تفسير الكتاب المقدّس
الأب ابراهيم سعد
إنجيل القدّيس مرقس الرّسول – الإصحاح الحادي عشر
في بداية هذا الإصحاح، يُخبِرُنا الإنجيليُّ مَرقس أنَّ يَسوع في طَريقِه إلى أُورشَليم، أي في طَريقِه إلى إتمامِ السِّر الـمَسِيحانيّ أو السِّر الـمَسِيانيّ، أي سرِّ الخلاص. في هذه الـمَسيرة، كان لا بُدَّ للربِّ يسوع أن يَمرَّ بمِدَينةِ بَيتِ فاجي ومَدينةِ بَيت عَنيا؛ وفي هذا الإطار، يُخبِرُنا الإنجيليُّ مَرقس أنَّ الربَّ يسوع دَخَل إلى بَيت عَنيا، ولكنَّه لَم يَدخُل إلى بَيت فاجي. وهُنا يُطرَحُ السُّؤال: لماذا لم يَدخُل الربُّ إلى بَيت فاجي؟ إنَّ عِبارةَ “فاجي” تَعني غَيرُ ناضجة، وبالتَّالي فإنَّ الأجواء في هذه القَريَة أو الـمَدينة لم تَكُن ناضجةً لاستِقبالِ الربِّ، لذا لم يَدخُل إلَيها. أمَّا عِبارةُ “عَنيَا”، أي “عِنّاو” في العِبرِيَّة، فَهي تَعني الفُقَراء الّذين يُعانون مِنَ الصُّعوبات؛ ولأنَّ الربَّ أرادَ التَّماهي مع الفقراء، قرَّر الدُّخول إلى هذه القَريَة أو الـمَدينة، قَبل وُصولِه إلى أُورشَليم الّتي فيها سَيُعاني الآلامَ الخلاصيّة. ولكنَّ الربَّ خَرَج من بَيت عَنيا جائعًا، لأنّه كما يَدلُّ عليها اسمُها، هي مَدينةُ الفُقراء. إنَّ شَجرةَ التِّين الّتي قَصَدَها يَسوع لِيَأكُلَ مِن ثِمارها، كانَت مَليئةً بالأوراق ولكنَّها خاليةٌ من الثِّمار. عادةً، عندما تَكونُ الشَّجرةُ مَليئةً بالأوراق، فهذا يَعني أنَّها تَحمِلُ ثِمارًا. إنَّ الربَّ يَسوع لم يَقصد بِكَلامِه هُنا شَجرةَ التِّين، فَهو كانَ يَعلَمُ أنَّ وقَت التِّين لم يَكُن قد حانَ بَعد؛ بل قَصَد بِكلامِه الشَّعبَ اليَهوديّ الّذي يُشبِه شَجرةَ التِّين المليئةَ بالأوراقِ الّتي لم تُعطِ ثِمارًا، فالشَّعبُ اليهوديّ قد رَفضَ المسيح الّذي كان يَنتَظِرُ مَجيئه. كانَ الربُّ متأكِّدًا من أنَّ الشَّعبَ اليَهوديّ لن يُؤمِنَ به مَهما فَعل، لأنّه رَفضَ الاعترافَ به ربًّا ومُخلِّصًا، على الرُّغم مِن كُلِّ الأعمالِ الّتي قامَ بِها على مرأىً مِن عُيونِه. إنَّ عِبارةَ “اصْلِبْهُ! اصْلِبْهُ!” (لو 23: 21) هي الدَّليلُ على رَفضِ الشَّعبِ اليَهوديّ للربِّ، على الرُّغم مِن إدراكِه أنَّه المسيحُ المنتَظَر.
7 “فَأَتَيَا بِالجَحشِ إلى يَسوعَ، وَأَلْقَيَا عَلَيْهِ ثِيابَهُما فَجَلَسَ عَلَيْهِ.
8 “وَكَثِيرُونَ فَرَشُوا ثِيابَهُم في الطَّرِيقِ. وَآخَرُونَ قَطَعُوا أَغْصانًا مِنَ الشَّجَرِ وَفَرَشُوهَا في الطَّرِيقِ”.
