أحَقيَّة الحُبّ
بقلم الخوري جوزف سلوم،
الحُبُّ هديّةٌ مِن هدايا الذَّاتِ الإلهيَّةِ التي وَهَبْتَنا إيّاها يا ربّ جَوابًا على الوجود، وهو نِتاجٌ لِكِمياءَ مُتَبادلةٍ وجاذِبيَّةٍ تَفاعُلِيَّةٍ بين الرَّجُلِ والمرأةِ، إذا جَعلَ مَسكِنَهُ في وَسطِنا، أحدثَ فينا تَغييرًا، يَجعلُنا في مَأمنٍ، إذ يَتماهى مع أرواحِنا الحقيقيَّة فَيَصِلُ بنا الى النُّضجِ والنُّموّ والسَّعادة. هو حالةٌ تَجاوزيَّةٌ للذَّاتِ والزَّمنِ والمكانِ والعقل، فلا مَجالَ لِنَجاحِ دَيمومَتِهِ في التَّملُكِ والاستِبدالِ أو المنفعِيَّة.
شكرًا لكَ يا ربُّ لأنَّكَ عَلَّمتَني أبجديَّةَ لُغةِ الحُبِّ مِن مَناهلِ قَلبِكَ المطعونِ بِالحربَةِ على الصَّليب، فلم يعد الحُبُّ خَوارقَ مشاعرٍ وحَسب، بَل صار فِعلَ تَكرُّسٍ وَهِبةَ ذاتٍ وثَقافةَ عِناية.
وَحِينَها يُصبحُ نَشيدي أنَّ المحبَّةَ لا تَسقُط أبدًا.
كَيف لي يا ربُّ في سِياقِ اهتِماماتي بِخِدمَتي وإتقانِ نَشاطاتي واحتِفالاتي ومُناسَباتي وتَعثُّرِ بَعضٍ مِن تَنظيماتِها أن تُفسِدَ بَعضُ المشاجراتِ وعلاقاتي المريضة دِفءَ العلاقاتِ الأخويَّةِ والأُسَريَّةِ والرَّسوليَّةِ؟ أفلا يجب أن أُعطي أحقيَّةً لِلحُبِّ على التَّنظيماتِ والتَّرتيبات؟
كَيف لي يا إلهي أن أسمح بأن تَسودَ القَوانِينُ والشَّرائعُ وحَرفِيَّةُ النَّاموسِ على أَحقِيَّةِ الحُبِّ؟ فأفلا يجب لقانونِ الحُبِّ أن يَتسامى فوقَ كُلِّ القَوانين؟
كَيف لي يا سَيِّدي أن تَأخُذَني مَشغوليَّاتُ الحياةِ وانهِماكاتُ العَملِ فأهتَّمَ بما هو لِقَيصرَ وأتجاهلَ ما هو للهِ وما هو لِمَن أُحبُّ؟ أفلا يجب أن تكون أَحقيَّةُ الحُبِّ أولَويّةَ مُرورٍ في بَرامجي وخِدمَتي ؟
كَيف لي يا مُعلِّمي أن أبنيَ أهرائي وأُقدِّمَ ذبائحي ومُحرقاتي وأنا أُهمِلُ حُبَّ إخوَتِكَ الصِّغار، فلا أرى حاجاتِهم ولا أسمعُ أَنينَهُم ولا أُعاينُ مَذَّلةَ شَعبي؟ أفلا يجب أن أجعَلَ أَحقِيَّة المرورِ إلى السَّماء عَبرَ المرضى والفقراءِ، لأنّ أحقِيَّةَ حُبِّهم تَسبِقُ كُلَّ القَرابينِ والتَّضحيات؟
كَيف لي يا مُخلِّصي، ألّا تَصحَبَني أَحقِيَّةُ الحُبِّ إلى التَّضحيةِ في استشهادِ أفكاري الخاصَّةِ وآرائي الّتي طالما تَمسَّكْتُ بِها مِن أجلِ وِحدةِ الجماعةِ واحتِضانِ التَّنوعِ وقَبولِ الاختِلافات؟
كَيف لي أيُّها الربُّ الإله، أن أضَعَ شُروطًا في الحُبِّ وأُجهِضَ كُلَّ المبادرات، وأن تَغيبَ عَنه المجانيَّة وأن تَتَعزَّزَ فيه أوهامُ الحُبِّ الزَّائفِ والتَّنافساتِ، واللّامبالاةِ والإهمالِ؟ عَلِّمني يا ربّ أنَّ أَحقِيَّةَ الحُبِّ تَصنعُ المعجزاتِ وتُداوي الجِراحاتِ، وتُحقِّقُ وجودَك في فضائي فَتُحوِّل قلبي إلى سماءِ السَّماواتِ.
- الإصدار بنسخة PDF
