تفسير الكتاب المقدّس

الأب ابراهيم سعد

إنجيل القدّيس مرقس الرّسول – الإصحاح الثامن

في هذا المقطعِ من الإصحاحِ الثّامن، يُخبِرُنا الإنجيليُّ مَرقس عن أُعجوبةِ تكثيرِ الخُبز، وهو كان قَد ذَكَرَ أُعجوبةً مُماثِلةً لها في الإصحاحِ السّادسِ مِن إنجيلِه. هنا، نَطرحُ السُّؤالَ: ما الفَرقُ بَين الأُعجوبَتَين؟ إنَّ أُعجوبةَ تَكثيرِ الخُبز الّتي ورَدَتْ في الإصحاحِ السّادسِ مِن إنجيلِ مَرقس قَد تمَّتْ في بِيئةٍ يَهوديّة، أمَّا الأُعجوبةُ الواردةُ في هذا الإصحاحِ فَقَد تمَّتْ في بِيئةٍ أُمَميِّةٍ أي بِيئَةٍ وثنيّة. مِن خلالِ ذِكره هاتَين الأعجوبَتَين الـمُتشابِهَتين، أرادَ الإنجيليُّ مرقس أن يقولَ لنا إنّ الربَّ يُريدُ أن يَمنَحَ خَلاصَه للجَميع: يَهودًا كانوا أَم وَثنيِّين. في الأُعجوبةِ الأُولى لتَكثيرِ الخُبز، الّتي وَرَدَتْ في الإصحاحِ السَّادسِ، يَذكُر لنا الإنجيليُّ مَرقُس أنَّ الربَّ يسوع قامَ بِتَكثيرِ خَمسةِ أرغفةٍ وأنَّ فَضَلاتِ الطَّعام قد مَلأتْ اثنَتَي عشرَةَ سَلَّةً.

إنَّ الرَّقمَ خَمسَة يَرمزُ إلى الأسفارِ الموسَوِيَّة الخَمسَة أي إلى التَّوراة، والرَّقم اثنَي عَشَر يَرمزُ إلى عددِ أسباطِ إسرائيلَ الاثنَي عَشَر، وبالتّالي يمكنُنا القَولُ إنّ هذهِ الأُعجوبةَ قد تَمَّتْ في البِيئَةِ اليَهوديَّة. أمّا في الأُعجوبةِ الثّانية، المذكورةِ في هذا الإصحاح، فيُخبِرُنا الإنجيليُّ مَرقس أنَّ الربَّ قامَ بِتَكثيرِ سَبعةِ أرغفةٍ وأنّه أَطعمَ نحو أربَعةِ آلافِ إنسانٍ. إنَّ الرَّقمَ سَبعة يَرمزُ إلى الكَمالِ القُدسيّ، والرَّقمَ أربَعة يَرمزُ إلى جِهاتِ العالَم الأربعِ والرَّقمَ ألفٍ يُشيرُ إلى عددٍ غير محدودٍ، وقد قُلنا سابقًا عندما شرَحنا كِتابَ سِفرِ الرُّؤيا أنّ هذه الأرقامَ تُشيرُ إلى العالَمِ الوثنيّ، لذا يمكنُنا القَولُ إنَّ هذه الأُعجوبةَ قد تَمَّتْ في البِيئَةِ الأُمَميَّةِ أي في البِيئَةِ الوَثَنِيّة. مِن خلالِ هذه الأُعجوبةِ الّتي ذَكرَها القَدِّيسُ مَرقس في هذا الإصحاح، أرادَ أن يَقولَ لنا إنّه لا حاجةَ لِلوَثَنيِّينَ للمرورِ بِالشَّريعةِ اليَهوديّةِ للحُصولِ على الخلاص، إذ إنّهم يَستطيعونَ الحُصولَ عَلَيه مِن خلالِ إيمانِهم بيَسوعَ المسيحِ فقط. هذه هي مُشكلةُ الفِرِّيسِيِّينَ ورؤساءِ اليَهودِ مع الربِّ أوّلاً، ثمّ مع كُلِّ الرُّسل.

1  “فِي تِلْكَ الأَيَّامِ إِذْ كَانَ الْجَمْعُ كَثِيرًا جِدًّا، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مَا يَأْكُلُونَ، دَعَا يَسُوعُ تَلامِيذَهُ”: يُخبِرُنا القدِّيسُ مَرقس، في أُعجوبةِ تَكثيرِ الخُبزِ الواردةِ في هذا الإصحاحِ، أنَّ الجَمعَ كانَ ” كَثِيرًا جِدًّا”، في حِين أنَّهُ اكتَفَى بِإخبارِنا في الإصحاحِ السَّادسِ أنَّ الجَمعَ كان “كثيرًا”، وأرادَ بِذَلكَ أن يَقولَ لنا إنَّ الجَمعَ هنا يَشمُلُ العالَم أجمَع.

