الَّذِينَ يُحسَبُونَ رُؤَساءَ الأُمَمِ يَسُودونَهُم، وأَنَّ عُظَمَاءَهُم يَتَسَلَّطونَ عَلَيهِم”.

43 “فَلا يَكُونُ هكَذا فِيكُم. بَل مَن أَرادَ أَنْ يَصِيرَ فِيكُم عَظِيمًا، يَكُونُ لَكُم خَادِمًا”،

44 “وَمَن أَرادَ أَنْ يَصِيرَ فِيكُمْ أَوَّلًا، يَكُونُ لِلجَمِيعِ عَبدًا”.

45 “لأَنَّ ابْنَ الإنْسَانِ أَيضًا لَم يَأتِ لِيُخدَمَ بَل لِيَخدِمَ وَلِيَبذِلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً عَنْ كَثِيرِينَ”.

إنَّ الربَّ يسوعَ يَدعو تَلاميذَه إلى خِدمةِ مَن يَخضعونَ لهم، أي أنَّه يَدعُوهم إلى السَّيرِ في طَريقٍ مُغايرٍ لِطَريقِ هذا العالَمِ الّذي فيه يَسودُ الكبيرُ على الصَّغيرِ، والقَويُّ على الضَّعيف. إنَّ المؤمِنَ لن يَحصَلَ لا على المالِ ولا على السُّلطةِ ولا على مَديحِ الآخَرين عِند اتِّباعِه الربَّ، إنّما على التَّعبِ في سَبيلِ الإنجيلِ، والّذي يَقودُ حَتمًا إلى جَذبِ الآخَرين إلى الربِّ يسوع. إنَّ المؤمِنَ الّذي يريدُ اتِّباعَ الربِّ، عَلَيه أن يُماهيَ بَينَ الخِدمةِ والرِّئاسةِ: فَالربُّ يسوعُ يَمنحُ المؤمِنَ سُلطةً مَبنيّةً على المحبَّة، لا سُلطةً للتَّسلُّطِ على الآخَرين. إنَّ كُلَّ حُبٍّ فيه عُبوديَّةٌ للمَحبوبِ: وهذا يَعني أنّه حِينَ تُحبُّ الّذين تَرأَسُهم، فإنَّكَ تَتحوَّلُ إلى عَبدٍ لهم. إنَّ هذا المنطِقَ الإنجيليَّ يَتناقضُ تَمامًا مع الـمَنطِقِ البَشريّ، إذ كيفَ يَستطيعُ المؤمِنُ أن يَتحوَّلَ إلى عَبدٍ لِمَن هو رئيسٌ عَلَيهم؟! هل رأيتُم يومًا مُديرَ شَركَةٍ يَقومُ بِخدمةِ موظَّفِيه؟! بِحَسبِ مَنطِقِ الإنجيل، إنَّ كُلَّ مَن يريدُ أن يَكونَ رئيسًا، عَلَيه أن يَقومَ بِخِدمةِ مَن يَخضعونَ لِرِئاسَتِه. هُنا، نَطرَحُ السُّؤالَ: مَتى ظَهرَتْ رئاسةُ يسوعَ على البَشريّةِ؟ على الصَّليبِ، ظَهرَت سُلطةُ يسوعَ الإنسانِ، فأصبحَ مَلَكَ الملوكِ ورَبَّ الأربابِ وفتَحَ بابَ الفِردَوسِ للمُؤمِنِين. إذًا، إنَّ كُلَّ مؤمنٍ يريدُ أن يَكونَ رئيسًا على مِثالِ يَسوع، عَلَيه أن يَحمِلَ صَليبَه ويُصلَبَ عليه، لا أن يَصلِبَ الآخَرينَ رغبةً منه في تَحقيقِ أهوائِه والتَّسلطِ عليهم. إنَّ الفَرقَ كَبيرٌ بَين الرَّئيسِ والمتسلِّطِ. إنَّ الرَّئيسَ هو شخَصٌ مسؤولٌ، وعِبارةُ “مَسؤولٌ” تَعني أنَّ هذا الإنسانَ سَيتوجَّبُ عَلَيه الإجابةُ على السُّؤالِ الّذي سَيَطرَحُه عَلَيه الله، وهو: ما الّذي فَعلتَه بالّذينَ كُنتَ رئيسًا عليهم؟ أمَّا المتسلِّطُ فَهو يُعرَفُ بالـ”زَعيم”، في أيّامِنا هذه.

