العبور
بقلم الخوري يوحنّا داود
الصومُ وصيّةٌ مقدسةٌ وهبةٌ إلهية منذ أن وُجِدَ الإنسان في الفردوس (تك 2: 16-17). كما أنَّ الأنبياءَ وشعبَ العهدِ القديمِ قد صاموا (إر36: 9). وفي العهدِ الجديدِ نجدُ المسيحَ صائماً قبلَ ظهوره العلّني (متى4: 1-2). وكما صامَ المسيحُ صامَ الرسل أيضاً (أع 13: 2-3). وهكذا، جعل الآباء القديسينَ الصومَ منهجَ حياةٍ وزمنَ نعمةٍ وبركات.
كمؤمنينَ نصومُ إيماناً أنهُ ” ليسَ بالخبزِ وحدَهُ يحيا الإنسان، بل بكلِّ كلمةٍ تخرجُ من فمِ الله” (متى4: 4). نصومُ ونقرِنُ الصومَ بالصلاةِ لأن لنا إيماناً أن “هذا النوع من الشياطين” المتربّص بعالمنا ونفوسنا” لا يمكن أن يخرج إلاّ بالصومِ والصلاة” (متى17: 21). نصومُ ونحيا في التوبةِ إلى اللهِ غافرينَ بعضنا لبعضٍ زلّاتنا إيماناً منّا أنهُ “إِن تَغفِروا لِلنَّاسِ زلاتِهِم يَغْفِرْ لكُم أَبوكُمُ السَّماوِيّ وإِن لَم تَغفِروا لِلنَّاس لا يَغْفِرْ لكُم أَبوكُم زلاَّتِكُم.” (متى6: 14-15). نصومُ بفرحٍ وابتهاجٍ إيماناً منّا أنَّ الصومَ هو تجردٌ من أنانيتنا وانفتاحٌ على الله والقريب وأن هذا الانفتاح والتواصل هو مصدر للفرحِ الحقيقيّ “وإِذا صُمتُم فلا تُعبِّسوا كالـمُرائين” (متى6: 16). نصومُ ولنا رجاءٌ وثقة أننا لا نكنزُ لنا كنوزاً على الأرض بل في السماء حيثُ يجدُ قلبنا راحته ” ولا تَكنِزوا لأَنفُسِكُم كُنوزاً في الأَرض، حَيثُ يُفسِدُ السُّوسُ والصَّدَأ، ويَنقُبُ السَّارِقونَ فيَسرِقون. بلِ اكنِزوا لأَنفُسِكُم كُنوزاً في السَّماء حيَثُ لا يُفْسِدُ السُّوسُ والعُثّ، ولا يَنقُبُ السَّارِقونَ فيَسرِقوا. فحَيثُ يكونُ كَنزُكَ يكونُ قلبُكَ.”(متى 6: 19-21). نصومُ ونتآزرُ مع الذينَ هم أكثر حاجةٍ منّا لأنّ لنا إيماناً أن “كُلَّما صَنعتُم شَيئاً مِن ذلك لِواحِدٍ مِن إِخوتي هؤُلاءِ الصِّغار، فلي قد صَنَعتُموه” (متى25: 40).
نؤمنُ ونصومُ لأنَّ الصومَ دواءٌ ناجعٌ للنفس. فمن منّا بلا خطيئة فلا يصم، أمّا نحنُ الخطأة والتعبينَ من ثِقَلِ الخطيئة سنصومُ معَ كلِّ الكنيسةِ المجتمعةِ حولَ مخلّصها وفاديها لتعبرَ معهُ في الصومِ من حالةِ الخطيئةِ إلى حالةِ النعمة، ومنَ الموت إلى الحياة.
