تفسير الكتاب المقدّس
الأب ابراهيم سعد
إنجيل القدّيس مرقس الرّسول – الإصحاح الثالث عشر
1 “وَفِيما هُوَ خارِجٌ مِنَ الهَيكَلِ، قالَ لَهُ واحِدٌ مِنْ تَلامِيذِهِ: “يا مُعَلِّمُ، انْظُرْ! ما هذِهِ الحِجارَةُ! وَهذِهِ الأَبنِيَةُ!”.
2 فَأَجابَ يَسوعُ وَقالَ لَهُ: “أَتَنظُرُ هذِهِ الأَبنِيَةَ العَظِيمَةَ؟ لا يُترَكُ حَجَرٌ عَلى حَجَرٍ لا يُنقَضُ”. انْظُرُوا! لا يُضِلُّكُم أَحَدٌ.
3 فِيما هُوَ جالِسٌ عَلى جَبَلِ الزَّيتُونِ، تُجاهَ الهَيكَلِ، سَأَلَهُ بُطرُسُ وَيَعقُوبُ وَيُوحَنَّا وَأَندَراوُسُ عَلى انفِرادٍ:
4 “قُلْ لَنا مَتَى يَكُونُ هذا؟ وَما هِيَ العَلامَةُ عِندَما يَتِمُّ جَميعُ هذا؟”.
5 أَجابَهُم يَسُوعُ وَابتَدَأَ يَقولُ: “انظُرُوا! لا يُضِلُّكُم أَحَدٌ.
6 فَإنَّ كَثِيرِينَ سَيَأتُونَ بِاسْمِي قائِلِينَ: إنّي أنا هُوَ! وَيُضِلُّونَ كَثِيرِينَ.
صَباحَ الخَير، نَحنُ في الإصحاحِ الثَّالثَ عَشرَ مِن إنجيلِ مرقس. إنَّ هذا الإصحاحَ يَتناوَلُ مَوضوعَ نِهايةِ الأزمنة، وهو يَحتوي على رموزٍ رؤيويّةٍ، ما يعني أنَّ الأسلوبَ المعتَمد في هذا النَّصّ هو الأسلوبُ الرُّؤيَوي. إنَّ هذا الإصحاحَ مِن إنجيلِ مَرقس يُقابِلُه الإصحاح 24 من إنجيل متّى والإصحاح 21 من إنجيل لوقا، وهي تَتَمَحورُ حولَ مَوضوعِ نِهايةِ الأزمنة. إنَّ هذه الأبنِيَةَ العَظيمةَ الّتي أشارَ إلَيها التَّلاميذُ إلى يسوع موجودةٌ في مَدينةِ أُورَشَليم. كُتِبَ إنجيلُ القدِّيس مَرقس حوالي سنة 67 م.، أي قَبلَ دَمارِ الهَيكلِ الّذي تمَّ سَنَة 70 م. إنَّ دَمارَ الهَيكل، بالنِّسبة إلى أهالي أُورشليم، كان نِهايةَ العالَم. وما يَحصلُ اليَوم في غزَّة، من جوعٍ ودمارٍ ومَوتٍ، بالنِّسبة إلى أهالي هذه المدينة، هو نِهايةُ العالَم.
في هذا النَّص، نُلاحِظُ أنَّ التَّلاميذَ قد طَرَحوا سؤالًا على الربِّ يسوع حَول نِهايَة العالَمِ قائِلِينَ له: “قُلْ لَنا مَتَى يَكُونُ هذا؟ وَما هِيَ العَلامَةُ عِندَما يَتِمُّ جَميعُ هذا؟”؛ وقد أجابَهم على هذا السُّؤال من خلال إعطائهم العلاماتِ الّتي تُشيرُ إلى نِهايةِ الأزمنة، مِن دون أن يَضعَ جدولاً زمنيًّا لِحُدوثِ ذلك. إنَّ السُّؤالَ الّذي طَرحَه التَّلاميذُ على الربِّ يسوع حَول نِهاية الأزمنة، هو سؤالُ كلِّ مؤمِنٍ، خُصوصًا حين يرى مَشاهدَ العُنفِ الّتي تَحدُثُ في العالَم من حروبٍ وزَلازلَ، والّتي تَحصِدُ عددًا كبيرًا من الأرواح البشريّة. هُنا، أودُّ أن أقولَ لكم، إنَّ طَرحَ السُّؤالِ حولَ مَوعدِ نهايةِ الأزمنة هو سؤالٌ خاطئٌ تمامًا، إذ إنَّ الإنسانَ لا يَستطيعُ الحصولَ على إجابةٍ عليه، لا سَلبًا ولا إيجابًا، لأنّه بكلِّ بساطة، لا يَعرف متى تَكُونُ نِهايةُ العالَم.
وبالتَّالي، بِما أنّ الإنسان لا يَستطيعُ تَحديدَ مَوعَدِ مَجيء الربِّ، أي أنّه لا يستطيع أن يَعرف ما إذا كان مَجيئُه قريبًا أو بعيدًا في الزَّمن، فعليه أن يَبقى على استعدادٍ دائمٍ للقاء الربِّ في كلِّ حين. في هذا النَّصّ، طَلبَ الربُّ مِن تلاميذِه الانتباهَ واليَقظة كي لا يَتَمكَّنَ المسحاءُ الدَّجّالون مِن الإيقاعِ بهم. إنَّ عِبارةَ “أنا هو”، تُشير إلى الربِّ يسوع، وهو غالبًا ما يَستخدمُها في الكتاب المقدَّس للتَّعريف عن نَفسِه. وهنا، نَتَذكَّر كَيفَ عرَّفَ اللهُ عن نَفسِه لموسى، حينَ ظَهرَ له في العُلَّيقةِ، إذ قالَ له: “أهيِه أشِر أَهيِه”، الّتي تعني “أنا هو الّذي هو”، فتَمكَّنَ الشَّعبُ اليَهوديّ عند سماعِهم هذه العبارة مِن إدراكِ أنَّ موسى هو مُرسَلٌ مِن الله إليهم.