للأسَف، إنَّ عالـمَنا اليومَ مليءٌ بالزَّعماءِ أَكثرَ مِنه بالرُّؤساءِ المسؤولِين، وهذا يَعكِسُ عَدمَ وضوحٍ في الرُّؤيةِ في مُجتَمعاتِنا! أمَّا في الكَنيسةِ، فَلَيسَ الأمرُ كَذلِك، إذْ إنَّ الّذينَ تَرأَّسوها عَبرَ التَّاريخِ هُم الشُّهداءُ الّذينَ ماتوا دِفاعًا عن الإنجيلِ. إنَّ المسؤولِينَ في الكَنيسةِ اليوم مَدعوُّون إلى السَّيرِ على نَهجِ القدِّيسِين، كي لا يُشكِّلوا سَببَ عَثرَةٍ لإخوتِهم المؤمِنِين، فيَبتَعِدَ هؤلاءُ عَن اللهِ بِسَبَبِهم، فَتَتحقَّقَ عندِئذٍ في المسؤولِينَ عن الكَنيسةِ كَلَمةُ اللهِ القائلةُ: “وَيْلٌ لِلْعَالَمِ مِنَ الْعَثَرَاتِ! فَلا بُدَّ أَنْ تَأْتِيَ الْعَثَرَاتُ، وَلكِنْ وَيْلٌ لِذلِكَ الإِنْسَانِ الَّذِي بِهِ تَأْتِي الْعَثْرَةُ!” (متى 18: 7). إنَّ المسؤولَ هو الّذي يَبذُلُ نَفسَه مِن أجلِ الآخَرين، وبالتَّالي عَلَيه أنْ يَكونَ كالشَّمعةِ الّتي تَذوبُ فتُضيءُ بِنُورِها للآخَرين. إنَّ الشَّمعةَ المضاءةَ تَذوبُ أي أنَّ حَجمَها يَتضاءلُ، فتُنيرُ الآخَرين بِنُورها، على عكسِ الشَّمعةِ غَيرِ المضاءة، الّتي تُحافِظُ على حَجمِها ولا تُعطي نورًا. كَذلِكَ الإنسانُ، فهو قادرٌ على إضاءةِ الآخَرين ما دامَ في هذه الحياة؛ ولكنْ عِندَما ينطَفِئُ نورُ الإنسانِ على هذهِ الأرضِ بالاستشهادِ الأبيضِ أو بالاستشهادِ الأحمرِ، فإنَّ اللهَ سيُضيئُه بِنُورِه فيُشِّعُ للآخَرين. إنَّ كُلَّ قدِّيسٍ هو شَمعةٌ مُضاءةٌ أمامَ المؤمِنِينَ الّذينَ لا زالوا على هذهِ الأرضِ. إنَّ الهالةَ الذَّهبيّةَ الّتي تُحيطُ بِرَأسِ القدِّيسِ في الأيقُونات، لا تُشيرُ فقط إلى وجودِهِ في الملكوت؛ إنَّما بالنِّسبةِ إليّ تُشيرُ أيضًا إلى أنَّ اللهَ سَيُوزِّعُ خَيراتِه على البَشرِ مِن خِلالِ هذا القدِّيس. حِينَ يُنيرُ اللهُ الإنسانَ، فإنَّ هذا الأخيرَ يُصبحُ كالشّمعةِ فيُشِّعُ نورُه على الآخَرينَ ويَذوبُ، فلا يَتمكَّنُ الآخَرون مِن رؤيتِه إنَّما مِن رؤيةِ اللهِ فيه.

46 “وَجَاءُوا إلى أَرِيحا. وَفِيما هُوَ خَارِجٌ مِن أَرِيحا مَعَ تَلامِيذِهِ وَجَمعٍ غَفِيرٍ، كَانَ بَارتِيمَاوُسُ الأَعمَى ابْنُ تِيمَاوُسَ جَالِسًا على الطَّرِيقِ يَستَعْطِي”.
47 “فَلَمَّا سَمِعَ أَنَّهُ يَسُوعُ النَّاصِرِيُّ، ابْتَدَأَ يَصرُخُ وَيَقُولُ: “يَا يَسُوعُ ابْنَ دَاوُدَ، ارْحَمْنِي!”

إنَّ عِبارةَ “يَا يَسُوعُ ابْنَ دَاوُدَ، ارْحَمْنِي!” (مر 10: 47)، تُشيرُ إلى أنَّ هذا الأعمى قد أدرَكَ حَقيقةَ يسوعَ. إنَّ الرَّحمةَ في الإنجيلِ تَعني إعادةَ الإنسانِ الخاطئِ إلى الحياة. إنَّ الإنسانَ الخاطئَ يَذوقُ الموتَ بِسَببِ خَطيئتِهِ، لذا هو يَحتاجُ إلى مَن يَرحَمُه فَيَشفِيه مِنها ويُعيدُه إلى الحياة. إنَّ الخطيئةَ هي العَمى الحقيقيَّ، لأنَّها تَمنَعُ الإنسانَ عن رؤيةِ الحقيقةِ. إنَّ عِبارةَ “يا ربُّ ارحمني” الّتي صَرخَها هذا الأعمى لا تَعني يا ربُّ اشْفِني، وكأنَّ هذا الأعمى يَنظُرُ فَقط إلى الربِّ على أنَّه الطَّبيبُ فيَنالُ مِنه الشِّفاءَ ثُمّ يَذهبُ كُلٌّ مِنهما في طريقِه؛ بل تَعني يا ربُّ أعِدْ إليَّ الحياةَ أي أعِدني إليكَ، إذ إنَّ هذا الأعمى يُؤمِنُ أنَّ لا حياةَ له بَعيدًا عن الربِّ.

48 “فَانْتَهَرَهُ كَثِيرُونَ لِيَسْكُتَ، فَصَرَخَ أَكْثَرَ كَثِيرًا: “يا ابْنَ دَاوُدَ، ارْحَمنِي!”