دَخَل يسوع إلى أُورشَليم، بِحسْبِ الإنجيليّ مَرقس، راكبًا على جَحشٍ، والجَحشُ، كما هو معروفٌ، هو حيوانٌ لا يَرمُز إلى العَظمة. أمَّا الإنجيليّ متَّى، فعندما وَصَف دُخول الربِّ إلى أُورشليم، قالَ لنا إنَّ الربَّ دَخَل إليها راكِبًا على جَحشٍ وحِمارٍ في آنٍ مَعًا. إنَّ هذا الأمر، أي الرُّكوب على حَيوانَين في آنٍ معًا، صَعبُ التَّحقيقِ في الواقع؛ وبالتَّالي مِن خِلالِ استِعمالِه عِبارةَ “راكبًا علَيهما” (متى 21: 7)، أراد الإنجيليُّ مَتّى الإشارةَ إلى أنَّ خلاصَ الربِّ قد أُعطِيَ لليَهود والأُمَم على حدٍّ سواء. إنَّ اختلافَ التَّفاصيل في حادثةِ دخولِ المسيح إلى أُورشَليم بَين الإنجيليّ متّى والإنجيليّ مَرقس، يَدلَّ على أنَّ لِكُلِّ واحدٍ مِنهُما هَدَفًا في نَقلِ كَلِمةِ الله إلى المؤمِنِين. هُنا، تَجدرُ بِنا الإشارةُ إلى أنَّ إنجيلَ مَرقس هو أوّلُ الأناجِيل الّتي كُتِبَت في العَهدِ الجديد. إنَّ الثَّوبَ يَرمزُ إلى الجَسد، وبالتَّالي فَرشُ الأرضِ بالثِّياب أمامَ يَسوع لِيَمشي عليها، يَدلُّ على خُضوعِ هؤلاء للربِّ والإيمانِ به. إنَّ قِسمًا مِن هذه الجموع قد آمنَ حقًّا بالربِّ، فتَبِعَه ونالَ الخلاص.
9 “وَالَّذِينَ تَقَدَّمُوا، وَالَّذِينَ تَبِعُوا كانُوا يَصْرُخُونَ قَائِلِينَ: “أُوصَنَّا! مُبَارَكٌ الآتِي بِاسْمِ الرَّبِّ!
10 “مُبَارَكَةٌ مَمْلَكَةُ أَبِينَا دَاوُدَ الآتِيَةُ بِاسْمِ الرَّبِّ! أُوصَنَّا في الأَعَالِي!”
إنَّ عبارةَ “الآتي” في اليُونانِيَّة هي “أَرْخُومِينوس”. قَديمًا، كانَ الشَّعبُ اليَهوديّ يَهتِفُ “مُبارَكٌ الآتي باسم الربّ” عند استِقبالِه مَلِكَه العائدَ مِنَ الحَربِ مُنَتصرًا. وفي هذا النَّصّ، يُخبِرُنا الإنجيليُّ مَرقس أنَّ الشَّعبَ قد استَعمَل هذا الهُتافَ لاستقبالِ الربِّ يسوع، لا العائدَ مِنَ الحَربِ منتَصرًا، إنّما الدَّاخلُ إلى أُورشَليم ليَموتَ فيها ويَنتَصِر على الموتِ بِقِيامَتِه. هذا هو الانتصارُ الّذي أرادَ الإنجيليُّ مَرقس التَّركيز عليه. إنَّ مجموعةً محدودةً من النَّاس تَمكَّنَتْ مِن إدراكِ هذا الانتصارِ الّذي قَدَّمَه الربُّ للشَّعبِ، فآمنَت به وَفَرَشَت الثِّيابَ أمامَه تعبيرًا عن خُضوعِها له واعتِرافِها بِه مَلِكًا عَلَيها. إنَّ عِبارةَ “مُبَارَكَةٌ مَملَكَةُ أَبِينَا داوُدَ الآتِيَةُ بِاسْمِ الرَّبِّ!”