القيامة الأولى
بقلم الأب أغابيوس نعوس
بينما الموت يترنّم فرحًا لانتصارٍ هزيلٍ رخيص، نرى الأنوارَ الإلهيةَ تلتَمعُ من القبر، وتسخر ضاحكةً على من اعتقد أنّه قهر ربّ المجد (أعني إبليس). الكنيسة الأرثوذكسية تذوق طعم القيامة حتّى قبل القيامة. الحزن الذي عندها هو حزن على الرجاء. لأن القبر لا يمكن أن يضبط عُنصر الحياة، كما أنّ الموت لا يمكن أن يَغلب مُبدئَ الحياة.
الشيطان اعتقد أنّه أنزل المسيح إلى الهاوية، وأنّ يسوع قد هوى إلى الجحيم، غير عالم أنّ المسيح الإله، هو هو نفسه، الإنسان الـمُمات بالجسد. فالمسيح قَبِلَ أن ينزل إلى أسافل درَكات الأرض لكي يُنهض آدم الساقط ويُحطّم اعتزار الموتِ بالموت. فتحت الهاوية فاهًا لتلتهم الخالق، فصادفته إلهًا حارقًا جوفها، وممزِّقًا جبروتها. الجحيم تنهّد صارخًا: ويلي كيف لي أنا الظلمة أن أبتلع النور؟ كيف لي أنا القشّ أن أواجه النار غير الهيولية؟
الحيّة حلمت أن تُميت بسمّ الخطيئة الإنسان. لسعت عَقبَ الربّ يسوع (الإنسان- الإله) ولكنّه هو سحق رأسها. ارتضى يسوع أن يأخذ جسدنا الضعيف لكي يبثّ فيه روحه الإلهي ويقيمه في المجد. هو دخل بقوّته إلى الموت، وحرّر منه كلّ من سبق وأغوتهم حيّة الخطيئة. أطلق المقيّدين أحرارًا، لم يُشفِق على الخطيئة إنّما على الخاطئ.
الكنيسة جمعت في القيامة المتفرّقين إلى اتّحادٍ واحد. إذ لم يبقَ بعد يهوديّ أو يونانيّ، لا عبد ولا حر، بعد القيامة لا ذكر ولا أنثى، بل المسيح الواحد، الذي أعطى للناس قوّة القيامة. وجعل البشر أجمعين، رغم تباعدهم العرقيّ، دائسين للموت ومفاعيله، متسلّحين بالقيامة المجيدة سلاحًا لا ينهزم.
لكن القيامة المجّانية هذه، وطبعًا للناس أجمعين، تحتاج قبولنا الشخصيّ لها. إذ لا يمكن لمن حرّر الناس من العبودية أن يستعبدهم ويفرض عليهم إرادته. هو أطلق بموته القيامة، وهم أحرار في اتّخاذها.
هو سيقيم معًا الجسد والروح الذي أبدعهما. فليس من شيمة الله أن يُهلك ما قد خلق خاصّةً أنّه صنع كلّ شيءٍ حسنًا.
هو بالقيامة المجيدة ودون رأي الناس أعاد خلق الإنسان الأول وأعاد فيه الصورة التي تهشّمت. وهو وقبل إرادة الناس (التي أرادها لهم حرّة) جَبَل الإنسان من التراب ونفخ فيه النسمة الإلهية. وهو اليوم وأيضًا ودون إرادة الإنسان أقامه وأجلسه في العلاء، ولكنّه ترك له الحريّة من جديد أن يختار في قبول هذا المقعد، المعدّ له من قبل تأسيس العالم، أو رفضه.
يكون حينها في اليوم الأخير الإنسان قائمًا لا محال، ولكن إمّا للفرح جالسًا عن اليمين وإمّا للألم سائرًا عكس التيّار. فالمسيح نفسه سيكون بالقيامة العامة النار والنور.