إنَّ عِبارةَ “فَانْتَهَرَهُ كَثِيرُونَ”، تُشيرُ إلى أنَّ الّذينَ كانوا يَتبَعونَ الربَّ لم يَرغبوا بِسماعِ صُراخِ هذا الإنسانِ المريض. إخوتي، مَن يريدُ اتِّباعَ الربِّ، عَلَيه أن يُصغيَ إلى الآخَرين ويَستَمِعَ إلَيهِم. هُنا، أتذكَّرُ قِصّةَ أحدِ المؤمنِينَ مع أبيه الرُّوحيّ. يُحكى أنَّ هذا الأبَ الرّوحيَّ كانَ يَعيشُ في مَنطقةٍ تَكسُوها الثُّلوج. في أحدِ الأيّامِ، كانَ هذا الأبُ مَريضًا جدًّا حِينَ تلَّقى اتِّصالاً مِن أحدِ المؤمنِينَ يُطالِبُه بالمجيءِ إلَيه لإعطائِه القربانَ المقدَّس. فَسَارعَ هذا الأبُ إلى تَلبيةِ حاجةِ هذا المؤمِنِ المريضِ أيضًا، غَيرَ آبهٍ لا بِمَرِضِه هو ولا بحالةِ الطُّرقاتِ السَّيئة. عِندئذٍ، استَوقَفَه ابنُه الرُوحيُّ قائلاً له إنَّ حالتَه الصِّحيَّةَ قد تَتَدهورُ إذ خَرَجَ مِن المنزلِ في هذا الطَّقسِ، وقد يؤدِّي  ذلك إلى مَوتِه. فأجابَ الأبُ الرّوحيُّ ابنَه قائلاً: ماذا لو ماتَ هذا المؤمِنُ مِن دونِ أن يَحصَلَ على القُربانِ المقدَّسِ؟! إخوتي، إنَّ المناولةَ المقدَّسةَ لا مواعيدَ لها، وهذا يَعني أنَّ واجبَ الكاهنِ يَقومُ على إعطاءِ القُربانِ المقدَّسِ للمؤمِنِين المحتاجِين إلَيه، دُونَ إبطاء. إنَّ إعطاءَ الأسرارِ للمؤمِنِين هي مَسؤوليّةُ كُلِّ كاهن، وسَيُسألُ عَنها في اليَوم الأخِير. على المؤمِنِ تَوجيهُ طِلباتِه إلى الله؛ وإنْ لم يَستجِبِ اللهُ له، عَلَيه أنْ يزدادَ إلحاحًا وإصرارًا على اللهِ ليَستَجيبَ له. إنَّ ملكوتَ اللهِ يُغتَصَبُ اغتِصابًا، كما يَقولُ لنا الإنجيل، لذا على المؤمِنِ ألّا يتردَّدَ في إقلاقِ الربِّ وإزعاجِه، كما فَعَلَ الأعمى في هذا النَّصِّ، وكما فَعلَتْ أيضًا المرأةُ الكِنعانيّةُ، الّتي قالَ لها الربُّ: “لَيْسَ حَسَنًا أَنْ يُؤْخَذَ خُبْزُ الْبَنِينَ وَيُطْرَحَ لِلْكِلاب” (متى 15: 26)، غَيرَ أنَّها أجابَتْهُ قائلةً: “نَعَمْ، يَا سَيِّدُ! وَالْكِلاَبُ أَيْضًا تَأْكُلُ مِنَ الْفُتَاتِ الَّذِي يَسْقُطُ مِنْ مَائِدَةِ أَرْبَابِهَا!” (متى 15: 27)، فأجابَها عِندئذٍ الربُّ: “يَا امْرَأَةُ، عَظِيمٌ إِيمَانُكِ! لِيَكُنْ لَكِ كَمَا تُرِيدِينَ.” (متى 15: 28).