، تَدُلُّ بِوُضوحٍ على أنَّ الشَّعبَ اليَهوديّ كان يَنتظرُ مَجيءَ الربِّ، ولكنْ بِطَريقةٍ مختلفةٍ عن تِلك الّتي أتاهُم بِها الربُّ يسوع. إنَّ مَملكةَ داود سَوف تَتَحقَّق، ولكنْ لا كما يَتصوَّرها اليهود، إنّما كما يُريدُها الربُّ أن تَتحقَّق. إنَّ عِبارةَ “أُوصَنَّا! مُبَارَكٌ الآتِي بِاسْمِ الرَّبِّ!” الّتي هَتَف بِها الشَّعبُ اليَهوديّ عِند استقبالِه الربَّ يسوع، تُشيرُ إلى أنَّه الـمَلِكُ الآتي مِن عِندِ الله. غَير أنَّ ما يَلفِتُ نَظَرنا هو أنَّ هذا الـمَلِك لا يَملِكُ أيّةَ عَلامةٍ مُلوكيَّةٍ، فَهو قَد دَخلَ إلى أُورشَليم راكبًا على جَحشٍ، وهذا دليلٌ على الفَقر والضُّعف، وهذا ما دَفَع الشَّعبُ إلى الاستهزاءِ به من جِهةٍ، لأنّه يُخالفُ تَصَوُّراتِهم، ومِن جهةٍ أُخرى فقد بادَر الشَّعبُ إلى الاعترافِ به مَلِكًا عَلَيه عند دُخولِه أُورشَليم. إنَّ هذا الـمَلِكَ الآتي مِن عند الربِّ، قد أخبَرَنا عنه النَّبيُّ إشعيا في أناشيدِ عَبدِ يَهوه، حِينَ قالَ لنا: “قَصَبَةً مَرضُوضَةً لا يَقصِفُ، وَفَتِيلَةً خامِدَةً لا يُطْفِئُ. إلَى الأَمانِ يُخرِجُ الحَقَّ”(إش 42: 3). لا يُمكِنُنا الحَديثُ عن مَملكةٍ مِن دون مَلِكٍ؛ وبالتَّالي، مِن خلالِ هذه الهُتـافات الّتي أطلَقَها الشَّعبُ اليَهوديّ، اعتَرفَ هذا الأخير بتَحقيقِ هذه المملكةِ وبِالربِّ يسوع مَلِكًا عليها مُعتَرِفِين به أنَّه “الآتي بِاسم الربِّ”. إنَّ عبارةَ “مُبَارَكَةٌ مَمْلَكَةُ أَبِينَا دَاوُدَ الآتِيَةُ بِاسْمِ الرَّبِّ!”، تُشيرُ إلى انتِصارِ هذه الـمَملكة؛ ولكنَّ السُّؤالَ الّذي يُطرَح: كيف تَكُون هذه الـمَملَكةُ مُنتَصرةً، إذا كانَ مَلِكُها لم يُقِم أيَّ حَربٍ بَعد؟ إنَّ الحَربَ الّتي سَيَخوضُها الربُّ يَسوع ستَتِمُّ في أُورشَليم، حيثُ سيُصلَب وسَيَنتَصرُ على الموتِ بالقيامة.
11 “فَدَخَلَ يَسُوعُ أُورُشَلِيمَ وَالهَيْكَلَ، وَلَمَّا نَظَرَ حَوْلَهُ إلَى كُلِّ شَيءٍ إذْ كانَ الوَقتُ قَد أَمْسَى، خَرَجَ إلَى بَيْتِ عَنْيَا مَعَ الاثنَيْ عَشَرَ”:
ما هو مُتَعارفٌ عليه هو استِعمالُ الفِعل “خَرَج” مع حرف الجَرّ “مِن”، إذ يُقال “خَرَج مِن”. أمَّا هُنا، فنُلاحِظُ أنَّ الإنجيليّ مَرقس قد استَعمَل الفِعل “خَرَج” مع حَرفِ الجرِّ “إلى”، وذلك للدَّلالة لا على المكانِ الّذي خَرَج الربُّ منه، إنَّما على حَدَثِ الخُروجِ الّذي أتَّمَه اللهُ مع شَعبِه في مِصر. في الكِتابِ المقدَّس، يُشير حَدثُ الخُروج إلى عَمَلِيّةٍ خَلاصِيَّةٍ يُتَمِّمُها اللهُ مع شَعبِه: فالله قد أخرَجَ شعبَه قديمًا مع موسى مِن العبوديّة وقادَهُم إلى الحُرِيَّة؛ واليَوم مع يَسوع المسيح، يُخرِجُ الله شَعبَه مِن الموتِ إلى الحياة.