2  “وَقَالَ لَهُمْ: “إِنِّي أُشْفِقُ عَلَى الـجَمْعِ، لأَنَّ الآنَ لَهُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ يَمْكُثُونَ مَعِي وَلَيْسَ لَهُمْ ما يأكُلُونَ”: إنَّ عبارةَ “إِنِّي أُشْفِقُ عَلَى الْجَمْعِ،” الّتي قالها يسوع، تُشير إلى أنّ هذا الجَمعَ الحاضرَ وَثَنيٌّ، وبالتّالي هو يَعيشُ تَحتَ حُكمِ الشَّيطان. إنَّ الرَّقمَ ثلاثةَ يُشيرُ إلى موتِ المسيحِ وقِيامَتِه؛ وهذا يعني أنَّ هذا الجَمعَ الّذي كان مائتًا بِسَببِ وجودِه تَحتَ حُكمِ الشَّيطان، سَيَقومُ مع الربِّ، حين يُعلنُ هذا الشَّعبُ قبولَه كَلمةِ الله. إنَّ الحديثَ عن الطَّعامِ هُنا يَرمزُ إلى الحياة. إذًا، عاشَ هذا الجَمعُ مَع الربِّ ثلاثةَ أيّامٍ مِن دونِ طعام، وهذا يَرمزُ إلى الموت، وها هُم الآن يأكُلون بِفَضلِ الأُعجوبةِ الّتي قامَ بها الربُّ يسوع. مِن خلالِ هذا الكلامِ، نَستَنتِجُ أنَّ الجميعَ قادرٌ على الحُصولِ على خلاصِ الربِّ، متى آمَنوا به.

3 “وَإِنْ صَرَفْتُهُمْ إِلَى بُيُوتِهِمْ صَائِمِينَ يُخَوِّرُونَ فِي الطَّرِيقِ، لِأَنَّ قَوْمًا مِنْهُمْ جَاءُوا مِنْ بَعِيدٍ”: إنّ الصَّومَ يُشيرُ إلى عدمِ وجودِ طعامٍ، أي إلى انعِدامِ الحياةِ. إنّ عِبارةَ “يخوِّرون في الطريق”، تُشيرُ إلى أنّ هذا الجَمعَ ذاهبٌ نحو الموت؛ أمَّا عِبارةُ “مِن بَعيد”، فتُشيرُ إلى الأُممِ أي إلى الوَثَنِيِّين. ما بَينَ الأُعجوبةِ الأُولى في الإصحاحِ السَّادسِ الّتي تَمَّتْ في البِيئةِ اليَهوديّة، والأُعجوبةِ الثَّانيةِ في هذا الإصحاحِ الّتي تَمَّتْ في البِيئةِ الوَثَنِيَّةِ، أخبَرَنا الإنجيليُّ مَرقس، في الإصحاحِ السّابع، عن المرأةِ الكِنعانيّةِ الوثَنِيَّةِ الّـتي نَالَتِ الخَلاصَ بِإيمانِها بِيَسوعَ المسيح. وبهذه الطريقةِ، انتَقَل الإنجيليُّ مَرقس مِن البِيئَةِ اليَهوديّةِ إلى البِيئَةِ الوَثَنيِّة قائلاً لنا إنَّ خلاصَ الربِّ هو للجميعِ من دونِ استثناء.

4  “فَأَجَابَهُ تَلامِيذُهُ: “مِنْ أَيْنَ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يُشْبِعَ هؤُلاَءِ خُبْزًا هُنَا فِي الْبَرِّيَّةِ؟”: إنّ المقصودَ هُنا بِعِبارةِ “البَريَّةِ” هو الصَّحراء، وهي تُشيرُ إلى عدمِ وجودِ أيِّ مقوِّماتٍ للعَيشِ فيها، أي أنَّ في هذا المكانِ لا يوجدُ طعامٌ ولا ماء.

5  “فَسَأَلَهُمْ: “كَمْ عِنْدَكُمْ مِنَ الْخُبْزِ؟” فَقَالُوا: “سَبْعَةٌ”.

6 فَأَمَرَ الْجَمْعَ أَنْ يَتَّكِئُوا عَلَى الأَرْضِ، وَأَخَذَ السَّبْعَ خُبْزَاتٍ وَشَكَرَ وَكَسَرَ وَأَعْطَى تَلامِيذَهُ لِيُقَدِّمُوا، فَقَدَّمُوا إِلَى الْجَمْعِ.

7 وَكَانَ مَعَهُمْ قَلِيلٌ مِنْ صِغارِ السَّمَكِ، فَبَارَكَ وَقَالَ أَنْ يُقَدِّمُوا هذِهِ أَيْضًا.

8  “فَأَكَلُوا وَشَبِعُوا. ثُمَّ رَفَعُوا فَضَلاَتِ الْكِسَرِ: سَبْعَةَ سِلاَل.

كَانَ الآكِلُونَ نَحْوَ أَرْبَعَةِ آلاَفٍ. ثُمَّ صَرَفَهُم.”:

إنَّ الجَمعَ قَد اتَّكَأ على الأرضِ بِانتظارِ الطَّعام، كما يَتَّكِئُ الغَنمُ بِانتظارِ الحصولِ على الطَّعامِ مِن الرَّاعي. لقد ذَكَرَ الربُّ يَسوع في هذه الأُعجوبةِ، العِباراتِ نَفسَها الّتي ذَكَرها في الأُعجوبةِ الأُولى: “وَشَكَرَ وَكَسَرَ وَأَعْطَى تَلاَمِيذَهُ”. إنّ الرَّقم سبعة يُشير إلى الكَمالِ، وبالتّالي كُلُّ مَن سَيَأتي لاحِقًا إلى الربِّ، سيَجِدُ طعامًا له.