 مِن خِلالِ هذا النَّصِّ الإنجيليّ، نُدرِكُ أنَّ هذهِ المرأةَ الكِنعانيّةَ قد رَفضَتِ الابتعادَ عن يسوعَ وتَركَه قَبلَ أن يستَجيبَ لَطَلبِها، فكانَ لها ما أرادَتْ. كما يُخبرُنا الإنجيلُ أيضًا، عَنِ المرأةِ النَّازفةِ الَّتي أصَرَّتْ على الاقترابِ مِن يسوع، على الرُّغمِ مِنَ الجموعِ الكبيرةِ المحتَشِدةِ حولَه، فتَمكَّنَتْ مِن لَمسِ هُدبِ ثوبِه، ونَالتْ الشِّفاء. إخوتي، صَحيحٌ أنَّ الصّلاةَ هي صِلةٌ تَجمَعُ الإنسانَ بالله، ولكنَّها أيضًا جِهادٌ روحيّ؛ والجِهادُ الرُّوحيُّ لا يَعني التَّأمُّلَ بِكَلِمَةِ الله وحَسبْ، إنَّما يَعني الطَّريقةَ الّتي يَستَخدِمُها الإنسانُ لِحثِّ اللهِ على الاستجابةِ له. قد يَقولُ لي البَعضُ إنّهم صَلُّوا إلى اللهِ ولَكِنَّ اللهَ لم يستَجِبْ لهم، أقولُ لهم إنَّ ذلكَ يَعودُ إلى تَقصيرِهِم في الإلحاحِ على الربِّ وإزعاجِه بِطلباتِهم، وبالتَّالي عَلَيهم أن يَقوموا بِواجِبِهم كي يَقومَ اللهُ بواجِبِه تُجاهَهُم. إنَّ مسؤوليّةَ المؤمِنِ تَكمُنُ في طريقةِ صلاتِه إلى الله، وكَيفيّةِ قِيامِه بها والذِّهنِيَّةِ الّتي يَرتكزُ عَلَيها في صَلاتِه. لا يَحقُّ للمؤمِن تحديدَ طريقةِ تَدخُّلِ اللهِ في حياتِه والاستجابةِ له. للأسَف، إنَّ بَعض المؤمِنِين يَطلبونَ مِن الله أمورًا على هذا النَّحو: نَجاحَ أبنائهم في الامتحاناتِ أو رِبحَ اللُّوتو؛ أقولُ لكم إنَّه لَن يَستجيبَ لَكم لأنَّ طلباتِكم غَيرُ مُتوافرةٍ في “دُكَّانِه”. وبالتّالي، كي يَستجيبَ اللهُ لِطلباتِنا، عَلَينا أنْ نَطلبَ مِنه أمورًا موجودةً في “دُكّانه”، كالرَّحمةِ والصَّبر والجِهادِ الرُّوحيّ. إذا طَلبتُم مِنَ اللهِ أمورًا موجودةً في دُكّانه ولم يَستَجِبْ لَكُم، تَستَطيعونَ مُناقَشتَه عِندئذٍ.    

49 “فَوَقَفَ يَسُوعُ وَأَمَرَ أَنْ يُنَادَى. فَنَادَوا الأَعْمَى قَائِلِينَ لَهُ: “ثِقْ! قُمْ! هُوَذَا يُنَادِيكَ”.

50 “فَطَرَحَ رِدَاءَهُ وَقامَ وَجاءَ إلى يَسُوعَ”.

51 “فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُ: “مَاذا تُرِيدُ أَنْ أَفْعَلَ بِكَ؟” فَقَالَ لَهُ الأَعمَى: “يا سَيِّدِي، أَنْ أُبصِرَ!”.”

في العهدِ القَديمِ، تَمَّ استعمالُ الفِعلِ “نادى” أي “كالِيو”، عندما نادى اللهُ الشَّعبَ اليهوديَّ جاعِلاً مِنه شَعبًا خاصًّا به. وأيضًا في العهدِ الجديدِ، إنَّ كَلِمَةَ “كَنِيسةَ”، أي “ecclesia” مُشتَّقةٌ مِن الفِعلِ نادى، وبالتَّالي، فإنَّ الكَنيسةَ تدلُّ على الشَّعبِ الّذي ناداهُ اللهُ، فلبَّى نِداءه. إذًا، عِندما يُنادي اللهُ الإنسانَ، فهذا يعني أنَّه يَدعوه ليتَّحدَ به أي ليُصبحَ مِن خاصَّتِه. إنَّ الـمُستَغربَ في مَوقفِ يَسوعَ مِن الأعمى الّذي كانَ يَصرخُ له طُولَ الطَّريقِ هو أنَّه سألَهُ عن حاجَتِه قائلاً له: “مَاذا تُرِيدُ أَنْ أَفْعَلَ بِكَ؟” (لو 10: 51)، مَعَ العِلمِ أنَّ حاجةَ الأعمى واضحةٌ جدًّا. مِنَ المهمِّ جدًّا أن يُدرِك المؤمِنُ ما هي حاجتُه الحقيقيّةُ، كي لا يَتَفاجأَ عِندما يُحقِّقُ اللهُ له حاجاتِه لا رغباتِه. مِن أُسُسِ الحياةِ الرُّوحيّةِ أنْ يَتمتَّعَ المؤمنُ بالقُدرةِ على تَمييزِ حاجاتِه مِن رغباتِه: فالحاجاتُ تُناقَشُ، أمَّا الرَّغباتُ فلا. في هذا النَّصِّ، يُخبرُنا الإنجيليُّ مَرقسُ أنَّ الربَّ سألَ الأعمى عن حاجتِه، لأنَّه قَد تَكونُ الأمورُ غيرَ واضحةٍ عند الأعمى فيَطلبُ، على سَبيلِ المِثال، المالَ مِن الربِّ لا إعادةَ البَصَرِ إليه. مِن خلالِ سُؤالِه للأعمى، أرادَ الربُّ أن يُساعدَه على تَمييزِ حاجَتِه مِن رغباتِه. عندما يَتمكَّنُ المؤمِنُ مِن تَحديدِ حاجَتِه، يَكونُ سائرًا في طريقِه الصَّحيحِ نحو القداسةِ. إنَّ عالـمَنا اليَوم يُعاني مِن عدمِ القُدرةِ على التَّمييزِ بَينَ حاجاتِه الأساسيّةِ ورَغباتِه، إلى حدِّ أنَّ هذه الرَّغباتِ قَد تحوَّلَتْ، بالنِّسبةِ إلى إنسانِ اليوم، إلى حاجاتٍ ضروريّةٍ، وهذا ما يُسمَّى “وَهمَ الحاجاتِ”. إنّ حاجاتِ الإنسانِ محدودةٌ ومَعروفةٌ، أمَّا رغباتُه فلا حدَّ لها. إليكُم مِثالاً تَوضيحيًّا عمّا أقولُ: إنَّ كلَّ إنسانٍ في عالَمِنا اليَوم يَملِكُ هاتفًا مَحمولاً، ولكنْ تَظهرُ فجأةً لديه حاجةٌ مُلِّحةٌ وضروريّةٌ لِشِراءِ هاتفٍ جديدٍ أكثرَ حَداثةً مِن ذاكَ الّذي يَمتَلِكُه عندَ رؤيتِه إعلانًا تسويقيًّا لأحدِ الهواتِفِ الحديثةِ. في هذهِ الحالةِ، يَعتقدُ الإنسانُ أنَّه بحاجةٍ إلى شِراءِ هذا الهاتفِ الجديدِ، مَعَ العِلم أنَّ الهاتفَ الّذي يَملُكُه لا يَزالُ في حالةٍ جيِّدةٍ، غَيرَ أنَّه في الحقيقةِ يُعبِّرُ عن رغبتِه في امتلاكِ أحدثِ الهواتفِ المحمولةِ، وبالتَّالي هذهِ الرَّغبةُ هي وَهمُ حاجةٍ، لا حاجةً فِعليّةً.

