أذكرني في ملكوتك
،بقلم المطران ميشال عون، راعي أبرشيّة جبيل
إنّ جماعة “أذكرني في ملكوتك” انطلقت، في رسالتها في عددٍ من الرعايا، من واقع أشخاصٍ اختبروا الحزن الكبير والفراغ الذي يُحدِثُه غيابُ إنسانٍ عزيز على قلوبهم، فوجدوا الجواب الشافي والعزاء الحقيقيّ في الصّلاة والاتحاد بالربّ يسوع القائم من بين الأموات عبر الاحتفال بالقدّاس الإلهيّ. عندما تذكر الكنيسة موتاها، تتذكّر معهم أنّ الموت ليس النهاية، بل البداية. فالقبر سيُفتَح، والميتُ سيخرج منه وكأنّه ماضٍ في سفر طويل. لم يقُم يسوع وحده من القبر، بل في موته “تزلزلت الأرض وتصدّعت الصخور وانفتحت القبور وقام القدّيسون الراقدون”(مت27: 51 و52)، فسبقونا إلى القيامة. هذا هو عزاؤنا الوحيد عندما نذكرُ موتانا، بل فرحُنا حين نعرف أنّ الموت هو انطلاقٌ إلى بيت الآب.
في كلّ لقاء صلاة، وفي كلّ قدّاس عن أنفس الموتى، تتأمّل جماعةُ “أذكرني في ملكوتك” في حقيقة قيامة الربّ يسوع من بين الأموات، فيكبرُ فيها الرجاء ويتغلغلُ في أفئدةِ أعضائها العزاء الحقيقيّ، لأنّ المسيح الذي غلب الموتَ بالموت يُعلَن في صلواتِها وفي لقاءاتها الروحيّة إلهاً قادراً على أن يُعطي هذه الغلبة على الموت إلى كلّ إنسانٍ يؤمن بقيامته بيقينٍ حقيقيّ ورجاءٍ ثابت.
عندما تُعلِنُ الكنيسةُ إيمانَها بقيامة الربّ يسوع من بين الأموات، فهي تُعلِن بداية عهدٍ جديد يتحقّقُ فيه وعدُ المسيح بأنّ “حزنَنا سيتحوّل إلى فرح… وفرحُنا هذا لا يقدر أحدٌ أن يَنزِعَه منّا” (يو 16: 20 و22). لهذا السبب، ولأن الموتَ يُحدِثُ حزنًا كبيرًا وجرحًا بليغًا في كياننا من جرّاء غياب أحبّائِنا عنّا، نحتاجُ إلى أن يبقى إعلانُ القيامةِ جديداً، وإلى استقباله بالإيمان كي تُصبحَ قيامةُ الربّ حاضرةً في واقعنا الإنسانيّ، بقوّة الرّوح القدس الذي وهبه المسيح القائم لتلاميذه، والذي يهبُنا إيّاه اليوم ثمرة َقيامته من بين الأموات.
هذا الإيمان بالحياة الجديدة مع المسيح القائم يقودُنا إلى اليقين بأنّنا مدعوون إلى اختبارها منذ الآن في حياتنا اليوميّة، في كلّ انتصار للربّ على حالات الحزن واليأس وعلى كلّ أنواع العبوديات والخطايا التي تأسرُنا وتستعبدُنا. هذا ما يجعلنا، أيّها الأحباء، في حالة انتظارٍ لعبور الربّ في حياتنا كي ينقلنا من العبودية إلى حرية أبناء الله. في التقليد العبرانيّ كانت الدعوة إلى الاحتفال بالفصح تُذكّر المؤمن بالعبور الذي حقّقه الله في حياة آبائه، عندما نقلهم من عبودية مصر إلى حريّة أرض الميعاد، وعندما فتح أمامهم البحر الأحمر فعبروا على الأرض اليابسة بعدما شاهدوا أعداءهم غرقى في البحر، وعندما سار أمامهم في الصحراء وضَمَنَ لهم المأكل والمشرب، فتقول له: إذا كنتَ اليوم مُستعبداً بسببٍ من الخطيئة، وإذا كنتَ جائعاً وعطشانَ إلى الحريّة والسلام والفرح، فتعال واصنع الفصح معنا لتختبر أنتَ أيضاً العبور الذي يعمله الله اليوم في حياتك، لأن يده لم تقصُر وهو لا يزال أميناً على وعوده.
ونحن في كلّ مرّة نحتفل بالقدّاس الإلهيّ، تذكار موتِ المسيح وقيامتِه، ونتناول جسده ودمه عربون الحياة الآتية، نؤمن ملء اليقين بأنّ الربّ القائم يعبُر في وسطنا لينقل جميع الذين ينتظرونه من موت الخطيئة إلى حياة النّور الذي سطع على قبره المقدّس. هذا الإيمان بالحياة الجديدة، التي يهبنا إياها المسيح القائم، يزرع فينا رجاءً أقوى من الموت ويجعلنا نهتف مع الـمُرنّم داود فنقول: “هذا هو اليوم الذي صنعه الربّ، تعالوا نُسَرُّ ونفرح فيه!” (مز 24:118).