10 “وَلِلْوَقْتِ دَخَلَ السَّفِينَةَ مَعَ تَلامِيذِهِ وجَاءَ إلى نَوَاحي دَلْمَانُوثَةَ.”: إنّ السَّفينةَ تَرمزُ إلى الكنيسةِ. على الرُّغمِ مِن قيامِ يَسوع بِأُعجوبَتَين لِتَكثيرِ الخُبز، ما زالَ الرُّسلُ غَيرَ قادِرينَ على فَهمِ سرِّ المسيحِ؛ وقد قُلنا إنّه انطِلاقًا مِن هذا الإصحاحِ سَيَبدأ القدِّيسُ مَرقس بِإخبارِنا عن هذا السِّرّ.

11  “فَخَرَجَ الفَرِّيسِيُّونَ وَابتَدَأُوا يُحاوِرُونَهُ طَالِبِينَ مِنْهُ آيَةً مِنَ السَّمَاءِ، لِكَيْ يُجَرِّبُوه.”: كما في الأُعجوبةِ الأُولى لِتَكثيرِ الخُبزِ، كذلِكَ في الأُعجوبةِ الثَّانِية، جاءَ الفِرِّيسِّيون إلى يَسوع للإيقاعِ به، فَهُم يُؤمِنون بالتَّقاليدِ اليَهوديّةِ  ويعتَبِرونَ أنّ لا خلاصَ للإنسانِ خارجَ الشَّريعةِ اليَهوديّة.

12  “فَتَنَهَّدَ بِرُوحِهِ وقَالَ: “لِمَاذَا يَطْلُبُ هذَا الْجِيلُ آيَةً؟ اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: لَنْ يُعْطَى هذَا الْجِيلُ آيَةً!”: إنَّ عبارةَ ” تَنَهَّدَ بِرُوحِهِ” تَدلُّ على انزعاجِ يَسوع مِن نِقاش الفرِّيسِين معه، لأنَّهم على الرُّغمِ مِن كُلِّ الأعمالِ الّتي قامَ بها يسوع، ما زالوا يُطالبونَه بالـمَزيد من الآياتِ، وقد استَمرُّوا في ذَلِكَ إلى يَومِ الصَّلبِ إذ طَلبُوا مِنه أن يَنزِلَ عنِ الصَّليبِ كي يُؤمِنوا به. مِن خلالِ قَولِه: “لَنْ يُعْطَى هذَا الْجِيلُ آيَةً!”، نُدرِكُ أنَّ الربَّ يسوع قد حَكَمَ على هذا الجِيل بأنَّه لن يُؤمِنَ به مَهما فعل، لذا لم يُعطِهِم المزيدَ من الآيات.

13  “ثُمَّ تَرَكَهُمْ وَدَخَلَ أَيْضًا السَّفِينَةَ وَمَضَى إِلَى الْعَبْرِ”: لم يُتابِعِ الربُّ يسوع النِّقاشَ مع الفرِّيسِّين، بل تَرَكَهُم ودَخَل إلى السَّفينةِ مع تَلاميذِه.
14 “وَنَسُوا أَنْ يَأْخُذُوا خُبْزًا، وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ فِي السَّفِينَةِ إِلَّا رَغِيفٌ وَاحِدٌ”: إنّ هذا الرَّغيفَ الواحِدَ الموجودَ مع التّلاميذِ، هو يسوع. في الكنيسة، يَرمزُ هذا الرَّغيفُ الواحِدُ إلى جَسدِ الربِّ.

15  “وَأَوْصَاهُمْ قَائِلًا: “انْظُرُوا! وَتَحَرَّزُوا مِنْ خَمِيرِ الْفَرِّيسِيِّينَ وَخَمِيرِ هِيرُودُسَ”: طَلبَ الربُّ يسوعُ مِن تلاميذِه الانتباهَ مِن “خَمير الفرِّيسِين”، أي مِن عَيشِ روحيّة الفرِّيسيِّين والتمسُّكِ بِتَفكيرِهم الـمَبنيِّ على السَّطحيّةِ والقشور؛ كما طَلبَ مِنهم الانتباهَ أيضًا مِن “خمير هيرودس” الّذي هو مُشابِهٌ لِخَميرِ الفِرِّيسيّين. لَقَد أخبَرَنا القدِّيسُ مَرقس عن الـمِلكِ هِيرودس في روايتِه لحادثةِ قَطع رأسِ يوحنّا المعمدان. لقَد حاولَ الفَرِّيسيّون، مِن خلالِ تَفكيرِهم، عرقلةَ مسيرةِ يسوع الخلاصِيَّة.