إنَّ الحاجةَ الأساسيّةَ عند الإنسانِ، في زمنِ الصَّوم، هي الحاجةُ إلى الطَّعامِ. وبالتَّالي إذا أرادَ المؤمِنُ اتِّباعَ قانونِ الصَّومِ الّذي وَضَعَتهُ الكَنيسةُ بالامتناعِ عن الظَّفَرَين، عَلَيه العَملُ على كَبحِ شَهواتِه لا الاستعاضَةِ عنها بأمورٍ تَخدُمُ رَغبته. وإلَيكُم مِثالاً توضيحيًّا على ما أقولُ: إذا قرّرَ أحدُ المؤمِنِينَ الانقطاعَ عن الظَّفَرَين في زَمنِ الصَّومِ، عَلَيه على سَبيلِ المِثال الامتناعُ عن تَناولِ الحلويات. ولكنَّنا نُلاحظُ أنّ قِسمًا لا بأسَ به مِنَ المؤمِنِين يَعمَدونَ إلى استبدالِ رَغبَتِهم في تَناولِ الحلوياتِ الّتي تَحتوي على الظَّفرِ بِصُنعِ حلوياتٍ صياميّة، في حِينِ أنَّ المطلوبَ هو إدِّخارُ المال الّذي كانَ مُخصَّصًا لِصَرفه على الحلوياتِ لمساعدةِ عائلةٍ محتاجةٍ، تحقيقًا لهدفِ الصَّومِ الحقيقيّ. إنَّ الهدفَ مِنَ الصَّومِ لَيسَ العَمَلَ على تلبيةِ الإنسانِ لِرَغباتِه وشَهواتِه بِطَريقةٍ تَتَناسَبُ مع قانونِ الصَّوم، إنَّما العَملُ على الامتناعِ عَن تحقيقِ رَغباتِه وشَهواتِه في هذا الزَّمن. إنَّ هذا العِطلَ الموجودَ عِندَ المؤمِنِينَ في زمنِ الصَّوم، لا يَقتَصِرُ فقط على حَياتِهم اليَوميّةِ، إنَّما أيضًا على الطُّقوسِ المتعدِّدةِ في الكنيسة. وإلَيكُم مِثالاً على ما أقولُ: قَد يَقومُ كاهِنٌ بِشِراءِ بَدلةٍ كهنوتيّةٍ جديدةٍ لا لأنَّها أصبحَتْ في حالةٍ سيِّئةٍ إنَّما رَغبةً مِنه في تجديدِ بَدلَتِه إذ رأى إعلانًا عَن نَوعٍ جديدٍ مِن البَدلاتِ الكَهنُوتيّةِ، مُعطيًا لِعَملِهِ هذا بُعدًا لاهوتيًّا كالقَولِ إنَّه لا يَحسُنُ لنا الوقوفُ أمامَ اللهِ إلّا بأفضَلِ حُلَّة. كَما قَد يَقومُ أحدُهم بِبِناءِ كَنِيسَةٍ في مَدينةٍ مُعَيّنةٍ لا لأنَّها أصبَحَتْ صَغيرةً بالنِّسبةِ إلى عددِ المؤمِنِين الـمُنتَمِينَ إليها، إنَّما بِهَدفِ التَّفاخُرِ على المؤمِنِين في الـمُدنِ القَريبة مِنها، مُتَحَجِّجِين بالقَولِ إنَّه عَلَيهم كمؤمِنِين تَقديمُ الأفضلِ لله. مِن المهمِّ جدًّا أنْ نَسيرَ في قَوانينِ الكَنيسةِ، ولكنْ مِن الضَّروريِّ أيضًا الانتباهُ إلى عدمِ تَفريغِ الطُّقوسِ الدِّينيّةِ مِن مَعناها الحقيقيّ. إنَّ وَهمَ حاجاتِنا الّذي أصبَحَ لا يُعَدُّ ولا يُحصَى دَفعَنا إلى تَضييعِ حَاجاتِنا الأساسيّةِ؛ وهذا الأمرُ قَد انعَكَسَ على صلاتِنا إذ نَطلُبُ مِنَ اللهِ لا حاجاتِنا الأساسيّةَ، إنَّما رَغباتِنا. إنَّ الحاجةَ الّتي طَلَبَها الأعمى مِنَ الربِّ في هذا النَّصِّ هي حاجَتُه الأساسيّةُ، ولذا أعطاهُ إيّاها الربُّ.