7 “فَإذا سَمِعتُم بِحُرُوبٍ وَبِأَخبارِ حُرُوبٍ فَلا تَرتاعُوا، لأَنَّها لا بُدَّ أنْ تَكُونَ، وَلكِنْ لَيْسَ المُنْتَهَى بَعْدُ”:
مُنذُ ألفَي سَنَة، أخبَرَ الربُّ يسوع تَلاميذَه عن حُدوثِ حروبٍ وسَماعِهِم أخبارًا تُثيرُ القلقَ في النُّفوس؛ ومُنذُ ذلك الحينِ إلى يَومِنا هذا، ما زِلنا نَسمعُ ونُشاهِدُ حروبًا تَحدثُ في كلِّ العالَمِ، وتَحصدُ عددًا لا يُحصى مِن الأرواح البشريّة! لذلك، إخوتي، علينا ألّا نخافَ ممّا يَحدثُ مِن حَولِنا في العالَم، بل عَلينا أن نَتَمسَّكَ بِكَلِمةِ الله ونُصغيَ إليها باستمرارٍ، لأنَّ فيها وَحدها خلاصَنا.
8 “لأَنَّهُ تَقُومُ أُمَّةٌ عَلى أُمَّةٍ، وَمَملَكَةٌ عَلى مَملَكَةٍ، وَتَكُونُ زَلازِلُ في أَماكِنَ، وَتَكُونُ مَجاعاتٌ وَاضْطِراباتٌ. هذِهِ مُبتَدَأُ الأَوجاعِ.
9 فَانْظُروا إلى نُفُوسِكُم. لأَنَّهُم سَيُسَلِّمُونَكُم إلى مَجالِسَ، وَتُجلَدُونَ في مَجامِعَ، وَتُوقَفُونَ أَمامَ وُلاةٍ وَمُلُوكٍ، مِن أَجلي، شَهادَةً لَهُم”:
إنَّ الحُروبَ لا بُدَّ لها من أن تَحدُثَ في هذا العالَم، لذا يَدعونا الربُّ لا إلى مُشاهدَتِها فقط، بل إلى الاستعدادِ الدَّائم للِّقاءِ به قائلاً لنا: “اُنظروا إلى نفوسِكُم”. وهنا، نَطرحُ السُّؤال: إذا جاءَ المسيحُ اليَوم، هل نَحنُ مُستعِدُّونَ لاستِقبالِه؟ بِمَعنى آخر، هل سنَشعُر بِالفَرح عند لقائِنا بالربِّ، أم أنَّ في داخِلِنا عوائقَ تَمنَعُنا مِنَ الشُّعورِ بِالفَرحِ عند لقائِنا به، كالخَوفِ النَّاتج عن الخطيئة؟ إخوتي، لِنَكُن مُستَعِدِّينَ في كلِّ حِينٍ لِلِقاء الربِّ، ولْنَعمَل على إزالةِ كلِّ العوائقِ الّـتي تَحولُ دون لِقائنا به! في هذا النَّصّ، أخبَرَ الربُّ يسوع تَلاميذَه أنَّهم سيَتعرَّضونَ للاضطهاداتِ بِسَببِ إيمانِهم به، وهذا ما بدأ التَّلاميذُ يَتلمَّسونَهُ سنة 67 م.، إذ قُتِل الرَّسولان بطرس وبولس في روما على عَهدِ الامبراطورِ نَيرون. وفي ما بَعد، تَوالَت الاضطهاداتُ على المسيحيِّين، فكان يَتِمُّ اعتقالُهم وقتَلُهم بِسَببِ رَفضِهم التَّخليّ عن إيمانهم بالربِّ يسوع.
10 “وَيَنبَغي أنْ يُكرَزَ أَوَّلًا بِالإنجِيلِ في جَمِيعِ الأُمَمِ”: إنَّ عِبارةَ “جميعِ الأُمم” لم تَكُن تُشير آنذاك إلى كُلِّ الكُرة الأرضيّة، بل كانت تُشيرُ إلى مِنطَقَةِ فِلَسطين، حَيثُ كان الرُّسلُ مُتواجِدين، إضافةً إلى المنطقةِ المحيطةِ بهم.
11 “فَمَتَى ساقُوكُم لِيُسَلِّمُوكُم، فَلا تَعتَنُوا مِنْ قَبْلُ بِما تَتَكَلَّمُونَ وَلا تَهتَمُّوا، بَل مَهما أُعطِيتُم في تِلكَ السَّاعَةِ فَبِذلِكَ تَكَلَّمُوا. لأَنْ لَسْتُم أَنتُمُ الـمُتَكَلِّمِينَ بَلِ الرُّوحُ القُدُسُ”:
طَلَب الربُّ يسوع إلى تَلاميذِه ألّا يُحضِّروا أقوالَهم على سبيل الاستعدادِ لمواجهةِ الّذين يَضطهِدُونَهُم، لأنَّ الرُّوحَ هو الّذي سَيَتكلَّمُ فِيهِم في ذلكَ الوقت. إنَّ المؤمِنَ لا يَحتاجُ إلى تَقديمِ محاضرةٍ عقائديّةٍ حَول إيمانِه أمامَ الرُّومانِ الّذين كانوا يَضطهدونَه آنذاك، بل إلى الشَّهادةِ أمامَهم بإيمانِه الّذي يَعيشُه في حياتِه اليوميّة. دَعا الربُّ يسوع تلاميذَه إلى الثَّباتِ في إيمانِهم به، وإلى رَفضِ كُلِّ ما يُعرَضُ عليهم مِن إغراءاتٍ للمُحافظةِ على حياتِهم الأرضيّة. في ظلِّ الاضطهاداتِ، على المؤمِن إتِّخاذُ قَرارِه: إمَّا الثّباتِ على الإيمانِ بالربِّ يسوع، أو إنكارِ هذا الإيمانِ ما يعني السُّجود للامبراطورِ ولإلَهِه. إخوتي، لا يَستطيعُ الإنسانُ أن يَعترفَ بأنَّ يسوعَ هو الربُّ، إلّا بِمعونةٍ مِنَ الرُّوحِ القُدُس، وهذا ما يُؤكِّدُه لنا بولسُ الرَّسول، إذ يَقولُ لنا: “وَلَيْسَ أَحَدٌ يَقدِرُ أنْ يَقولَ: “يَسُوعُ رَبٌّ” إلَّا بِالرُّوحِ القُدُسِ” (1 كو 12: 3). إذًا، الرُّوحُ القُدُس هو الّذي يُعطي المؤمِنَ القوَّةَ والثَّباتَ في إيمانِه بالربِّ يسوع، وبالتَّالي على المؤمِن ألّا يَخافَ مِن إعلانِ إيمانِه بالربِّ يسوعَ أمامَ الامبراطور.