المسيح كان بإمكانه أن يخلّص النفس ويقيمها دون الجسد ولكنّ يسوع لم يشأ أن يُهلك شيئًا من الإنسان. فكما خلقه هكذا يحييه في القيامة الثانية.
شعب الله الجديد هذا المفتدى يمكنه أن يدخل ومنذ اليوم (وبعد القيامة الأولى) حيث لم يستطع شعب الله القديم الدخول. قدس الأقداس أصبح في داخل البشر. والحياة أصبحت فيهم بعد موت طال. الهيكل المصنوع باليد أصبح للقياميّين هيكل المسيح غير المصنوع باليد، أي الجسد الحي المأخوذ بالقيامة. الحجاب الذي كان يفصل الناس عن قوة القيامة قد انشقّ من فوق إلى أسفل، أصبح بإمكان كل مؤمن أن يدخل في وحدة تامة مع القائم، فيقوم.
المواهب الروحية، المنحدرة من لدن الإله بالقيامة، تأخد بعدها الأخير. فيمكن لهذا الجسد الضعيف أن يتّحد بالألوهة إتّحادًا لا تنقطع عُراه. يُصبح الإنسان إلهًا بالنعمة.
عهد الحزن والقسوة والناموس قد ولّى. الشريعة اليوم شريعة الروح والمحبة. والكنيسة نفسها بالقيامة باتت حجارة حيّة وروحًا محييًا. الزواج القائم بين المؤمن والمسيح أصبح زواجًا لا طلاق فيه ونصيبًا لا ندم عليه.
الأرثوذكسية لا تحزن كباقي الناس الذين لا رجاء لهم.
فهي حتى في أيام الأسبوع العظيم التي يطغى عليها طابع الحزن، تحزن على الرجاء دافعة أولادها أن يتهلّلوا بتجديد القيامة فيهم، لأنّ قيامة المسيح اجتاحت الدنيا وفرّحت الكون.
كلّ قائم مع المسيح رغم خاصيّته المطلقة يبقى عضوًا في الجسد الواحد. فلكلّ منّا بعد القيامة موضعه المميز، ولكلّ منّا إمكانية التحرّك ولكن في حلقة واحدة إسمها حلقة القيامة، أو دائرة الحياة.
الهاوية طُعنت بقيامة المسيح (قيامتنا الأولى) وفنيَت قوّة الجحيم بقوّة النار الإلهية لـمّا اقتبلت المطعون بحربة. القبر ظنّ أنه يضبط إنسانًا فكان المسيح بكماله فيه. لاهوت المسيح كان كما كان بدءًا مع الآب والروح بغير انفصال في داخل القبر، مما أفسد على القبر حلمه. القبر بعد إنحدار المسيح إليه تحوّل إلى واحة فرح وغدا سعيدًا، ظهر إلهيًا مذ اقتبل ضمنه كنز الحياة، فعوض أن يكون مدخلاً للموت، أصبح مفتاحًا للقيامة الثانية.
ليس من ظلمة بعد لأن الأنوار أشرقت من القبر. وليس من خطيئة تخيف لأن المسيح قادر اليوم أيضًا على أن يدوس كل خطيئة قد تأتينا. هو أبطل بذبيحة نفسه مفاعيل الخطيئة التي كانت تلحق الإنسان مسبقًا، وحقّق بشخصه حقيقة الأبديّة المرجوّة. وصار لجسدي المتخذ بالقيامة الحق بالسماء.
يسوع وباختصار أدخل بتجسّده ألله في حياة الناس. وبقيامته أدخل الناس في حياة الله. لذا علينا أن لا نترك هذه الفرصة تضيع. وألّا نقبل أن نبقى في الظلمة بينما النور ساطع. فالمسيرة الخاطئة تعطّل على يسوع قيامته والخاسر الحقيقي هو (بعد القيامة) نحن إذا أخطانا. إذ ما النفع أن يقوم المسيح ونبقى نحن أمواتًا.