52 “فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: “اذْهَبْ. إِيمَانُكَ قَدْ شَفَاكَ”. فَلِلْوَقْتِ أَبْصَرَ، وَتَبِعَ يَسُوعَ فِي الطَّرِيقِ.”: في هذا النَّصِّ، لبَّى الربُّ حاجةَ هذا الأعمى الأساسيّةَ وهي رؤيةُ الربِّ؛ لذا عندما حَصَلَ على حاجتِه هذه، قامَ الأعمى باتِّباعِ الربِّ لأنَّ عنِدَه فَقط الحَياةَ الأبديّة. 

في هذا القِسمِ مِن الإصحاحِ العاشر، عالَج الإنجيليُّ مَرقسُ مسألةَ اتِّباعِ المؤمِنِينَ الربَّ، قائلاً لنا إنَّ المؤمِنَ لن يَحصُلَ على منافعَ شخصيّةٍ نتيجةَ اتِّباعِه الربّ، إنَّما سيَدفَعُ ثَمنَ اتِّباعِه الربّ. إنَّ اتِّباعَ المؤمِنِ الربَّ سَيدَفعُه لا إلى البَحثِ عن منافِعَ شخصيّةٍ، إنَّما إلى العَمَلِ على وَضعِ المواهبِ الّتي أنعَمَ اللهُ بِها عَلَيه في خِدمةِ الآخَرين، فيُصبِحُ مَنارةً لهم. إنَّ اتِّباعَ المؤمِنِ الربَّ لن يَمنَحَهُ سُلطةً على الآخَرين مَبنيّةً على التَّسلُّطِ عليهم، إنَّما سُلطةً مَبنيّةً على المحبّة، فيَكونَ المؤمنُ مُطاعًا مِنَ الجميع. في هذا الإطارِ، يَتبادَرُ إلى ذِهنِنا قَولُ بولسَ الرَّسول: “صَادِقَةٌ هِيَ الْكَلِمَةُ: إنِ ابْتَغَى أَحَدٌ الأُسْقُفِيَّةَ، فَيَشْتَهِي عَمَلًا صَالِحًا.” (1 تيم 3: 1). وهُنا، نَسألُ: ما هي “الأُسقفيّة”، بالنِّسبةِ إلى بولسَ الرَّسولِ؟ إنَّ الأُسقُفِيَّةَ تَقومُ على خِدمَةِ النَّاسِ ومُراقَبتِهم مِن أجلِ تَصحيحِ مَسارِهِم، بمَعنى آخرَ مِن أجلِ إرشادِها إلى الطَّريقِ الحقِّ، طَريقِ الله. أمّا إذا أرادَ المؤمِنُ تَطبيقَ هذه العبارةِ الّتي قالَها بولسُ الرَّسولُ في أيّامِنا هذه، فَعَلَيه إضافَةُ العِبارةِ التَّالية: “مَن اشتهى الأُسقُفِيّةَ فَقَدْ زنى في قَلبِه”، لأنَّه للأسَف، قد حَوَّل المؤمِنُون المسؤوليّاتِ الّتي تَسلَّموها إلى مراكزَ للتَّسلطِ على الآخَرين لا إلى خِدمتهم. إنَّه لَحَقٌّ للجميعِ أن يَتسلَّموا مسؤوليّاتٍ في مجتمعاتِهم وجَماعاتِهم؛ ولكنْ، على المؤمِنِ الرَّاغبِ في تَسَلُّمِ مَسؤوليّةٍ مُعَيّنةٍ، أنْ يَسعى إليها لا حُبًّا بالسُّلطةِ والرِّئاسةِ، فيَعمَلَ على إبعادِ المسؤولِ السّابقِ من أجلِ إظهارِ ذاتِه، بل سَعيًا لِتَقديمِ خِدمةٍ أفضلَ للمَجموعةِ الّتي يَنتَمي إلَيها. إنَّ الإنسانَ الفاشِلَ في مَسؤوليَّتِه يَجدُ صعوبةً في الاستِقالةِ مِن مَنصبه؛ وإذا تَمَّتْ إقالَتُه مِن وظيفتِه تَحوَّلَ إلى إنسانٍ عدائيٍّ، يَسعى إلى خَلقِ الفِتَن والتَّحريضِ على زُمَلائهِ في العَمَلِ. أمَّا إذا كانَ الإنسانُ ناجِحًا في المسؤوليّةِ الموكولةِ إلَيه، فلا داعي إلى تَغييرِه، لأنَّ تَغييرَه يُشكِّلُ مُغامَرةً لا ضرورةَ لها.