12 “وَسَيُسْلِمُ الأَخُ أَخاهُ إلى الـمَوتِ، وَالأَبُ وَلَدَهُ، وَيَقُومُ الأَولادُ عَلى وَالِدِيهِم وَيَقتُلُونَهُم”:
أخبَرَ الربُّ يسوع تَلاميذَه أنَّ أفرادَ العائلاتِ سيَنقَسِمونَ إلى مُؤمِنٍ وغَيرِ مؤمِنٍ بالربِّ، وأنَّ غَيرَ المؤمِنِين بالربِّ يسوع مِن بين هؤلاء سيقومون باضطهاد إخوتهم وآبائهم وقَتِلهم إذ سيَنظرون إليهم على أنّهم أعداؤهم. وبالتَّالي، إنَّ الربَّ يسوع ستكُونُ له الكَلِمَةُ الفَصلُ في العائلات.
13 “وَتَكُونُونَ مُبغَضِينَ مِنَ الجَمِيعِ مِنْ أَجلِ اسْمِي. وَلكِنَّ الَّذِي يَصبِرُ إلى الـمُنتَهَى فَهذَا يَخلُصُ”:
هُناكَ نَوعَان من الـمُنتَهى: المنتهى الأوَّل هو استشهادُ المؤمِنِ عِندَ تَعرُّضِه للاضطهادِ بِسَبَبِ رَفضِه التَّخلِّي عن إيمانِه بِالربِّ، وهذا يعني أنَّ المنتهى الأوّلَ هو مَوتُ الإنسانِ في هذه الأرض، نَتيجةَ ثَباتِه في الإيمان. أمّا المنتهى الثّاني فيتحقَّقُ عندما يأتي المسيحُ ثانيةً ويَكونُ الإنسانُ لا يَزالُ على قَيدِ هذه الحياة. في هذا الإطارِ، يَهمُّنا التَّشديدُ على ضرورةِ أن يَكُونَ الإنسانُ مُستَعدًّا على الدَّوامِ لِيَوم مجيءِ الربِّ، مُبتَعِدًا عن تأجيلِ تَوبَتِه إلى الله إلى ما بعدَ الانتهاءِ من الـمَهمَّة الّتي يَقومُ بها والّتي لا تُرضي الله، لأنّه لا أحدَ يَعلَمُ متى يَكونُ يَومُ مَجيءِ الربِّ. إخوتي، إنَّ الوقتَ لَيسَ مُلكًا لنا لنُتَاجِر به، فنَفْسُ الإنسانِ قد تؤخَذُ مِنه في لَحظةٍ لا يَعرفُها، وهذا ما يُؤكِّدُه لنا الإنجيل، إذ يَقولُ لنا: “فقالَ لَهُ اللهُ: يا غَبيُّ، في هذِهِ اللَّيلةِ تُستَرَدّ نَفسُكَ مِنكَ. فهذا الّذي أعدَدتَهُ لِمَن يكونُ؟” (لو 12: 20).
إذًا، على الإنسانِ انتظارُ يَومِ مَجيءِ الربِّ والاستعدادُ له، لأنَّ يَومَ الربِّ سَيأتي بِطَرِيقتين، أي عَبر مُنتَهَين: إمّا عِندَ انتقالِ الإنسانِ مِن هذه الأرض بِمَوتِه الأرضيّ، وإمّا في انتهاءِ الأزمنةِ، حين يأتي الربُّ ثانيةً ويَكُونُ الإنسانُ لا يَزالُ على قَيدِ الحياة. إنَّ انتظارَ الربِّ يَتطلَّبُ من الإنسانِ التَّحلِّي بالصَّبر. لا يُمكِنُنا التَّحدُّثُ عن الصَّبرِ إلّا في حالةِ الشِّدَّةِ والضَّغطِ والاضطهادِ والحُزنِ والألَم، أي في كلِّ الحالاتِ الّتي تَعتَرضُ حياةَ الإنسانِ وتَدفَعُه إلى الشَّكِ بِوجودِ الربِّ يسوع وإلى التَّساؤلِ حولَ جدوى الاستمرارِ في اتِّباعِه الربَّ. وهذا ما اختَبَرَتْه الكَنيسَةُ الأولى، بِشَكلٍ خاصٍّ، إذ عانى المؤمِنُون مِن الاضطهادِ، وكان عليهم الاختيارُ ما بين الثّباتِ في إيمانِهم، وبالتَّالي الاستشهادِ وتَعرُّضِ عائلاتِهم للضِّيقِ والشِّدَّة، وما بين التَّخلِّي عن إيمانِهم للحِفاظ على حياتِهِم وتأمينِ مُستَقبلٍ لعائلاتهِم في هذه الأرض، على اعتبارِ أنَّ الربَّ يَعرِفُ ما في قلوبِهم مِن مَحبِّةٍ له. إخوَتي، لا يَستطيعُ الإنسان أن يَعيشَ حالةً مِن “انفصامِ الشَّخصيّة” في ما يَتَعلَّقُ بإيمانِه، فَيَعتَبِرُ نَفسَهُ من جهةٍ مُؤمِنًا بالربِّ، ولكنَّه من جهةٍ أُخرى يُبادِرُ إلى إنكارِ إيمانِه بالله عِندَ تَعرُّضِه للاضطهادِ للمُحافظةِ على حَياتِه؛ فاللِّسانُ يَنطِقُ بما في القَلبِ، وهذا ما يُؤكِّدُهُ لنا القدِّيسُ بولسُ الرَّسول، إذ يَقول لنا: “لأَنَّكَ إنِ اعتَرَفتَ بِفَمِكَ بِالرَّبِّ يَسُوعَ، وَآمَنْتَ بِقَلبِكَ أَنَّ اللهَ أَقامَهُ مِنَ الأَمواتِ، خَلَصْتَ” (رو 10: 9). وبالتَّالي، على الإنسانِ المؤمنِ بالله أن يَقتَديَ بِالمسيحيِّينِ الأوائلِ الّذين فَضَّلوا الموتَ على المساومَةِ على إيمانِهم بالربِّ يسوع، لأنَّهم كانوا يُدركون أنَّهم قد لا يَملِكونَ وقتًا كافيًا للتَّوبةِ إلى اللهِ بَعدَ إنكارِهِم له، فأصبَحوا بَعد انتقالِهم مِن هذه الأرضِ شُهداءَ في الكَنيسَةِ.