16 “فَفَكَّرُوا قَائِلِينَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: “لَيْسَ عِنْدَنَا خُبْزٌ.”: بَعد أنْ حدَّثَ يَسوعُ تَلاميذَه عن خَميرِ الفرِّيسيِّينَ وخَميرِ هِيرودس، أَخبَرهُ هؤلاء بِعَدم وجود خُبزٍ في السَّفينة. إنَّ كلامَ التّلاميذِ يُشيرُ إلى أنّهم على مِثال الفرِّيسيِّين، يُريدون أن يَروا مِن يسوع آيةً جديدةً. إخوتي، للأسف، ما زالَ فِكرُ الأُعجوبةِ مُتَرِّسخًا في فِكرِ التَّلاميذ، على الرُّغمِ مِن كُلِّ ما قامَ به الربُّ أمامَهم.

17  “فَعَلِمَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُمْ: “لِمَاذَا تُفَكِّرُونَ أَنْ لَيْسَ عِنْدَكُمْ خُبْزٌ؟ أَلاَ تَشْعُرُونَ بَعْدُ وَلاَ تَفْهَمُونَ؟ أَحَتَّى الآنَ قُلُوبُكُمْ غَلِيظَةٌ؟

18  أَلَكُمْ أَعْيُنٌ وَلاَ تُبْصِرُونَ، وَلَكُمْ آذَانٌ وَلاَ تَسْمَعُونَ، وَلاَ تَذْكُرُونَ؟”

إنّ كلامَ يسوعَ مع تلاميذِه هو عبارةٌ عن عِتابٍ، وهو مِن أطولِ العِتابات الّتي وَجهَّها يَسوعُ إلى التّلاميذِ في الإنجيل. إنَّ هذا العِتابَ يَتضمَّنُ سَبعةَ أجزاءٍ: لماذا تُفكِّرونَ بهذا، أَلا تَشْعُرُونَ، وَلا تَفْهَمُونَ، قُلُوبُكُمْ غَلِيظَةٌ، أَلَكُمْ أَعْيُنٌ وَلاَ تُبْصِرُونَ، وَلَكُمْ آذَانٌ وَلا تَسْمَعُونَ، وَلا تَذْكُرُونَ. إنّ الرَّقمَ سَبعة يُشيرُ إلى الكَمالِ، وبالتَّالي هذا العِتابُ الّذي قامَ بِهِ الربُّ يسوعُ مؤلَّفٌ مِن سَبعةِ تعابيرِ عِتاب، هو عِتابٌ كاملٌ للتَّلاميذِ. مِن خلالِ هذا العِتاب، يَقولُ الربُّ يَسوع لِتَلاميذِه: هل نَسيتُم بهذهِ السُّرعَةِ أُعجوبَتَي الخُبزِ الّلتَين قُمتُ بهما أمامَ أعيُنِكم؟ هل ما زِلتُم لا تَفهمَون المغَزَى مِن كُلِّ ما أَقومُ به، على الرُّغمِ مِن أنَّ “الخُبزَ الوحيد” موجودٌ معكم؟! هنا، نَتذكَّرُ قِصَّةَ تِلميذَي عمَّاوس اللّذَين لم يَتَمكَّنا مِن مَعرفةِ الربِّ إلّا عِند كَسرِه الخُبز، وهذا يعني أنّ التَّلاميذَ لن يستطيعوا أن يَفهَموا حقيقةَ يسوع إلّا عِندما ينكَسِرُ جسدَه على الصَّليبِ، أي عندما يَموتُ ويَقومُ مِن بَين الأموات.

22 “وَجَاءَ إلَى بَيْتِ صَيْدَا، فَقَدَّمُوا إلَيْهِ أَعْمَى وَطَلَبُوا إِلَيْهِ أَنْ يَلْمِسَهُ،

23  فَأَخَذَ بِيَدِ الأَعْمَى وَأَخْرَجَهُ إلَى خَارِجِ القَريَةِ، وَتَفَلَ في عَيْنَيْهِ، وَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَيْهِ وَسَأَلَهُ: هَلْ أَبْصَرَ شَيْئًا؟
24  فَتَطَلَّعَ وَقَالَ: “أُبْصِرُ النَّاسَ كَأَشْجَارٍ يَمْشُونَ”.
25  ثُمَّ وَضَعَ يَدَيْهِ أَيْضًا عَلَى عَيْنَيْهِ، وَجَعَلَهُ يَتَطَلَّعُ. فَعَادَ صَحِيحًا وَأَبْصَرَ كُلَّ إِنْسَانٍ جَلِيًّا.

26 فَأَرْسَلَهُ إِلَى بَيْتِهِ قَائِلًا: “لا تَدْخُلِ القَرْيَةَ، ولا تَقُلْ لِأَحَدٍ فِي الْقَرْيَةِ”.”

