“ما بالكم خائفين هذا الخوف؟ أإلى الآن لا إيمان لكم؟” (مر 4: 40)
المطران بولس الصياح، رئيس أساقفة حيفا والأراضي المقدّسة
“فإن الله لم يعطنا روح الخوف بل روح القوّة والمحبّة والفطنة” (2 طيم 1: 7)
ما بالكم خائفين هذا الخوف؟ قد يبدو سؤال السيد المسيح لتلاميذه، للوهلة الأولى، على شيء من الغرابة. أليس من الطبيعي أن يخاف المرء أمام الخطر والموت؟ نعم، ولكنّ ما ينتظره المسيح ممن تتلمذوا له أن يرتقوا إلى ما فوق الطبيعة ولو بعض الشيء، يتوقع منهم أن يعيشوا في الإيمان. لأجل ذلك أتبع سؤاله الأول بسؤال آخر يحمل في طياته بعض التعجّب والعتب قائلاً: “أإلى الآن لا إيمان لكم؟” أما أدركتم بعد كل مسيرتنا معًا أني معكم بل إني فيكم وأنتم في؟
الخوف في نظر المسيح يحمل في طيّاته ما يتناقض والإيمان. الخوف يعمي بصيرتنا فننشغل بما هو آني. هو يجعلنا ننسى حقيقة ما نحن عليه في عمق ذواتنا، ينسينا أننا “هيكل الروح القدس” وأن “ملكوت الله في داخلنا” وأننا “خلقنا على صورته ومثاله”. الخوف يجعلنا ننغلق على ذواتنا ونبني حواجز بين الآخر وبيننا متناسين أن الآخر أيضًا “هو هيكل الروح القدس…” وأنه “خلق على صورة الله ومثاله”. الخوف يدفع إلى التردد والإحجام عن الإلتزام في الحياة. إنّ في الخوف شيء من الموت في وقت أنّ في الإيمان ثقة وإقدام. الخوف يقود في نهاية المطاف إلى العنف وإلى الموت، إنه يعمي البصيرة ويكبّل الإنسان ويقوده إلى الانغلاق على ذاته. هذه كلّها من علامات الموت الروحي والنفسي. الخوف ينسيني حقيقتي فيغيب عن ذهني “أن الله لم يعطيني روح الخوف بل روح القوة والمحبة والفطنة”.
القوة والمحبة والفطنة مثلث ينبض بالحياة الحقيقية؛ الفطنة وعي لحقيقة ما أنا عليه؛ إنّ الله معي وفيّ وعلى صورته خلقت، وأنني في مسيرة نحوه. الفطنة تجعلني أعي إيماني فأتذكّر أنّني، مع الخوف الذي هو جزء من الطبيعة، أحمل يسوع ابن الله في ذاتي، “وأنني لست أنا الحي بل هو حي فيّ”.
والمحبة انفتاح وتفان في سبيل الآخر، إنها التقاء بين صورة الله التي فيّ وصورة الله التي فيه، التقاء في الله الذي هو محبّة، إنها انتقال من الموت إلى الحياة “نحن نعلم أننا انتقلنا من الموت إلى الحياة لأننا نحب إخوتنا، ومن لا يحب بقي رهن الموت”. (1 يو 3: 14)
والقوة هي اللحمة التي تجعلني أثابر في وعي ما أنا عليه وفي انفتاحي وصدقي وتفاني، فلا تخور قواي أمام المصاعب، أو أفقد الأمل في حال فشلت؛ إنها الثقة الحقيقية في النفس وفي الله، هذه هي حضارة الحياة. إن كان الخوف يضعني على طريق الانهيار والموت، فالثقة التي هي وليدة الفطنة والمحبة والقوة تجعلني أعيش في حضارة القيامة.
إنّ في قصة تهدئة العاصفة شاهد على مسيرة كل منا في هذه الحياة. عندما تواجهنا الهموم والمصاعب أليست ردة فعلنا الأولى هي الخوف كما حدث للتلاميذ؟ وكأننا نسينا أننا هياكل الروح القدس وأننا مدعوون إلى أن “نتقوى في الرب وفي قدرته العزيزة؟” (أفسس 6: 10)، مدعوون إلى أن نوقظ الله الساكن في أعماق ذواتنا والذي يجلل حياتنا فيسكّن العاصفة في نفوسنا وينقلنا من الخوف إلى الثقة، ونتذكر “أننا لسنا غرباء أو نزلاء بل نحن من أبناء الله ووطن القديسين ومن أهل بيت الله”؟ (أفسس 2: 19).
الموت الجسدي نهاية ليس لما ما نقوله أو نقرره فيها، وهو بالنسبة إلينا، نحن الذين اعتمدنا بيسوع المسيح، الولوج إلى الحياة الجديدة الدائمة والنهائية في الله. لذلك يبقى الأهم بالنسبة إلى المؤمن المسيحي أن يعيش حياته كلها في روح قيامية تجددية في الله، بعيدًا عن روح الخوف الذي يجعلنا نتردّد وننغلق على أنفسنا وننعزل وكأننا في غربة عن الله وعن ذواتنا الحقيقية.
بعدما مات المسيح وظن التلاميذ أنه غاب عن حياتهم، تملكهم الخوف فأغلقوا الأبواب على ذواتهم، وانعزلوا “خوفًا من اليهود”. وعندما أتى إليهم من جديد “فرحوا” لمشاهدته. لقد نقلهم حضوره من الخوف إلى الفرح. والتلميذان اللذان فقدا كل أمل وتركا أورشليم عائدين إلى بلدتهما عماوس “مكتئبين”، عندما سار معهما وفسر لهما الكتب… فتحت أعينهما وعرفاه. (لوقا 24: 13- 31).
هذا يعني أنهما كانا في حال من الغيبوبة والضياع وفقدان البصيرة، ففي مسيرته معهما وولوجه إلى داخل بيتهما ومجالسته لهما بدد منهما ذاك الإكتئاب المكبّل ووضعهما على طريق العودة إلى الحياة من جديد، طريق العودة إلى أورشليم، العودة إلى ذواتهما وإليه، وإلى خدمة الناس والشهادة للقيامة. لقد نقلهما، حينما عرفاه، من آلام اليأس والاكتئاب إلى حال من الرجاء والثقة، فكأنه أقامهما من موتهما الروحي إلى الحياة الحقيقية التي ما عادا من بعدها يعرفان الخوف، بل راح كل منهما يحمل البشارة ويواجه رسالته في الحياة غير آبه بالسجن والاضطهادات وغير خائف حتى من الموت. لم يعد الخوف الجسدي يخيفهما لأنهما وعيا حقيقة حضور الله معهما وهو يرافقهما فأدركا أن “الله أعطاهما روح المحبة والقوة والفطنة”، وكأني برحلة حياتهما قد اكتملت فانتقلا من الخوف واليأس إلى الفرح والثقة، من حال الموت إلى حال القيامة. هذه دعوتنا وهذا هو التحدي. فلنضرع إلى الله ونعمل معه ليوقظنا هو من غيبوبتنا، وينقذنا من الخوف ويحررنا من العبودية والأنانية، إذ أن في هذه كلها موت، وفيه هو وحده الحياة والقيامة.