14 “فَمَتَى نَظَرتُم “رِجْسَةَ الخَرابِ” الَّتي قالَ عَنها دانِيآلُ النَّبِيُّ، قائِمَةً حَيثُ لا يَنبَغِي. – لِيَفْهَمِ القَارِئُ – فَحِينَئِذٍ لِيَهرُبِ الَّذِينَ في اليَهودِيَّةِ إلى الجِبالِ”:
إنَّ عِبارةَ “رِجسَةَ الخَرابِ” تُشيرُ إلى المرحلةِ التَّاريخيّةِ الّتي تمَّ فِيها تَدميرُ الهَيكلِ وتَدنيسُه، فاضَطَّر اليَهودُ آنذاكَ إلى الهروبِ مِن أُورَشَليم.
15 وَالَّذي عَلى السَّطحِ فَلا يَنزِلْ إلى البَيْتِ وَلا يَدخُلْ لِيَأخُذَ مِنْ بَيتِهِ شَيْئًا،
16 وَالَّذي فِي الحَقلِ فَلا يَرجِعْ إلى الوَراءِ لِيَأخُذَ ثَوبَهُ.
17 وَوَيْلٌ لِلحَبالى وَالـمُرْضِعاتِ في تِلكَ الأَيّامِ!
18 وَصَلُّوا لِكَي لا يَكُونَ هَرَبُكُم في شِتاءٍ.
19 لأَنَّهُ يَكُونُ في تِلكَ الأَيّامِ ضِيقٌ لَمْ يَكُنْ مِثْلُهُ مُنذُ ابتِداءِ الخَلِيقَةِ الَّتي خَلَقَها اللهُ إلى الآنَ، وَلَنْ يَكُونَ.
20 وَلَوْ لَمْ يُقَصِّرِ الرَّبُّ تِلكَ الأَيّامَ، لَمْ يَخلُصْ جَسَدٌ. وَلكِنْ لأَجلِ الـمُختارِينَ الَّذِينَ اختارَهُم، قَصَّرَ الأَيّامَ.
21 حِينَئِذٍ إنْ قالَ لَكُم أحَدٌ: هُوَذا الـمَسِيحُ هُنَا! أَوْ: هُوَذا هُناكَ! فَلا تُصَدِّقُوا”:
أخبَرَ الربُّ يسوع تَلاميذَه أنَّهم سيَتعرَّضونَ لاضطهاداتٍ لَم يَروا مِثلَها في التَّاريخِ، إذ قالَ لهم: “لأَنَّهُ يَكُونُ في تِلكَ الأَيّامِ ضِيقٌ لَمْ يَكُنْ مِثْلُهُ مُنذُ ابتِداءِ الخَلِيقَةِ الَّتي خَلَقَها اللهُ إلى الآنَ، وَلَنْ يَكُونَ”، كما طَلبَ إليهم ألّا يُصدِّقوا الأخبارَ الّتي سَيَسمَعونَها والّتي تَقولُ إنَّه موجودٌ هنا أو هناك، لأنّ مَجيئَه الثَّاني لن يَكونَ مُرتَبطًا بأحداثٍ بَشَريّةٍ أو طَبيعيّةٍ كالحُروبِ والزَّلازل. وبالتَّالي، ليسَت علاماتُ نهايةِ الأزمِنَةِ الّتي تُؤكِّدُ لنا اقترابَ مَجيء الربِّ، إنّما مَجيءُ الربِّ هو الّذي يُؤكِّدُ لنا انتهاءَ الأزمِنَةِ.
22 “لأَنَّهُ سَيَقُومُ مُسَحاءُ كَذَبَةٌ وَأَنْبِياءُ كَذَبَةٌ، وَيُعطُونَ آياتٍ وَعَجائِبَ، لِكَيْ يُضِلُّوا لَو أَمكَنَ الـمُختارِينَ أَيْضًا”:
عِندَ سَماعِنا نَشَراتِ الأخبارِ الّتي تَنقلُ إلينا أخبارَ الحُروبِ والزَّلازِلِ والدَّمارِ الحاصِلَةِ في كُلِّ العالَم، يُبادِرُ للأسَفِ بَعضُ المؤمِنِين إلى اعتبارِ كُلِّ ذلك تَأكيدًا على صِحَّةِ أقوالِ هذا الـمُنجِّمِ أو ذاك! وهُنا، يُطرَحُ السُّؤالُ: هَل كُلُّ ما يَحدُث في العالَم يَدفَعُنا إلى تَصديقِ الـمُنجِّمِين؟! في هذا الإطارِ، قالَ لنا الربُّ يسوع: “لا يُضِلُّكُم أَحَدٌ” (مر 13: 5). في إنجيل يوحنَّا، وَصِفَ لنا الربُّ يَسوعُ الشَّيطانَ بِالكذَّاب. إنَّ كَلِمَةَ “كَذَّابٍ” تُشيرُ إلى الشَّخصِ الّذي يَعمَدُ إلى إعطاءِ أقوالِه أو أفعالِه شَكلاً مُشابِهًا للحَقيقةِ ولكنَّه فارغٌ مِن مَضمونِها. إلَيكُم مِثالاً تَوضيحيًا على ما أقولُ: في إحدى الاجتماعاتِ، حَضَر شخصٌ للمُشاركةِ في اللِّقاء حامِلاً بِيَدَيه عُلبةً عَلَيها اسمُ أحدِ أفخمِ مَحلاّتِ الحلَوياتِ في المدينةِ، فظَنَّ مَن رأَوهُ أنّه يَحمِلُ في يَدَيه قالبَ حلوى. ولكنْ، عندما قامَ أحدُ مُنظِّمِي اللِّقاءِ بِفَتحِ العُلبَةِ، تفاجأ عندما رآها فارغةً.