في هذه الأُعجوبةِ، أخذَ الربُّ الأعمى إلى خارجِ القَريةِ، أي إلى خارِجِ بيئتِه. وهُنا، نتذكَّرُ أنَّ الربَّ يسوع أيضًا قد صُلِبَ خارجَ المدينةِ، أي خارجَ بِيئَتِه، وبالتَّالي أرادَ القدِّيسُ مَرقس إخبارَنا مِن خلالِ ذِكرِه هذا التَّفصيلَ أنَّ الربَّ سَمحَ لهذا الأعمى بِأن يُشارِكَهُ، بِطَريقةٍ رَمزيّةٍ، في موتِه وقيامتِه. مِن خلالِ شفائِه له، أرادَ الربُّ يسوع أن يُساعِدَ الأعمى لا على رؤيةِ مُحيطِه فقط، بل على رؤيةِ ما هو أعظمُ مِن ذَلِك. إنَّ عمليّةَ التَّفِل الّتي قَام بها يسوعُ على عينَي الأعمى، تُذكِّرُنا بِعَمليّةِ الخَلقِ إذ تَفَل اللهُ في التُّرابِ فخَلقَ آدمَ وحوَّاء. إنَّ شفاءَ الربِّ يسوع لهذا الأعمى مِن شأنِه أن يُساعِدَه على رؤيةِ الأمورِ بِطَريقةٍ صحيحةٍ وواضحة. بَعدَ عمليّةِ الشَّفاء، طلبَ الربُّ من الأعمى عدمَ إذاعةِ خَبرِ شفائه إلى حينِ إعلانِ الربِّ عن سرِّه المسيحانيّ.

27 “ثُمَّ خَرَجَ يَسُوعُ وتَلامِيذُهُ إلَى قُرَى قَيْصَرِيَّةِ فِيلُبُّسَ. وَفي الطَّرِيقِ سَأَلَ تَلامِيذَهُ قِائِلًا لَهُمْ: “مَنْ يَقُولُ النَّاسُ إِنِّي أَنَا؟”

28 “فَأَجَابُوا: “يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانُ. وَآخَرُونَ: إِيلِيَّا. وَآخَرُونَ: وَاحِدٌ مِنَ الأَنْبِيَاءِ”.

قَبْل أن يُعلِن الربُّ عن سِرِّه المسيحانيّ، أرادَ أن يَعرفَ كيفَ يَنظُر إليه النَّاسُ من خلالِ سؤالٍ وجَّهَه إلى تلاميذه. فأجابَه التَّلاميذُ قائلِين له إنّ النَّاسَ ترى فيه نبيًّا.

29 “فَقَالَ لَهُمْ: “وَأَنْتُمْ، مَنْ تَقُولُونَ إِنِّي أَنَا؟” فَأَجَابَ بُطْرُسُ وَقَالَ لَهُ: “أَنْتَ الْمَسِيحُ!”

30 “فَانْتَهَرَهُمْ كَيْ لا يَقُولُوا لِأَحَدٍ عَنْهُ”.

ثُمَّ أرادَ الربُّ أن يَعرِفَ نَظرةَ التَّلاميذِ إليه فسألَهُم: “وَأَنْتُمْ، مَنْ تَقُولُونَ إِنِّي أَنَا؟”، فأجابَه بُطرس قائلاً: “أنتَ المسيح!”، وبِذلك اعتَرفَ بطرسُ أنَّ الربَّ هو مُختارُ الله، الّذي سيُخلِّصُ العالَم.

