تأمّل روحيّ،
للأب ابراهيم سعد،
أي هديّة نقدّم إلى المولود الإلهيّ؟،
في هذا الزّمن، نقف أمام المولود الإلهيّ، ونطرح السؤال على ذواتنا: أيّة هديّة نُقدِّم إليه، لنُعبّر عن فرحِنا بولادته في أرضنا؟ ففي عاداتنا البشريّة، يقدّم الأقارب والأصدقاء، هديّة لكلّ مولودٍ جديدٍ يَخُصّهم تعبيرًا عن فرحهم بمجيئه إلى عالمنا، فكم بالحريّ حين يكون هذا المولود إلهيًّا، وهو الربّ يسوع المسيح.
أمام حدث ولادة الربّ الإله، قدّمت الطبيعة كما قدّم له البشر، الهدايا ترحيبًا بمجيئه إلى أرضنا، وتعبيرًا عن فرحهم بولادته. لقد قدّمت السّماء لهذا المولود الإلهيّ نجمًا أضاء فيها ليُعلِن ولادته؛ أمّا الأرض فقدَّمت له مذودًا في مغارة، أي بيتًا بشريًّا له. قدّم له الملائكة التسابح، فرنَّموا فَرَحًا ترنيمة:”المجد لله في العلى، وعلى الأرض السّلام، وفي النّاس المسرّة”. قدّم له الرّعاة ذواتهم إذ ذهبوا لرؤيته في اللّيل. إنّ المجوس، الّذين هم من الوثنيين أي مِن الّذين لا يعرفون الله ولا سَمِعوا به، جاؤوا إلى الربّ من أقاصي الأرض ليسجدوا له في المغارة وقدّموا له هدايا ثلاث، هي: الّذهب الّذي لا يُقدَّم إلّا للملوك، والبخور الّذي يُقدَّم للآلهة، والـمُرّ للإشارة إلى أنّ هذا المولود سيكون شهيدًا في المستقبل. لم يُقدِّم المجوس ذواتهم للمولود ولكنّهم قدّموا له هدايا أعلنوا من خلالها، الهويّة الحقيقيّة لهذا المولود، وقدّمت الإنسانيّة جمعاء لهذا المولود أشرف ما عندها وهو: عذراء لتكون له أمًّا.
لقد قدَّم الجميع، طبيعةً وبشرًا، هدايا للمولود الإلهيّ. والسؤال الّذي يُطرَح الآن: ما هي هديّتك لهذا المولود في يوم ميلاده؟ أستكون هديّتك له من فانيات هذه الدُّنيا وأباطيلها، أم أنّ هديّتك ستعكس عمله الخلاصيّ فيك؟ ما الّذي ستُقدِّمه لهذا المولود هذه السّنة؟ يمكنك أخي المؤمِن، في هذا العيد، أن تُقدِّم للمولود الجديد، كلّ ذاتك، وأن تجعلها بين يديه، كما يمكنك أن تُقدِّم له تعهُّدًا جديدًا في هذا العيد، أو استبدال ذهنيّتك القديمة بأُخرى جديدة تتلاءم مع هذه الولادة الجديدة في حياتك. إنّ كلّ هذه الهدايا مِن شأنها أَن تُدخِلَك في المعنى الحقيقيّ للعيد، وبالتّالي لا يعود هذا العيد عليك كما أتى في السّابق، بل يحمل إليك نفحة جديدة تدفعك إلى التغيير الدّاخليّ، فلا يعود هذا العيد بالنسبة إليك مُجرَّد ذكرى إنّما يُصبح العيد حالة واقعيّة، تتمّ اليوم في حياتك.
لذا، نجد، في اللّيتورجيّات الكنسيّة، تأوينًا لهذه الولادة إذ نقول:”اليوم وُلِد، أو اليوم يُولَد”، وبالتّالي فإنّ الكنيسة، لا تُدخِل هذا الحدث الميلاديّ، في إطار الذِّكرى، إنّما تُدخله في إطار الذِّكر، أي أنّها تُعلِن ولادة المسيح من خلال شهادة المؤمنين لهذه الولادة في حياتهم اليوميّة. فإنّه إن لم ينظر المؤمِن إلى هذا العيد انطلاقًا من هذه الذهنيّة الجديدة، فهو سيعيش العيد هذه السّنة كما مرّ عليه العيد في السّنة الماضيّة، ولذا هو يقول: “ينعاد عليك” كعبارة لمعايدة الآخرين، أي أنّه يشعر بأنّ هذا العيد يُعيد نفسه دون أي تغيير يُذكَر.
في هذه السّنة، على المؤمِن أن يعيش هذا العيد بطريقة مختلفة، فيتوقّف عن معايدة الآخرين مستخدمًا العبارة الشَّهيرة: “ينعاد عليكم”، ويُفاجِئ اللهَ بوجود مولودٍ آخر غير مولود الآب، وهو ولادة المؤمِن الجديدة في هذا العيد. لن يأتي إليك، أنتَ المولود الجديد، لا الرّعاة ولا المجوس، بل إنّ الربّ نفسه سيأتي إليك ليسجد أمام ولادته الجديدة فيك. آمين.
ملاحظة: دُوِّن التأمّل بأمانةٍ مِنْ قِبَلِنا.