إنَّ هذا الكلامَ يَنطبِقُ على كافَّةِ المؤمنِينَ في الكَنِيسةِ، مِن أصغرِ خادمٍ فيها إلى أكبَرِهم، مِن حامِلِ الشَّمعةِ في القدَّاسِ الإلهيّ إلى البابا، أُسقُفِ روما. إذًا، حِينَ تَطلبُ مِنَ الربِّ أنْ تَجلسَ عن يَمينِه أو عن يَسارِه، فهذا يَعني أنَّكَ تريدُ أن تَتسلَّمَ مسؤوليّةً أكبَر، فَتَخدُمَ الآخَرين مِن خِلالِها، وبالتَّالي أنتَ عَمَليًّا تَشتَهي خِدمَةَ الآخَرين، لِذَلِكَ يَحقُّ لكَ أن تُصبِحَ مسؤولاً. أمَّا إذا كُنتَ تريدُ أنْ تَتَحمَّلَ مسؤوليّةً مِن أجلِ التسَّلُطِ على الآخَرين، فهذا يعني أنَّه لن تَتَمكَّنَ مِنَ الجلوسِ لا عن يَمينِ الله ولا عن يَسارِه في الملكوت. لَيسَ المؤمِنُ مَن يختارُ مَكانَ جلوسِه في الملكوتِ، بَلِ الله. إنَّ الشَّرطَ الأساسيَّ لِتَحمُّلِ المسؤوليَّةِ هو أنْ يَكونَ المؤمِنُ قادرًا على الرُّؤيةِ بِشَكلٍ صَحيحٍ. وإذا كانَ المؤمِنُ يُعاني مِن ضُعفٍ في الرُّؤيةِ في ناحيةٍ مُعيّنةٍ، عَلَيه أنْ يَطلُبَ مِن الربِّ شِفاءَه لِيَتَمكَّنَ مِن تَحمُّلِ مَسؤوليَّتِه على أكمَلِ وجهٍ، فيَكونُ خادِمًا للآخَرين، ويَكونُ مِن خلالِ خِدمَتِه سَببًا لاجتِذابِهم إلى المسيحِ يسوع.

في هذا النَّصِّ، يُذَكِّرُ الربُّ يسوعُ المؤمِنَ أنَّه سَيَتَعرَّضُ للاضطهاداتِ مِنَ الآخَرين، فيَحسِدُونَه ويَغارونَ مِنه. وإلَيكُم مِثالاً على ذلك: إنَّ يوحنَّا الذَّهَبيَّ الفَمّ، وهو “قِدِّيسُ القِدِّيسِين”، كانَ وحيدَ أُمِّه، وقَد رفَضَتْ هذهِ الأخيرَةُ دخولَه إلى الحياةِ الرُّهبانيّةِ قَبلَ وفاتِها. إنَّ تَصرُّفَ هذا القدِّيسِ قد يَستَّفزُّ بَعضَ المؤمِنِينَ فيَقولُونَ فيه إنَّه كانَ عَلَيه تَركَ والِدَتِه وَحيدَةً مِن أجلِ اتِّباعِ الربِّ، لأنَّ الربَّ قالَ: “إِنْ أَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَأْتِيَ وَرَائِي، فَلْيُنْكِرْ نَفْسَهُ وَيَحْمِلْ صَلِيبَهُ كُلَّ يَوْمٍ، وَيَتْبَعْني” (لو9: 23). هُنا أقولُ لِهَؤلاءِ، إنَّهم أساؤوا فَهمَ الإنجيلِ، إذْ إنَّ مَقصدَ الإنجيلِ مِن هَذهِ العِبارةِ هو عَدمُ تَلَهّي المؤمِنِ بِعَواطفَ بَشريّةٍ دُنيويّةٍ مِن أجلِ تَعطيلِ كَلِمَةِ الله. بَعدَ وفاتِها، حَقَّقَ هذا القدِّيسُ رغبتَه في اتِّباعِ الربّ، فدَخَلَ الحياةَ الرُّهبانيّةَ وتَدرَّجَ فيها حتّى أصبَحَ أُسقُفًا، ثُمَّ بَطريَركًا. كانَ قُدَّاسُه يَستَغرقُ وَقتًا طَويلاً، بِسَببِ عِظاتِه الطَّويلةِ، وقَد قامَ تلاميذُه بِتَدوينِها. وعلى الرُّغمِ مِن مرَكزِه المرموقِ في الكَنِيسَةِ، إلّا أنَّه لَم يَسلَم مِن اضطهاداتِ إخوتِه الأساقفةِ، إذْ قامَ هؤلاءُ بالاشتِكاءِ عَلَيهِ عِندَ الامبراطورِ بِسَبَبِ استحمامِه اليَوميّ وتَناولِه العسل. فَفِي تِلكَ الأيّامِ، كانَ الاستِحمامُ اليَوميُّ يُعبِّرُ عن اهتمامِ الرَّاهبِ الزّائدِ في جَسَدِه؛ أمَّا تَناولُ العَسلِ فكانَ يُعبِّر عن تَعزيزِ الرَّاهب لِنفسِه. إنَّ هذا القدِّيسَ الّذي أنعشَ الكَنيسةَ بِعِظاتِه، تَعرَّضَ للوِشايةِ مِن قِبَلِ إخوتِه الأساقِفةِ بِسَببِ غَيرتِهم مِنه، ما دَفعَ الامبراطورُ إلى نَفيِه خَمسَ مرّاتٍ، إذ كانَ هذا الأخيرُ يَعمَدُ إلى إرضاءِ السُّلطاتِ الدِّينِيّةِ والـمَدنِيَّةِ. إنَّ تَصرُّفَ هؤلاءِ الأساقفةِ يُعبِّرُ عن مَدى خُبثِهم. إنَّ بولسَ الرَّسولَ قد سمَّى المؤمِنِين، أمثالَ هَؤلاءِ الأساقفةِ، بـ”الإخوَةِ الكَذَبة”. إذًا، إنَّ المؤمِنَ سَيَتعرَّضُ للاضطهاداتِ مِن قِبَل أهلِ بَيتِه، نَتيجةَ الحَسَدِ والغَيرةِ السَّوداء. عِند تَعرُّضِه لِمِثلِ تِلكَ الاضطهاداتِ، على المؤمِنِ ألّا يَشعُرَ بالغرورِ مُشبِّهًا ذاتَه بالرُّسلِ، بَل عَلَيه أن يُراقِبَ ذاتَه فيُدرِكَ إنْ كانَ سَببُ تِلكَ الاضطهاداتِ خَطاياه أمْ اتِّباعَه للربّ. فإذا كانَتِ الخطيئةُ هي سَببُ تِلكَ الاضطهاداتِ، فعلى المؤمِنِ أنْ يَدفِنَها، لئلّا يَتعَطَّلَ الإنجيلُ بِسَبَبِه.