31 “وَابْتَدَأَ يُعَلِّمُهُمْ أَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ يَنْبَغِي أَنْ يَتَأَلَّمَ كَثِيرًا، وَيُرْفَضَ مِنَ الشُّيُوخِ وَرُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةِ، وَيُقْتَلَ، وَبَعْدَ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ يَقُومُ.”: ها هو الربُّ يبدأُ بالإعلانِ الأوَّلِ عن سِرِّه المسيحانيّ أمامَ التَّلاميذ.
32 -“وَقَالَ الْقَوْلَ عَلاَنِيَةً. فَأَخَذَهُ بُطْرُسُ إِلَيْهِ وَابْتَدَأَ يَنْتَهِرُهُ.
33  فَالْتَفَتَ وَأَبْصَرَ تَلامِيذَهُ، فَانْتَهَرَ بُطْرُسَ قَائِلًا: “اذْهَبْ عَنِّي يا شَيْطانُ! لأَنَّكَ لا تَهْتَمُّ بِما للهِ لكِنْ بِمَا لِلنَّاسِ”: في الآياتِ القليلةِ السَّابقةِ، اعتَرَفَ بُطرسُ بأنَّ الربَّ هو المسيح، وها هو الآن، يُجادِلُ الربَّ بِخُصوصِ إعلانِه سِرَّه المسيحانيّ. إخوتي، إنّ المسألةَ هي مسألةُ مَوقفٍ يتَّخذُه المؤمِنُ مِن الربِّ في كلِّ حَدَثٍ يُواجهُه في حياته. إنّ الموقِفَ الأوَّلَ الّذي يتَّخذُه المؤمِن مِن الربِّ ليس بالضَّرورةِ أن يكون مَوقِفَه النِّهائيّ مِنه، إذ قد يَكونُ الإنسانُ تَابعًا للربِّ في هذا اليوم، وبَعيدًا عنه في يومٍ آخَر. إعتقدَ القدِّيسُ بُطرس أنّ اتِّباعَه الربَّ لن يُكلِّفَه شيئًا، غير أنّ هذا الاعتقادَ هو غيرُ صحيحٍ لأنَّ كلَّ مَن يتبَعُ الربَّ بِطَريقةٍ صحيحةٍ، لا بُدَّ له من أن يَدفع ثَمنَ اتِّباعِه إيّاه مِن اضطهاداتٍ وعذابات. إنّ هَدفَ الشَّيطانِ هو إيقاعُ المؤمِنِين في التَّجربةِ، الّتي تقومُ على عرقلةِ عَملِ الربِّ. هذا ما قام به بُطرس، لذلك قال له الربّ: “اذْهَبْ عَنِّي يا شَيْطانُ! لأَنَّكَ لا تَهْتَمُّ بِما للهِ لكِنْ بِمَا لِلنَّاسِ”. إنّ السُّؤالَ الّذي يَتحدَّانا في كُلِّ لحظةٍ مِن حياتِنا، هو: هل نسعى إلى إرضاءِ اللهِ أم إلى إرضاءِ البَشر؟ إخوتي، نحن مدعوُّون إلى السَّعيِ الدَّائمِ لإرضاء اللهِ لا النَّاس، في كلِّ مواقِفنا وسلوكِنا وكلامِنا مع الآخَرين، بِمعنى آخر، نحن مدعوُّون إلى الشَّهادةِ المستمرَّةِ للربِّ أمامَ كلِّ مَن نلتقي بهم في هذه الحياة، على الرُّغم من كلِّ وسائلِ التَّرهيبِ والتَّرغيبِ الّتي قد نَتعرَّضُ لها. إذًا، السُّؤالُ الّذي يُطرَحُ علينا أمامَ كلِّ تَحدٍّ نواجهُه في هذه الحياة: هل نَخافُ اللهَ أم نَخافُ النَّاس؟ بمعنى آخر، هل نُحبُّ اللهَ أم نُحبُّ النَّاس؟ إنّ الـمَحبَّةَ تَفرِضُ على الّذي يَختارُها نوعًا من التَّبعيّةِ للمَحبوب، أو بالأحرى نوعًا من الالتِزامِ تعبيرًا عن هذه الـمَحبَّة. في هذا النَّصِّ، يُخبِرُنا القدِّيسُ مَرقس أنَّ بُطرسَ الرَّسول قد أعلَنَ عن إيمانِه الربّ، وهذا الإعلانُ يَتطلَّبُ منه التِزامًا أي تَفعيلاً لهذه الكَلمةِ الّتي أعلَنها. “أنتَ المسيح!” هي عبارةٌ أطلَقَها بطرسُ الرَّسول تُعبِّر عن سَعيِهِ لإرضاءِ الله، لا البشر؛ غير أنَّ التَّصرُّفَ الّذي قامَ به بعد إعلانِه هذه الحقيقةِ كان مُعاكِسًا لذلك، إذ عبَّرَ مِن خلالِه عن رغبَتِه لإرضاءِ النَّاسِ لا الله.

لذلك، كان لا بُدَّ لِبُطرُسَ أن يَسمعَ تأديبًا مِن الربِّ له، وهو: “اِذهب عنِّي يا شيطان!”. هنا أودُّ أن ألفِتَ انتباهَكم إلى أمرٍ يَتفرَّدُ به الإنجيليُّ مَرقس عن سائرِ الإنجيليِّين، وهو مناداةُ بُطرسَ الرَّسول، بِاسم بُطرس في بعضِ الأحيان، وفي أحيانٍ أُخرى بِاسم سِمعان. إنّ سِمعان هو اسمُ القدِّيس بُطرس قَبل دَعوةِ الربِّ له، وقَبلَ تَكليِفِ الربِّ له بمسؤوليّةِ رعايةِ الكنيسة. في بدايةِ إنجيلِه، نادى القدِّيسُ الرَّسولُ بُطرُسَ بِاسم بُطرس، ثمّ عادَ إلى مناداتِه باسمِ سِمعان، وأخيرًا أي قَبلَ نهايةِ الإنجيل عادَ إلى مناداتِه بِاسم بُطرس. وبذلك، أراد الإنجيليُّ أن يَقولَ لنا إنّ الـمَوقفَ الّذي يتَّخذُه الإنسانُ من الربِّ هو الّذي يُثبِّتُ فيه صِفَةَ التِّلميذِ أو ينَزَعُها مِنه. إخوتي، إنْ لم تُؤمِنوا بالربِّ لن تأمَنوا. كان الشَّعبُ الإسرائيليّ يَعتِبرُ ذاتَه شَعبَ اللهِ الـمُختار، ولكنَّ اللهَ قالَ له إنّه إنْ لم يَحفظ كَلمةَ الله ويَعملْ بها فإنّه سيَكونُ كَسائرِ شعوبِ الأرض. في هذا النَّصِّ مِن إنجيلِ مَرقس، عَرَضَ الربُّ على الشَّعبِ كُلِّه ومِن ضِمنِهم التَّلاميذ، “الرَّغيفَ الواحد” أي جَسَدَه، كي ينالوا الخلاصَ. إخوتي، إنّ الجميعَ مدعوٌّ للحصول على الخلاصِ، من خلال إعلانِ طاعتِه للربِّ والعَيش بِرِضاه.

