فوَلدَتِ ابنَها البِكر وقمّطته وأضجعَته في المِذود
بقلم الأب مارون موسى
لما حان وقتُها لتلد، تجسّدت بيننا المحبّة، قمّطتها مريم ووضعتها في المذود. قبلها كان الحبّ امتلاكًا، فصار عطاء، عطاء بلا حدود، ولا قيود، عطاء حتى الموت. هذه المحبّة “المقمّطة في المذود” هي عطية الآب وهديته للإنسان ليأكلها فيتحوّل اليها. كانت العلامة للرعاة “تجدون طفلاً مقمطاً ومضجعاً في مذود”، إن وجدتموه وقبلتموه وجدتم الخلاص وقبلكم الآب في منازله السماوية. هذا عيد ميلاد ربنا وإلهنا يسوع المسيح وولادته بالجسد.
ولادة يسوع جعلت الإنسان خليقة جديدة روحية، وصارت حياة الإنسان متمددة في الله إلى ما لا نهاية. ولادة يسوع هي عهد محبة قام واستمر بين الله والإنسان، هو عهد قطعه الله في ولادة يسوع المسيح ولن يتخلى عنه. هذا العهد سماه الرسول بولس “الإخلاء” أي أن المسيح أخلى ذاته، وأفرغ نفسه من مجده الإلهي حتى نستطيع أن نقترب منه ويستطيع أن يصل إلينا.
لهذا قام يسوع بطاعة الله الذي لا يرتضي ولم يقبل بذبائح اليهود، فهيأ لابنه الحبيب جسدًا وألبسه إياه، فجاء يسوع طائعاً يصنع مشيئة الرب، ووضع نفسه وأطاع حتى الموت موت الصليب، لذلك فالحياة الحقيقية أي الحياة المسيحية تبدأ بعد الموت، بعد الصلب، بعد حمل الصليب.
هكذا بولادة المسيح حلت مشكلة الخلاص لا بالعجائب ولا بالكلام التعليمي، لكن بحمل المسيح الصليب، بحمله خطايا العالم، هذا هو حمل الله الرافع خطايا العالم. بموت المسيح على الصّليب وقيامته أقام معه الإنسان، غالبًا الخطيئة والموت وبالتالي انتهت مشكلة واجهت الإنسان وحيرت أنبياءه، إذ لم تعد هناك ضرورة أن يكون الله: إله محتجب، مخفي أو بعيد (اشعياء 45: 15).
في تجسّد ابن الله التقى الله مع الإنسان في حب إلهيّ ممثلاً في المسيح.
الميلاد هو إعادة الشركة بين الله والإنسان بواسطة تجسد المسيح، الميلاد بلغ بالإنسان إلى معرفة الله في ذاته والدخول في النور. بميلاد المسيح صار ابن الله ابن الإنسان حتى يصير الإنسان ابن الله، ولكي يبطل المسيح الموت ويبرهن عن القيامة من الأموات ظهر بالجسد، فلو لم يأتِ يسوع بالجسد لما استطاع البشر أن يروا خلاصهم.
الميلاد هو المرحلة الأخيرة للشركة بين الله والإنسان. إذ يرفعنا الميلاد إلى أبهى صورة سامية، تقول لنا عقيدة التجسد: إنّ الإنسان هو جسد الله، بهذه الصورة رفعت البشرية إلى المقام الإلهيّ إلى درجة القداسة.
فإنّ العلاقة بين الله والإنسان ليست علاقة بين كائنين غربين أحدهما عن الآخر، بل كائنين يكمل أحدهما الآخر. ليس بمعنى أنّ الله غير كامل في ذاته بل بمعنى أنّ الله أراد أن يشترك الإنسان في كماله وقداسته، ليعكس الإنسان في الجسد مجد الله الذي هو الروح.
هذا كله نعمنا به من تجسد المسيح، وبغير تجسد المسيح ما كان ممكنا لله أن يكشف حبه الأبوي للإنسان، ولا كان بإمكانية الإنسان أن ينال التبني أي يصير ابنًا لله بدون الابن المتجسّد.
هذا تمّ في ملء الزمن، واليوم يتمّ فيك أيضاً. إذ كنت تفتش عن ربك لتسجد له وتعبده وتخدمه فاعلم أن المسيح ما زال طفلاً مقمطاً رمزاً للمحبة والرحمة “كنت عريانا فكسوتموني”… إنه قريبك أحببه واخدمه وقدّم له ما يحتاجه. وما زال المسيح موضوعاً في مذود رعيته لتجده وتأكله لمغفرة خطاياك ولحياتك الأبدية.
هذا هو ربنا وإلهنا وهذه هي علامته الفارقة، فإذا لم تبحث عنه في أخيك الإنسان وتتناول جسده بإيمان فإنك لن تجده ولو فتشت الكون كله بكل زمان وكل مكان. ولد المسيح… هللويا!