في زَمنِ الصَّومِ هذا، نحنُ مَدعوُّونَ إلى مُضاعفةِ جُهودِنا مِن أجلِ الثَّباتِ في كَلِمَةِ الله ومِن أجلِ العَمَلِ على خِدمَةِ الآخَرين المحتاجِينَ لمساعدَتِنا. في هذا الصَّومِ، نحنُ مَدعوُّونَ إلى الإلحاحِ في الصَّلاةِ على اللهِ ليَستَجيبَ لنا. هُنا، نَطرحُ السّؤالَ: ما السَّبيلُ للثَّباتِ في هذا الجِهادِ، في ظلِّ السَّوداويّةِ الّتي يَعيشُ فِيها عالَمُنا؟ في هذا الصَّومِ، أنتُم تَقومُونَ بـ”الجِهادِ الأخيرِ”؛ والجِهادُ الأخيرُ لا يَعني الامتناعَ عن الطَّعامِ، بل يَعني اتِّخاذَ مَوقِفٍ مِن كَلِمَةِ الله. إنَّ سِفرَ الرُّؤيا، الّذي كَتَبَه الإنجيليُّ يوحنّا، نَعيشُه نحنُ اليَوم؛ فهو لم يُكتَبْ مِن أجلِ إخبارِنا عن نهايةِ العالَم، إنَّما مِن أجلِ حَثِّنا على ضرورةِ الثّباتِ في إيمانِنا على الرُّغمِ من الاضطهاداتِ والصُّعوباتِ الّتي سنَتَعرَّضُ لها في هذه الحياة. إخوتي، نحن نَعيشُ الأُخرَويّةَ في حياتِنا اليَوميّةِ، لا بِمَعنى اقترابِ نهايةِ العالَم، إنّما بمعنى أنّ الحياةَ تَضعُنا في كُلِّ يومٍ أمامَ مَصاعِبَ طَبيعيّةٍ كالهَزَّاتِ والزَّلازلِ، أو مَصاعِبَ صادرةٍ عن البَشَر، فَتَدفعُنا إلى اتِّخاذِ مَوقِفٍ مِن كَلِمةِ الله. إنَّ سِفرَ الرُّؤيا يَدعونا إلى عدمِ الرُّضوخِ والسُّجودِ لِكُلِّ ما يُواجِهُنا مِن أمراضٍ وأحزانٍ ومصاعِبَ، بل إلى الوقوفِ بِكُلِّ ثِقَةٍ وإيمانٍ بِالربِّ، مُمَجدِّينَ اسمَه على الدَّوام. هُنا، يَظهرُ صَبرُ القِدِّيسِين! إخوتي، عَلَينا إعادةُ النَّظرِ في رؤيتِنا إلى كُلِّ شَيءٍ مِن حَولِنا: فالربُّ لا يَلجأ إلى الهزَّاتِ والزّلازلِ لإخافةِ البَشرِ بِسَببِ عَدمِ توبَتِهم إليه، فاللهُ إلهٌ مُحبٌّ يَمنحُ شعبَه الصَّبرَ والتَّعزيةَ لاجتيازِ كُلِّ الأزماتِ الّتي يَتعرَّضُونَ لها في هذه الحياة، فلا يَسجدونَ إلّا له، هو الإلهُ الحقُّ. آمِين.

ملاحظة: دُوِّنت المحاضرة بأمانةٍ مِن قِبَلنا.

Instagram
Copy link
URL has been copied successfully!
WhatsApp