12 “وَفِي الغَدِ لَمَّا خَرَجُوا مِن بَيْتِ عَنْيَا جاع”:
إنَّ الربَّ يَسوع قد خَرَج مِن بَيت عَنيا جائعًا، إذْ لم يَجِد في هذه القَرية شيئًا يُؤكَل، لأنَّها مَدينةُ الفُقَراء. تُشكِّلُ هذه الآيةُ صورةً رَمزيّةً عن الجوع الّذي عانى مِنه الربُّ يسوع، حِينَ كان في البَريَّة الّتي قادَه إليها الشَّيطان ليُجرِّبَه فيها. إنَّ تَجارِبَ يسوع قد ذَكَرها الإنجيليّون متّى ومَرقس ولوقا. وفي مقارنةٍ بَين هذه النُّصوص الثَّلاثة، نُلاحِظُ أنَّ الإنجيليَّين متّى ولوقا قد ذَكَرا أنَّ الربَّ يَسوع قد “جاع”، في حِين أنَّ مَرقس الإنجيليّ لَم يَذكر هذا الأمر إذ اكتَفى بالإشارةِ إلى تَجارِبِ يسوع في آيةٍ واحدةٍ فقط. أمَّا في هذا النَّصّ، فنُلاحِظُ أنَّ الإنجيليَّ مَرقس قد ذَكَر لنا أنَّ الربَّ يسوع قد جاع، بَعدَ خُروجِه مِن بَيت عَنيا، إذ سيَدخُل الربُّ بَعدَها إلى أُورشَليم حيثُ سيُواجِه التَّجربَةِ الكُبرى ألا وهي مواجَهَتِه للموت. إنَّ الموتَ دَخَل إلى الحياةِ البَشريّةِ مِن خلالِ ارتكابِ الإنسانِ الخطيئة، وهذا يَعني أنَّ الربَّ يسوع لا يَستَحقُّ الموتَ لأنّه بِلا خطيئة، ولكنَّه عانى، بِحَسْبِ هذا النَّص، مِن إحدى نَتائجِ الخَطيئةِ ألا وهي الجوع. في أُورشَليم، واجَهَ الربُّ الموتَ وانتَصَر عليه، بِفَضلِ قوَّةِ صلاتِه إلى أبيهِ في بُستانِ الزَّيتون.
13 “فَنَظَرَ شَجَرَةَ تِينٍ مِن بَعِيدٍ عَلَيها وَرَقٌ، وَجاءَ لَعَلَّهُ يَجِدُ فِيهَا شَيئًا. فَلَمَّا جاءَ إلَيْها لَم يَجِدْ شَيئًا إلَّا وَرَقًا، لأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ وَقتَ التِّينِ”: إنَّ عِبارةَ “عَلَيها وَرَق” تَدِلُّ على أنَّ هذه الشَّجرةَ سَوفَ تَحِملُ ثَمرًا؛ وبالتَّالي لو لَم يَكُن عَلَيها وَرقًا، لما انتَظَر أحدٌ الحصولَ مِنها على ثِمارٍ. إنَّ الربَّ يَسوع قد استخَدَمَ شَجرةَ التِّينِ كَرَمزٍ، للإشارةِ إلى “إسرائيل”، أي إلى الشَّعبِ اليهوديِّ الّذي لَم يَقبَل الربَّ مَلِكًا ومُخلِّصًا له، على الرُّغم مِن رعايةِ الله له.
14 “فَأَجابَ يَسوعُ وَقالَ لَها: “لا يَأكُلْ أَحَدٌ مِنْكِ ثَمَرًا بَعدُ إلَى الأَبَدِ!”. وَكانَ تَلامِيذُهُ يَسمَعُون”: إنَّ الربَّ يَسوع لم يَقُل إنَّ هذه الشَّجرةَ لن تُثمِرَ بَعد الآن، بل قال إنَّ أحدًا لن يَأكُلَ مِن ثِمارِها. إنَّ ثِمارَ هذه الشَّجرةِ فاسِدَةٌ، وهي بالتَّالي لن تُفيد أحدًا ولن تَكونَ نافعةً لأحدٍ، لأنَّ هذه الشَّجرةَ تَرمُز إلى “إسرائيل” الّتي رَفضَت الاعترافَ بِالمسيحِ ربًّا ومُخلِّصًا لها.