في هذا الـمَثَل، نُلاحظ أنَّ الشَّخص الّذي دَخلَ إلى القاعةِ هو شخصٌ كذَّابٌ، لأنَّهُ استَعمَلَ العُلبَة الّتي تُشيرُ إلى حَقيقةٍ مُعَيَّنةٍ، وجَعلَها فارغةً مِن مَضمونِها. هذا هو مَفهومُ الهَرطقَةِ في الكَنيسَةِ! فَمُنذُ نَشأتِها، شَهِدَتِ الكَنيسَةُ على نُشوءِ العديدِ مِنَ البِدَعِ والهَرطقاتِ، وما زالَتْ إلى يَومِنا هذا تَشهدُ على نُشوءِ مِثلِ تِلكَ الجماعاتِ، الّتي تَقومُ على تَبَنيّ أفكارٍ مُخالِفَةٍ لِتَعاليمِ الإنجيل مُعطيةً إيَّاها شَكلاً تَقَويًّا لِتَتمكَّنَ مِن غَشِّ المؤمِنِين، خُصوصًا في المسائلِ الّتي تُشكِّل مَصدَرًا للجَدَل بَينَ المؤمِنِين. فعلى سبيل الـمِثال: قامَ بَعضُ المؤمِنِين بالحَثِّ على تَشريع الـمِثليّة على اعتبارِ أنَّ الربَّ يسوع دَعانا إلى مَحبَّة الجَميعِ وتَقبُّلِهِم على الرُّغمِ مِن اختِلافاتِهم. إخوَتي، إنَّ المسيحَ قد دعانا إلى محبَّةِ الخاطِئينَ لا إلى تَشريعِ الخطيئة، وبالتَّالي كُلُّ مَن يُشرِّعُ الخطيئةَ هو مَسيحٌ كذَّابٌ، لأنَّهُ يَستَخدِمُ عِباراتٍ تَقَويّةً تُؤثِّرُ في نُفوسِ المؤمِنِينَ لإبعادِهم عن الإيمانِ الصَّحيح.
إنَّه مِن السَّهلِ على الـمُسَحاءِ الكَذَبةِ الإيقاعُ بِكُلِّ مَن كانَ إيمانُه بِالربِّ ضَعيفًا، ولَكِنَّهُ مِن الصَّعبِ عَليهم الإيقاعُ بِمَن كان إيمانُه ثابتًا في الربِّ! للأسَفِ، يَشهدُ التّاريخُ البَشريُّ على قِيامِ بَعضِ البَشرِ بِقَتلِ إخوَتِهِم في الإنسانيّةِ بِسَبب اختِلافِهم في العقيدة. إخوَتي، إنَّ كُلَّ تَعليمٍ مُخالفٍ لِتَعاليمِ المسيحِ هو كَذِبٌ وافتِراء، إذ لا حقيقةَ خارجَ المسيح؛ ولَكِنْ هذا لا يَعني أبدًا أنَّ الحقيقةَ مَوجودةٌ فقط في الكَنيسَةِ، إنّما هي مَوجودةٌ في شَخصِ المسيح وَحدَهُ.
إنَّ الإنسانَ المؤمِنَ هو ذاكَ الإنسانُ الّذي يَكتَشفُ الحقيقةَ الموجودةَ في شَخصِ يسوعَ المسيح، فيُعلِنُها أمام الكَنيسَةِ، فتَشهدُ له هذه الأخيرةُ على إيمانِه. تَخيَّلوا معي إخوتي، أنْ نَكونَ، نحنُ الخطأةَ، المعرَّضِين للسُّقوطِ في كُلِّ حِينٍ، حامِلِينَ للحَقيقة! حِين يُعلِنُ الإنسانُ إيمانَه بالرّبِّ يسوع، فهذا لا يعني أنَّه قَبِل أن يَحمِلَ المسيح، بل يعني أنّه قَبِل أن يَحمِلَهُ المسيحُ يسوع. حِينَ يَحمِلُ المؤمِنُ إلَهَه، فهذا يعني أنَّه حوَّله إلى صَنمٍ، وبالتَّالي أصبحَ المؤمِنُ مُشابِهًا للوَثَنِيِّين الّذينَ يَقومونَ بِنَقلِ آلِهَتِهم مَعَهم أينما ذَهَبوا. غَيرَ أنَّ إلهَنا ليس صَنمًا، بل هو إلهٌ حَيّ، وهذا ما يُؤكِّدُهُ لنا سِفرُ تَثنيةِ الخُروج، إذ يَقولُ لنا: “وأَنا حَمَلتُكُم عَلى أَجنِحَةِ النُّسُورِ وَجِئْتُ بِكُم إلَيَّ” (خر 19: 4)، وهذا يعني أنَّ اللهَ هو الّذي حَمَلَ شَعبَه واجتازَ بِهِم البَحرَ الأحمر، لا العكس. حِينَ يُهدِّدُ المؤمِنُ اللهَ بالابتعادِ عنه إنْ لم يُحقِّقْ له طِلباتِه، يَتحوَّل هذا المؤمِنُ إلى مَسيحٍ كذَّابٍ.
