لماذا كان الفداء بالصّليب؟
بقلم الخوري أنطوان الزاعوق
كان سرّ التجسّد سرَّ فداء. والفداء كان إصلاحًا ومصالحة. ولكن، لماذا تمَّ ذلك بالصّليب؟ ألم يكن الله قادرًا أن يُصلح ويُصالح بطريقة أخرى، فيُظهر رحمته وحبّه المجاني بالغفران، مثلاً، لا أكثر ولا أقلّ؟ ولـمّا كان لأي فعلِ محبة، من قِبَل “الكلمة” المتجسّد، قيمة لا متناهية، ألم يكن فعل محبة واحد منه كافيًا لإصلاح الوضع البشري بعد الخطيئة، وللمصالحة بين الله والإنسان؟ أجل، كان الغفران الإلهي كافيًا في المطلق، وكافيًا أيُّ فعل محبة من قِبَل المسيح. فَلِمَ، إذًا، الموت على الصّليب، ولمَ الخلاص بتلك الذبيحة الدموية؟
ذلك أنّ – عدا عن احترام الله لحريّة الإنسان وكرامته احترامًا قضى بأن لا يُخلِّص الإنسان “بالرغم منه” – في الفداء بالموت ظلمًا على “خشبة العار”، وفي التضامن مع الإنسان في أسوأ حالاته، فعل رحمة أجدى وأسمى: “يوم كنّا نحيا في شهوات جسدنا ملَبّين رغباته وأهوائه، كنّا بطبيعتنا أبناء الغضب كسائر الناس، ولكن الله الواسع الرحمة، وقد أحبّنا حبًّا شديدًا، أحيانا مع المسيح، فأقامنا معه، وأجلسنا في السموات في المسيح يسوع. فأظهَرَ للأجيال الآتية نعمته الفائقة السعَة… فأصلحَ بينه وبين الناس، قاضيًا على العداوة بصليب المسيح…، ومحققًا السلام بدمه”.
يقول توما الأكويني: “آلام المسيح مثال لنا في دروب الحياة، إذ إن من أراد أن يسير بالكمال، ليس له إلّا أن يحتقر ما احتقره المسيح على الصّليب، ويبتغي ما ابتغاه. فالصليب هو مثال جميع الفضائل”.
هل تطلُب مثال المحبة؟ “ليس لأحد حبٌّ أكبر من أن يبذل الحياة عن أحبّائه”. هذا ما صنعه المسيح على الصليب. إن كان هو قد بذل نفسه لأجلنا، فهَل يصعُب علينا أن نتحمَّل أيَّ شرٍّ من أجله؟.
هل تطلُب الصبر؟ إنك تجده على الصليب إلى أقصى حدّ. فالمسيح تحمّل بصبرٍ فائق أكبر الشرور. ألا فلنَجزِ بصبرٍ في ميدان الصراع نحو من تحمّل مهانة الصّليب، هازئًا بالعار.
هل تطلُب مثالاً للتواضع؟ أنظر إلى المصلوب تَرَ إلهًا أراد أن يَحكُمَ عليه بيلاطس فيموت.
هل تطلُب مثالاً للطاعة؟ سِر في خُطى مَن سار طائعًا للآب حتى الموت.
هل تطلُب مثالاً لاحتقار خيرات الأرض؟ سِر في خُطى ملك الملوك ورب الأرباب “المكنونة فيه جميع كنوز الحكمة والمعرفة” كولوسي 2/3. ها هو على الصّليب، عريانًا، موضوع سخرية، يُغطيّهِ البُصاق، مضروبًا، مكللاً بالشوك، يُسقى الـمُرَّ والخلّ، وهو يقول لك: “لا تتعلّق بالألبسة والثروة، فإنّهم اقتسموا ثيابي، ولا بالأمجاد، فإنّي تحمّلت السخرية والضربات، ولا بالمراتب فإنّهم ضفروا إكليلاً من الشوك وغرزوه في رأسي. ولا بالملذات، فإنّهم – إذ كُنتُ عطشانًا- سقوني خلاً”.