15 “وَجاءُوا إلَى أُورُشَلِيمَ. وَلَمَّا دَخَلَ يَسوعُ الهَيْكَلَ ابْتَدَأَ يُخرِجُ الَّذِينَ كانُوا يَبِيعُونَ وَيَشتَرُونَ في الهَيْكَلِ، وَقَلَّبَ مَوَائِدَ الصَّيَارِفَةِ وَكَرَاسِيَ بَاعَةِ الحَمَامِ.
16 وَلَمْ يَدَعْ أَحَدًا يَجتَازُ الهَيْكَلَ بِمَتَاعٍ.”
بَعد خُروجِه مِن بَيتَ عَنيا، انطلقَ الربُّ نَحو أُورشَليم، فدَخَل أوّلاً إلى الهَيكل، وقامَ بِطَردِ الصَّيارِفَة وبَاعةِ الحَمام مِنه. إنَّ الصَّيارفةَ هُم الَّذِين يُتاجِرون بِالدِّينِ لِمَصالِحِهم الخاصَّة؛ وباعةَ الحَمام هُم الّذين يُتاجِرون بالرُّوحِ القُدس، فالحَمامُ يَرمزُ إلى الرُّوح القُدس. إذًا، قامَ الربُّ بِطَرد كُلِّ مَن يَستَغِلُّ الدِّينَ لِمَصالِحِه الخاصَّة. ومَا أكثرَ هؤلاء في أيَّامنا هذه! فالبَعضُ يَقومونَ بِالاستفادةِ مِن وُجودِهِم في بِيئةٍ دِينِيّةٍ، فيَستَّغِلونَ الآخَرين لِما فيه مَصالحُهم الخاصّة. إنَّ أمَثالَ هؤلاء يَسعَون إلى إظهارِ ذَواتِهم، مِن خلالِ قيامِهم بِأعمالٍ تعاكِسُ مَشيئةَ الله.
17 “وَكانَ يُعَلِّمُ قائِلًا لَهُم: “أَلَيْسَ مَكتُوبًا: بَيْتِي بَيْتَ صَلاةٍ يُدعَى لِجَمِيعِ الأُمَمِ؟ وَأَنتُم جَعَلتُمُوهُ مَغَارَةَ لُصُوصٍ”.”
في هذا النَّص، تَمَّ استِخدامُ عِبارةَ “بَيتي” للإشارة إلى الهَيكل، في حِين أنَّه تمَّ استِخدامُ عِبارةِ “بَيتَ أبي”، في نُصوصٍ إنجيليّة أُخرى، للإشارة إلى المكانِ نَفسِه. إنَّ عِبارةَ “بَيتَ لُصوص” تُشيرُ إلى أنَّ الموجودِين داخِلَ الهَيكَل قد قامُوا بِتَحويلِه إلى مَكانٍ للتِّجارة بالله تحقيقًا لِمآرِبِهم الخاصّة.