في هذا النَّصِّ، نُلاحِظُ أنَّ الربَّ يسوع خائفٌ على مُختاريه مِنَ الوقوعِ في فَخِّ هؤلاءِ الـمُسحاءِ الكَذَبةِ، لأنَّ هؤلاءَ سَيَكُونونَ قادِرينَ على القِيامِ بالأعاجيب. في هذا الإطارِ، أودُّ الإشارةَ إلى أمرٍ في غايةِ الأهميّةِ وهو أنَّ الأُعجوبةَ لا تُشيرُ بالضَّرورةِ إلى قداسةِ مَن يَقوم بِها، أي أنَّها لا تَجزِمُ لنا أنّ مَن يَقومُ بها هو مُرسَلٌ حقًّا مِن عند الله. قد يتفاجأُ البَعضُ عِند سَماعِهم هذا الكلامَ، لأنَّهم يَعتَقِدونَ أنَّ الأعاجيبَ هي الشَّرطُ الأساسيّ الّتي تَدفع الكَنيسةَ إلى إعلانِ قداسةِ شَخصٍ مُعَيّنٍ.
إخوَتي، إنَّ اللهَ يَستَريحُ في قدِّيسِيه، وبالتَّالي لَيسَ القِدِّيسُ مَن هو قادرٌ على القِيامِ بالأعاجيبِ، إنّما هو مَن سَمَح لله بأن يَسكُنَ في داخِلِه. صحيحٌ أنَّ بَعضَ القدِّيسِينَ يَقومونَ بالأعاجيبِ، ولَكِنَّ قَداسَتَهم لا تَستَنِدُ إلى الأعاجيبِ الّتي قاموا بِها، إنّما على علاقتِهِم بالله. إنَّ مسألةَ الأعاجيبِ هي أزمةُ الأزماتِ عند المسيحيِّين، لذا نَراهُم يُسارِعونَ إلى زيارةِ المكانِ الّذي تَمَّتْ فيه الأعجوبة، فيَستَغلُّ تُجّارُ الهَيكلِ والصَّيارفةُ وباعةُ الحَمامِ هذا الحَدثَ للاستفادةِ مِنهُ ماديًّا. قامَ الربُّ يَسوعُ بِطَردِ بائعِي الحَمامِ مِنَ الهَيكلِ، لأنَّ الحَمامَ يَرمزُ إلى الرُّوحِ القُدسِ في الكِتابِ المقدَّسِ، وبِالتَّالي قَام الربُّ بِطَردِهم لأنَّهم يُتاجِرونَ بالرُّوحِ القُدُسِ. كما طَردَ الربُّ أيضًا الصَّيارفةَ مِن الهَيكل لأنّهم يُتاجِرونَ بالله.
23 فَانظُرُوا أَنتُم. ها أَنا قَدْ سَبَقْتُ وَأَخبَرتُكُم بِكُلِّ شَيءٍ.
24 وَأَمَّا في تِلكَ الأَيَّامِ بَعدَ ذلِكَ الضِّيقِ، فَالشَّمْسُ تُظلِمُ، وَالقَمَرُ لا يُعطِي ضَوءَهُ،
25 وَنُجُومُ السَّماءِ تَتَساقَطُ، وَالقُوَّاتُ الَّتي في السَّماواتِ تَتَزَعزَعُ”.
عِندَ مَجيءِ المسيحِ يسوع، سَيُظلِم القمرُ والشَّمسُ وتَتساقطُ النُّجومُ، لأنَّ الربَّ يسوع هو النُّورُ الحَقيقيّ؛ وبالتَّالي عِندَ حضورِ النُّورِ الحقيقيّ، لن يَحتاجَ المؤمِنُ إلى أيِّ نورٍ آخَر. إنَّ الشَّمسَ والقَمَرَ سيُظلِمان والنُّجومَ ستَتَساقطُ مَع مجيءِ المسيح، وهذا يعني أنَّ هذه الأحداثَ لن تَحصلَ الواحِدَةَ تِلوَ الأُخرى، بل ستَحصلُ كُلُّها في آنٍ معًا.
26 “وَحِينَئِذٍ يُبصِرُونَ ابْنَ الإنسانِ آتِيًا في سَحابٍ بِقُوَّةٍ كَثِيرَةٍ وَمَجدٍ”: إنَّ هذهِ الآيةَ تُذكِّرُنا بِصُعودِ المسيحِ إلى السَّماءِ، إذ يُخبِرُنا سِفرُ أعمالِ الرُّسلِ أنَّه عِندَ صعودِ المسيحِ إلى السَّماءِ، ظَهر مَلاكٌ للرُّسلِ وقَالَ لهم إنَّ الربَّ يسوعَ سيَعودُ ثانيةً، كما رآوه صاعِدًا إلى السَّماء، مِن دونِ أن يُحدِّدَ لهم مَوعدًا لِحُصولِ ذلك.
27 “فَيُرْسِلُ حِينَئِذٍ مَلائِكَتَهُ وَيَجمَعُ مُختارِيهِ مِنَ الأَربَعِ الرِّياحِ، مِن أَقصاءِ الأَرضِ إلى أَقصاءِ السَّماءِ”:
إنَّ الرَّقمَ أربعةَ يُشيرُ إلى جِهاتِ الكَونِ الأَربَع، أي إلى الكَونِ كُلِّه.
