الصّوم زمنُ تواضعٍ أمام الله
بقلم الأب حبيب شاميه
إنَّ زمنَ الصّومِ هو زمنُ تواضُعٍ أمام الله، يَجعلُهُ يحنو علينا ويستجيب سؤلنا، فنُحسب أهلاً لأن نشترك في فَرَحه. إنَّ كلمة صوم بالعبريّة تختَصر معانيها؛ أهمّ معاني الصوم. فجَذرُ كلمة “صام” بالعبريّة هو نَفْسُه جَذر كلمة “اتّضع”: “حنى”.
فالصوم هو أن يحني الإنسان أمام الله متواضعًا مُعترفًا بعدَمِه وخطئه طالبًا منه تعالى العونَ والغفرانَ والشفاء. ومَن يحني أمام الله، يحنو الله عليه بحنانه ويستجيبُ صلاته. ومَن حنى أمام الله وحنّا الله عليه يصطبغ بالـ “حِنَّة”، بحنَّة الأفراح. فالحِنَّة صبغةٌ كانت ولا تزالُ تُستعمَلُ في تزيينِ الشعر كما تُستعمل في بعض التقاليد في الأعراسِ، حيث يصبغُ المدعوّون أيديهم بها، علامة مشاركَتهِم بفَرحِ العروسَين. فالحِنَّةُ هي رمزٌ للفرحِ الّذي سيتَزيَّنُ به الإنسانُ المتواضع أمام الله.
وصورة الحِنَّة هذه، تُسلِّطُ الضوء على كلام يسوع الّذي نراه يَستعمل غالبًا صورة العرس ليتكلّم عن الصوم. يقول في الانجيل للذين يتشكّون مِن تلاميذه لأنّهم لا يصومون: “عندما يُرفع العريس (يسوع) عندها يصومون”. ويعلّمنا كيف يجب أن نصوم: “أمّا أنت، فإذا صُمت، فادهن رأسك واغسل وجهك” (متى 6/17)، وكأنّه يدعونا عندما نصوم أن نتهيَّأ كمن يتهيَّأ للذهاب إلى العرس. فالصوم هو دعوةٌ إلى وليمةِ فرح؛ “طوبى للمدعوّين إلى وليمة عُرس الحمل”، لا بل هو بالأحرى الاستعداد للذهاب إلى العُرس، “وعروسه قد هيّأت وأوتيَت أن تلبَس لباسًا جديدا”.
فكيف علينا أن نستعدّ؟ يقول الرب: “اغسل وجهك”: أي تطهَّر مِن خطاياك، من كبريائك بدُموع التوبة، وادهن رأسك”: أي تزيَّن بطيبِ الأعمال الصالحة والفضائل. وإذا استعدّدنا على هذا المنوال نكونُ على مثال العذارى الخمس الحكيمات اللواتي أحضرن زَيتًا مع مصابيحِهنَّ فدخَلن إلى وليمةِ عُرس سيّدِهنَّ.
هذا هو مِعنى الصوم بالعموم، الاستعداد بالتواضع للقاءِ الرب: فالصوم الخمسينيّ هو استعدادٌ للقيامة، والصوم الإفخارستيّ استعدادٌ للقاء يسوع في سِرّ القربان، وصوم الشهداء استعدادٌ للقاء الربّ يسوع في الإستشهاد. فالصوم يجب أن يرافقَ حياة المسيحيّ الّتي هي استعدادٌ دائمٌ لمجيءِ المسيح، الّذي “لا أحد يعرفُ ساعة مجيئِه”.