18 “وَسَمِعَ الكَتَبَةُ وَرُؤَساءُ الكَهَنَةِ فَطَلَبُوا كَيفَ يُهلِكُونَهُ، لأَنَّهُم خَافُوهُ، إذْ بُهِتَ الجَمعُ كُلُّهُ مِن تَعلِيمِهِ”:
عِند سَماعِهم كلامَه، قرَّر رؤساء الكَهَنة والكَتَبة قَتلَ الربِّ يسوع، لا دِفاعًا عن الله وتعالِيمِه، بل لأنَّ وجودَه يُهدِّد وُجودَهم في السُّلطة. لقد أدرَكَ رُؤساءُ اليَهود أنَّ يسوع النَّاصريّ هو المسيحُ الـمُخلِّص، وَلَكِنَّهم رَفَضوا الاعترافَ بِذَلِك، لأنَّ مِثلَ هذا الاعترافِ سَيؤدِّي حَتمًا إلى الإطاحةِ بِالأُمَّة اليَهوديّة. وهُنا، أودُّ التطَّرُقَ إلى أمرٍ، – دُونَ أن أَكونَ راديكاليًّا أو إرهابيًّا على المستوى الفِكريّ-، وهو: أنَّ الدِّين اليَهوديّ قد زالَ مِن الوجودِ عِند مَجيءِ المسيحِ يسوع، غَير أنَّ الّذين رَفَضوا الاعترافَ بِالمسيح ربًّا لا زالوا مُتَمَسِّكِين إلى يَومِنا هذا بما يُسمَّى “الدِّين اليَهوديّ”. إنَّ عِبارةَ “إسرائيل” في العَهد القديم، لا تَعني أبدًا الدَّولةَ اليَهوديّة، إنّما تَعني شَعبَ الله الّذي كان يواظِبُ على قراءةِ التَّوراة وحِفظِها، بِانتظارِ مَجيءِ المسيحِ الـمُخلِّص. بالنِّسبة إليَّ، إنَّ التَّوراةَ لَيسَت لليَهود، إنَّما لِلمَسيحِيِّين الّذينَ قَبِلوا الـمَسيح يَسوع وآمَنوا به، لأنّ كَلِمةَ الله الّتي قِيلَت للأقدَمِين في العَهدِ القديم هي نَفسُها الّتي تَحقَّقت في العَهدِ الجديد بِالربِّ يَسوع؛ وقد نُقِلَت إلَينا بِالبِشارة، فآمَنَّا بها وتَبِعنا المسيح. وبالتَّالي، إنَّ كُلَّ إنسانٍ لا يَتبَعُ المسيحَ يَسوع لا علاقةَ له بالكِتابِ المقدَّس، لا بالعهدِ القديم ولا بالعهدِ الجديد.
إنَّ صِراعَنا اليوم، كَمَسيحيِّين، مَع الّذين يَدَّعون الانتماءَ إلى الدِّينِ اليَهوديّ يَتَمَحوَرُ حَول مُلكِيَّة الكِتاب المقدَّس، وتَحديدًا العَهدِ القديم. وهذه الإشكاليّةُ تَتَجسَّدُ في السُّؤال التَّالي: هل الكِتابُ المقدَّس، العَهدُ القَديم تحديدًا، هو مِلكٌ لليَهود أَم لِلمَسيحيِّين؟ إنَّ النِّقاشَ في هذه المسألةِ صَعبٌ لِلغَاية، لأنَّ الـمَسِيحيِّين يَخافونَ اتِّهامَهُم بِمعاداتِهم لِلسَّامية إذا ما اعتَرفوا بِمُلكِيَّتِهم للعَهدِ القَديم. هُنا، أودُّ أن أوضِحَ أمرًا وهو أنّ الدِّينَ لم يَكُن يَومًا مَحصورًا بِحضارةٍ مُعيَّنةٍ دُونَ سِواها كالسّامِيّة على سبيل المِثال، بل كان دائمًا مُتَاحًا لِكُلِّ الحضاراتِ دُونَ استثناء. لم يَكن هَدفُ الربِّ يَسوع تأسيسَ دِيانةٍ مِن مَجيئه إلى أرضِنا، بل أرادَ بِمَجيئه إعطاءَ الإنسانِ نَهجَ حَياةٍ يَقودُ إلى الملكوت. هذا ما فَعلَه المسيحيُّون، إذ اتَّبعوا النَّهجَ الّذي قَدَّمَه الربُّ يَسوع للبَشَريّة جمعاء. إذًا، المسألةُ هي مَسألةُ نَهجَ حياةٍ يَختارُ الإنسانُ اتِّباعَه، لا مَسألةَ انتمائِه إلى دِينٍ مُعيَّنٍ، وبِالتَّالي وجودُ الدِّينِ أو عَدَمُه لن يُؤثِّرَ على حياةِ الإنسان. إنَّ مَجيءَ المسيحِ قد أوقَع رؤساء اليَهود في وَرطةٍ، وهُم لا زالوا غارِقِين فيها إلى اليوم: فَعَلى الرُّغم مِن مَعرِفَتِهم أنَّ يسوع النَّاصريّ هو المسيحُ الـمُنتَظر، رَفضَ الشَّعبُ اليَهوديّ الاعترافَ به، لِذَلِك لا يزال الشَّعبُ اليَهوديّ في حالةِ انتظارٍ للمَسيح الّذي جاءَ مُنذُ ألفَي سَنَة؛ وهُنا أقولُ لَكُم إنَّهم سيَنتَظرون كَثيرًا! إذا أرادَ المسيحُ المجيءَ مَرَّةً ثانيةً، فإنَّه لن يَكونَ سِوى يَسوع النَّاصريّ، الّذي رَفضَه اليَهود والّذي يَنتَظر المسيحيُّون عَودَته.