28 “فَمِنْ شَجَرَةِ التِّينِ تَعَلَّمُوا الـمَثَلَ: مَتَى صَارَ غُصْنُها رَخْصًا وَأَخرَجَتْ أَوراقًا، تَعلَمُونَ أَنَّ الصَّيفَ قَرِيبٌ”:
في هذهِ الآيةِ، لم يُخبِرْنا الربُّ عن العلاماتِ الّتي تَدُلُّ على اقترابِ فَصلِ الصَّيفِ، بل عن العَلاماتِ الّتي تُؤكِّدُ لنا حُلولَ فَصلِ الصَّيف. وبالتَّالي، أرادَ الربُّ يسوع أن يَقولَ لنا إنَّ العلاماتِ الّتي تَدُلُّ على نِهايةِ الأزمِنَةِ لن تَسبقَ مَجيئَه الثَّاني بل سَتَتَزامنُ مَعَه، أي أنَّه لن يَكونَ هُناكَ فارقٌ زمَنيّ بَين العلاماتِ الّتي تُشيرُ إلى نِهايةِ الأزمِنَة وبَينَ مَجيئِه الثّاني. إذًا، إنّ العَلامات الّتي تَرونَها في عالَمِنا اليَوم والّتي تُشبِهُ العَلاماتِ الّتي تَكلَّمَ عَليها الربُّ يسوع لا تَعني أبدًا أنَّ مَجيءَ الربِّ يَسوعِ أصبحَ قَريبًا، إذ لا أحدَ يَعلمُ مَتى سَيَكُونُ مَجيءُ الربِّ. لذا، علينا الاستعدادُ لِيَومِ مَجيءِ الرَّبِّ لا بِمُراقبةِ النُّجومِ والأفلاكِ، إنَّما بِتَهيئَةِ نُفوسِنا، إذ قال لنا الربُّ: “أُنظروا إلى نُفوسِكُم”.
29 “هَكَذا أَنتُم أَيضًا، مَتَى رَأَيتُم هذِهِ الأَشياءَ صائِرَةً، فَاعلَمُوا أَنَّهُ قَريبٌ على الأَبوابِ”:
إنَّ عبارةَ “قَريبٌ على الأبوابِ” تُشيرُ إلى أنَّ الربَّ قد أصبحَ قَريبًا مِنّا في المكانِ لا في الزَّمانِ، إذ لا أحدَ يَعلَم مَتى يَكُونُ يومُ مَجيءِ الربِّ. إنَّ الربَّ أصبحَ قريبًا مِن كًلِّ واحدٍ منّا، إذ إنّه وَاقفٌ على أبوابِ بيوتنِا وقد دَخل إليها، وهذا يَعني أنَّه قد أتى حقًّا إلينا. إخوَتي، عَلينا أن نَستَعِدَّ لِيَومِ مَجيءِ الرَّبِ قَبلَ أن يأتي ذلكَ اليَوم، لأنَّه حِينَ يأتي لن يَكون هناك وَقتٌ لِذَلك. هُنا أتَذكَّرُ قِصَّةَ ذلكَ القِدِّيسِ الّذي سُئِلَ يَومًا: ما الّذي سَتَفعَلُه إذا عَلِمتَ أنّ الربَّ قد أتى ثانيةً؟ أجابَ قائلاً إنَّه سَيُتابِعُ العَمَل الّذي يَقومُ به، لأنّه كان مستعدًّا للّقاءِ به، في كلِّ حينٍ.
30 “اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: لا يَمضِي هَذا الْجِيلُ حَتَّى يَكُونَ هَذا كُلُّهُ.
31 “اَلسَّماءُ وَالأَرضُ تَزُولانِ، وَلكِنَّ كَلامِي لا يَزُولُ”:
إنَّ الإنجيليَّ مَرقُس قد دَوَّن إنجيلَه هذا في الجِيلِ الأوَّلِ للمَسيحِيَّة، وهذا يعني أنّه شاهدَ الاضطهاداتِ الّتي بدأ المسيحِيُّون يُعانونَ مِنها، فأدرَكَ أنَّ ما كلَّمَهُم به الربُّ بدأ يَتحقَّق فِعلاً. إخوتي، إنَّ كلامَ الربِّ حَولَ علاماتِ نِهايةِ الأزمِنَةِ يتحقَّقُ في كُلِّ الأجيال، وهذا يَعني أنَّ كلَّ جِيلٍ مِن البَشريّةِ قد اختَبَر “علاماتِ نِهايةِ الأزمِنَة” واعتقدَ أنَّه سيَشهَدُ على مَجيءِ الرَّبِّ الثّاني. إخوَتي، لا أحدَ يَعلَمُ الوَقتَ الّذي فيه سَيأتي الربُّ، لذا علينا البَقاءُ على استعدادٍ دائمٍ للّقاءِ به في كلِّ حِينٍ. فعلى سبيلِ الـمِثال، في الحَربِ العالميّةِ الأُولى، عانَتِ الشُّعوبُ من الجُوعِ وشَهدَت على دَمارٍ كَبير، فاعتقدوا أنَّ كُلَّ ما يَحدثُ مَعهم يَدُلُّ على اقترابِ يَومِ مَجيءِ الربِّ. إخوتي، إنَّ المسيحَ في قلوبِكُم! وبالتَّالي، لا أحدَ يَستطيعُ إعلامَكم بِموعدِ يَومِ مَجيئه إلّا هو. فلا يمكنُنا إلغاءُ كلامِ الربِّ ولا تَغييرُ حَرفٍ فيه.
32 “وَأَمَّا ذلِكَ اليَومُ وَتِلكَ السَّاعَةُ فَلا يَعلَمُ بِهِما أَحَدٌ، وَلا الـمَلائِكَةُ الَّذِينَ في السَّماءِ، وَلا الابْنُ، إلّا الآبُ”:
بَعدما أعطانا الربُّ يسوع عَلاماتِ نِهايةِ الأزمِنَةِ، ها هو يَقولُ لنا الآن إنَّ لا أحدَ يَعرفُ موعِدَ يَومِ مَجيئِه إلّا اللهَ الآبَ وَحدَه. إنَّ عِبارةَ “ولا الابن” تَدُلُّ على أنَّ الآبَ هو مَصدَرُ كُلِّ شيء، كما تُشيرُ إلى أنَّ الابنَ قد نَسَبَ كُلَّ شيءٍ لأبيهِ، وهذا يَدُلُّ على المحبَّةِ المتبادَلَةِ بَين الآبِ والابن. في هذا الإطارِ، يَهمُّني أنْ ألفِتَ انتِباهَكُم إلى أنَّ الهَراطِقةَ قد استنَدوا إلى هَذهِ العِبارةِ كي يَزعَموا أنَّه لا مساواةَ بَين الآبِ والابنِ.