بَعد أن أعلَن الربُّ يسوعَ عن سِرّه المسيحانيّ، أي عن مشروعِه الخلاصيِّ للبَشَر، قال:

34 “وَدَعَا الجَمْعَ مَعَ تَلامِيذِهِ وَقَالَ لَهُمْ: “مَنْ أَرادَ أَنْ يَأْتيَ وَرَائِي فَلْيُنْكِرْ نَفْسَهُ وَيَحْمِلْ صَلِيبَهُ وَيَتْبَعْنِي.
35 “فَإِنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُخَلِّصَ نَفْسَهُ يُهْلِكُهَا، وَمَنْ يُهْلِكُ نَفْسَهُ مِنْ أَجْلِي وَمِنْ أَجْلِ الإِنْجِيلِ فَهُوَ يُخَلِّصُهَا”.
36 لأَنَّهُ مَاذَا يَنْتَفِعُ الإِنْسَانُ لَوْ رَبِحَ الْعَالَمَ كُلَّهُ وَخَسِرَ نَفْسَهُ؟
37 أَوْ مَاذَا يُعْطِي الإِنْسَانُ فِدَاءً عَنْ نَفْسِهِ؟
38  لأَنَّ مَنِ اسْتَحَى بِي وَبِكَلاَمِي فِي هذَا الْجِيلِ الْفَاسِقِ الْخَاطِئِ، فَإِنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ يَسْتَحِي بِهِ مَتَى جَاءَ بِمَجْدِ أَبِيهِ مَعَ الْمَلاَئِكَةِ الْقِدِّيسِينَ”.

 وَقَالَ لَهُمُ: الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: “إِنَّ مِنَ الْقِيَامِ ههُنَا قَوْمًا لاَ يَذُوقُونَ الْمَوْتَ حَتَّى يَرَوْا مَلَكُوتَ اللهِ قَدْ أَتَى بِقُوَّةٍ”.

إنَّ هذه الآيةَ الأخيرةَ الّتي قرأناها هي الآيةُ الأولى مِن الإصحاحِ التّاسع. وقد قرأناها اليومَ لأنّها تُشكِّل تَتِمّةً لما يقولُه الربُّ في نهايةِ الإصحاحِ الثّامِن.

أعلنَ الربُّ يسوع مَشروعَه الخلاصيَّ للبَشرِ الّذي يقومُ على مَوتِه على الصَّليبِ وقيامَتِه من بينِ الأمواتِ من أجلِ فِداء البَشر، فيُصبحوا، مَتى قَبِلوا به، من أبناءِ الـمَلَكوت. كي يتحقَّقَ مشروعُ الربِّ هذا، على الإنسانِ أن يُشارِكَ اللهَ في عَملِ الفِداء مِن خلالِ تَخَلِّيه عن كُلِّ الآلهةِ الّتي كان يَعبُدُها سابقًا والمتمثِّلةِ بخطاياه، في سبيلِ اتِّباعِه الربّ. إنّ اختيارَ المؤمِنِ اتِّباعَ الربِّ يُحتِّمُ عليه العَملَ على إرضاءِ الربِّ لا إرضاءِ النَّاس. إنَّ اتِّباعَك الربَّ يفترِضُ عليكَ أن تَحمِلَ صليبَك. إنّ الربَّ لم يَدعُنا إلى حَملِ صليبِه هو، إذ لا أحدَ يستطيعُ حَملَ هذا الصَّليب، بل دعانا إلى أن يَحمِلَ كُلُّ واحدٍ منّا صَليبَه الخاصّ. إنّ صليبَك هو مُشابِهٌ لِصَليبِ يسوع، مِن حيثُ الـمَنطِق، فمَنطِقُ صليبِ يسوع يَقومُ على مَحبَّةِ جميعِ النَّاس.

وبالتّالي، إنْ كُنتَ تَكرَهُ الآخَرين، فهذا يدلُّ على أنّ صَليبَك ليس مُنسَجمًا مع مَنطِقِ صليبِ المسيح. قد يَعتِبرُ الإنسانُ الأشخاصَ المحيطِينَ به والّذين يُزعِجونَه صَليبًا له، ولكنّ هذا الكلامَ ليسَ دقيقًا في الحقيقة، لأنّ الصَّليبَ الّذي يَدعونا الربُّ إلى حَملِه هو صَليبٌ يَقودُنا إلى الموتِ في سَبيلِ الَّذين نُحبُّهُم. وبالتّالي، عليكَ أن تَعرِف سَببَ انزعاجِ الآخَرين مِنك: فإذا كان الآخَرون يُزعجونَك لِسَببٍ له علاقةٌ بفِعلٍ مُزعجٍ اقَترفتَه تجاهَهُم، فبَادَروك بإزعاجِكَ كرَّدةِ فِعلٍ على فِعلِكَ، فهذا يعني أنّه عليكَ العَملُ على تَحسينِ مَسيرَتِكَ معهم، لأنّ هؤلاء لديهم مآخِذُ عَليك. أمّا إذا كان سبَبُ انزعاجِهم مِنكَ هو ثَباتُكَ في إعلانِ الحقِّ وعَدمِ التَّخليّ عنه، مهما كانت الأسبابُ والظُّروف، فهذا يعني أنّك تَتعرَّضُ للاضطهاد، وبالتّالي هذا هو صَليبُك الّذي عَليكَ أن تَحمِلَه وتَسيرَ به خَلفَ المسيح. بَعد أن أعلَنَ الربُّ سِرَّه المسيحانيّ، أي بعد أن عَرَض على الجميعِ الطَّريقَ الّذي سيَسلُكه لِخلاصِهم، ها هو يسألهم: مَن الّذي يريدُ أن يسيرَ معي في هذه الطَّريق؟. إنَّ الإنجيلَ المقدَّسَ يقولُ لنا إنّ الَّذين كانوا يَتبَعونه كُثُرًا، إلّا أنّ الّذين استَمرُّوا في السَّيرِ معه إلى الصّليب، قلائلُ جدًّا. إخوتي، إنّ قيامةَ المسيح قد أُعلِنَت على لسانِ كُلّ الّذين آمَنوا بالربّ، فتَبِعوه مِن خلالِ قبولِهم المعموديّة.

إنَّ مشكلةَ المسيحيِّين تَكمنُ في أنّهم، على مِثالِ أعيادِهم، موسِميُّون في إيمانِهم بالربّ: فَهُم يفرَحون ويَتهلَّلون بالربِّ كُلّما شاركوا في رياضةٍ روحيّةٍ أو أُمسيَةِ صلاةٍ، ولكنَّهم ما إن تَنتَهي مفاعيلُ هذه الرِّياضةِ الرُّوحيّةِ أو الأُمسِيَة، يعودون إلى حالتِهم السَّابقة، ألا وهي الغَرقُ في همومِ هذه الدُّنيا. إخوتي، لا يمكنُنا أن نكونَ مَوسميِّين في اتِّباعِنا المسيح، فنَـتبعُه إذا كانت الأمورُ تَعملُ لِصالحِنا، ونَـترُكُه إن كانت الأمورُ لا تَعملُ لِصالِحنا. هذا هو خَميرُ الفِرِّيسيِّين وخَميرُ هِيرودس الّذي كَلَّمَنا عليه الربُّ في هذا النَّصِ الإنجيليّ. إنَّ هيرودسَ قامَ بِقَتلِ مَن أعلَن له الحقيقةَ، قتَلَ الإنسانَ الّذي أخبرَه أنّه يمشي في الضَّلال لأنَّه لم يتحمَّل تَوبيخَ الضَّمير. ألا نَتصرَّفُ نحن أيضًا على مِثالِ هيرودس مع المسيح يسوع، في الكثيرِ من الأحيان؟! للأسف، في الكثيرِ من الأحيان، نَتبَعُ المسيحَ، إذا كان لنا في اتِّباعِنا إيّاه مَصلحةٌ دُنيويّةٌ، وإذا لم تَكن لنا مَصلحةٌ في ذلك، نُبادِر سريعًا إلى التَّخلِّي عنه.

إذًا، في هذا الإصحاحِ من إنجيلِ مَرقس، يَطلبُ منَّا الربُّ إعلانَ خَيارِنا: هل نريدُ أن نَسيرَ معه إلى الصّليب، أم نُفضِّلُ التخلِّي عنه؟ لقد قامَ الربُّ بِكُلِّ ما مِن شأنِه أن يجعلَنا نُهلِّلُ له ونَتَهلَّلُ به، والآن حانَ دَورُنا للرَّدِ على طَلبِ المسيح، فما هو خيارُكَ؟ هل تَسيرُ معه أَم لا؟ هل تَضَعُ له حُججًا؟ هل تَرغبُ في أن تَدفِنَ أمواتَك أوّلًا، أَم تُريدُ أن تَسيرَ وراءَ ذاك الإنسانِ الإله الّذي لَيس لديه ما يُسنِدُ إليه رأسَه إلّا الصّليب؟ الخيارُ لَك! وهنا أقولُ لَكم: ليسَ هناكَ شيءٌ تَختارُه في هذه الحياة لا ثَمنَ له. إنّ كُلَّ مسؤوليّةٍ تَتحمَّلُها في هذه الحياةِ ستَدفعُ ثَمنَها؛ وكلُّ حُبٍّ صادقٍ له ثَمنٌ، وهذا الثَّمنُ هو أشَبهُ بالموت إن لم يَكُنِ الموتَ بحدٍّ ذاته، ولكنَّك على الرُّغم ممّا ستُعانِيه على هذه الأرض، سيَكونُ لَك نَصيبٌ في الحياةِ الثّانيةِ مع الّذي اختَرتَ أن تَتبَعَه، وهو أن تَكونَ معه في الملكوتِ أي في الفِردَوس. آمين.

ملاحظة: دوِّنت المحاضَرة بأمانةٍ مِن قِبَلِنا.

Instagram
Copy link
URL has been copied successfully!
WhatsApp