33 “اُنظُرُوا! اِسْهَرُوا وَصَلُّوا، لأَنَّكُم لا تَعلَمُونَ مَتَى يَكُونُ الوَقْتُ”:
إنَّ هذهِ الآيةَ تُشكِّلُ وَصِيَّةَ الرَّبِّ لنا وفِيها يَطلبُ مِنّا السَّهرَ والصَّلاة. إنَّ عبارةَ “انظُروا” تَعني انتَبهوا، وعبارةَ “اسهَروا” تَعني تَيَّقظوا، وعبارةَ “صَلُّوا” تَعني تَعلَّقوا بي أنا الربّ. هذا ما عَلينا القيامُ به! إنَّ المؤمِنَ الحقيقيَّ هو الّذي يَنتَظرُ يَومَ مَجيءِ الرّبِّ بِالسَّهرِ واليَقظةِ والصَّلاةِ، لذا نَراهُ على صِلةٍ دائمةٍ مَع الربِّ، أي في حالةٍ صلاةٍ في كلِّ عملٍ يَقوم به.
34 كَأَنَّما إنسانٌ مُسافِرٌ تَرَكَ بَيتَهُ، وَأَعطَى عَبِيدَهُ السُّلطانَ، وَلِكُلِّ واحِدٍ عَمَلَهُ، وَأَوْصَى البَوَّابَ أَنْ يَسهَرَ.
35 اِسْهَرُوا إذًا، لأَنَّكُم لا تَعلَمُونَ مَتَى يأتي رَبُّ البَيْتِ، أَمَسَاءً، أَمْ نِصْفَ اللَّيلِ، أَمْ صِيَاحَ الدِّيكِ، أَمْ صَباحًا.
36 لِئَلّا يأتيَ بَغتَةً فَيَجِدَكُم نِيَامًا!
37 وَما أَقُولُهُ لَكُم أَقُولُهُ لِلجَمِيعِ: اسْهَرُوا”:
هذه هي أهمُّ وصيَّةٍ مِنَ الربِّ لنا: “اسهَروا”، فالربُّ يُريدُ مِنّا أن نَكونَ مُتَيِّقظِينَ وساهِرينَ بِانتظارِ يَومِ مَجيئِه، فَنَكونَ على استعدادٍ دائمٍ للِّقاء به.
في هذا الإصحاح، قدَّمَ لنا الإنجيليُّ مَرقسُ صُورةً رؤيويّةً عن نِهايةِ الأزمِنَةِ، قَبلَ الانتقالِ إلى الإصحاحاتِ الأخيرةِ مِن إنجيلِه الّتي يَتناولُ فيها مَوضوعَ آلامِ الربِّ يسوعَ ومَوتِه على الصّليب وقِيامَتِه المجيدة. في هذا الإصحاح، يَدعونا الربُّ يسوع إلى انتظارِ يَومِ مَجيئِه لا بالتَّلهي بما يَحدثُ مِن حَولِنا مِن دمارٍ وجوعٍ، إنّما بالاستعدادِ الدَّاخليِّ للّقاءِ به، لذا قالَ لنا: “أُنظُروا إلى نُفوسِكُم”. إخوتي، علينا أن نَكونَ مُستَعِدِّين للقاءِ الرّبِّ متى جاء، أكان الآن أمْ فِي ما بَعد، أَكُنَّا أمواتًا أم أحياءَ في هذهِ الأرض، أَكُنّا في أوقاتِ الرَّاحةِ أمْ في أوقاتِ الشِّدَّة. إنَّ اللهَ لا يَتَغيّرُ أبدًا؛ ولكنَّ تَعامُلَ الإنسانِ مع اللهِ هو الّذي يتَغيّرُ انطِلاقًا مِن الحالةِ الّتي يَمرُّ بها: فإذا كانَ الإنسانُ مرتاحًا تَكَلَّمَ مع اللهِ بِلُغةٍ مُختَلِفَةٍ عن تِلكَ الّتي يَستَعمِلُها مع الله إذا كان يُعاني مِنَ الضِّيق.
لذا، علينا أن نسعى كي تَكونَ لُغتُنا مع اللهِ واحدةً في كُلِّ الظُّروفِ، فَنكونَ في حالةِ يَقظةٍ دائمةٍ وساهِرينَ ومُستَعِدّينَ للقاءِ الربِّ، وفي حالةِ صلاةٍ لا تَنقَطِع، فلا نَخافَ مِن يَومِ مَجيءِ الرَّبِّ، إذا رأينا علاماتِ نِهايةِ الأزمِنَةِ الّتي كلَّمَنا عليها الرَّبُّ يسوع والّتي تَتكَرَّرُ في كُلِّ جيلٍ. وبالتَّالي، إذا كان الإنسانُ غيرَ مُتيِّقظٍ وغَيرَ ساهرٍ وبعيدًا عن حالةِ الصّلاة، فإنَّه سيَعيشُ لا محالةَ في حالةِ خَوفٍ دائمٍ عِند رؤيتِه عَلاماتِ نِهايةِ الأزمِنَةِ الّتي أخبَرَنا بها الربُّ يسوع. إنّ الخَوف هو شعورٌ إنسانيٌّ طبيعيّ عِند سَماعِنا ما يحدُثُ مِن حَولِنا، ولكنْ على هذا الخَوف ألّا يُلازمَ المؤمِنَ كلَّما فَكَّرَ بنِهايةِ الأزمِنَةِ، إذ عليه أن يَكونَ مستعدًّا لِذَلكَ اليَومِ بِفَرحٍ للقاءِ الربِّ. ولذا، قالَ لنا الربُّ: “أُنظروا إلى نفوسِكُم”، أي اهتَّموا لخَلاصِ نُفوسِكُم واسعَوا لِتَكونُوا مُستَعِدِّينَ لِيَومِ اللِّقاءِ بي. آمين.
ملاحظة: دُوِّنت المحاضرة بأمانةٍ مِن قِبَلِنا.