وإذا أرادَ رؤساء اليَهود، اليوم، الاعترافَ بِحَقيقةِ الربِّ يَسوع أمامَ الشَّعبِ، – وهذا ما لن يَفعلوه أبدًا- ، فإنّهم بهذا الفِعل يَحَكمونَ على الدِّينِ اليَهوديّ بالزَّوال، وبالتّالي على سُلطَتِهم الدِّينيّة. لِذَلِك، فَضَّل رؤساءُ اليَهودِ إغراءَ الشَّعبِ اليَهوديّ مِن خِلالِ إقامةِ دَولةٍ لَهم هي دَولةُ إسرائيل. إخوتي، إنَّ الله لَم يَعِد شَعبَه بأراضٍ ومُمتَلكاتٍ، إنّما بالخلاص، وقد حقَّق الله وَعدَه لِشَعبه بِواسِطَة يَسوع المسيح. وهذا ما يُؤكِّدُه لنا الكِتابُ المقدَّس، وتَحديدًا الرَّسولُ بولس في رسالتِه إلى العِبرانيِّين، الّتي قالَ لنا فيها: “اَللهُ، بَعدَما كَلَّمَ الآباءَ بِالأَنبِيَاءِ قَدِيمًا، بِأَنوَاعٍ وَطُرُق كَثِيرَةٍ، كَلَّمَنَا فِي هذِهِ الأَيَّامِ الأَخِيرَةِ في ابْنِهِ، الَّذي جَعَلَهُ وَارِثًا لِكُلِّ شَيْءٍ، الَّذِي بِهِ أَيْضًا عَمِلَ العَالَمِينَ” (عب 1: 1-2). وبالتَّالي، لم يَعُد جائزًا إدخالُ الدِّينِ اليَهوديّ في الحِوارات ما بَينَ الأديان.
في القَرنِ الماضي، ارتكَبَ هِتلر جَريمةَ قَتلٍ جَماعيّةٍ بِحَقِّ عَددٍ من النَّاس، ومِن بَينِهم يَهود. ولأنَّ هِتلر كان يَنتَمي آنذاكَ إلى الكَنِيسة، شَعَرَت هذه الأخيرةُ بالذَّنبِ تُجاهَ ما عانَاه اليَهود، لذا بادَرَت إلى الاعتذارِ مِنهُم، فكانَ التَّعويضُ عن أفعالِ هِتلِر القَبولَ بِإنشاءِ دَولةِ إسرائيل. هُنا، يَهمُّنا أن نَقولَ إنَّ الكنيسة غيرُ مَسؤولةٍ عن الأخطاء الّتي ارتَكَبَها أو يَرتَكبُها كلُّ مَن يدَّعي انتِماءَه إليها، وهذا يَعني أنَّ لا علاقةَ للكَنِيسة بالإبادةِ الّتي قام بِها هِتلر قَديمًا تُجاه يَهودٍ وغير يَهود. وبالتَّالي، لم يَكُن على الكَنيسة الاعتِذار عمَّا لم تَفعلُه! إنَّ ألـمَانيا ما زالَتْ إلى يَومِنا هذا تَدفعُ مَبالِغَ مادِيَّةً طائلةٍ لليَهود، كتَعويضٍ عمَّا ارتَكَبَه هِتلِر بِحَقِّهم! وهُنا، نَطرَحُ السُّؤال: مَن القائل إنَّ الإبادةَ الّتي قامَ بِها هِتلر طالَت اليَهود فقط؟ إنَّ هذه الإبادةَ شَمَلَت أشخاصًا مِن مُختَلفِ الدِّيانات ومِن مُختَلفِ بلدان أوروبا الشَّرقيّة. إخوَتي، إنّ اليَهودَ الـمُتَدَيِّنين الحَقِيقيِّين لا يَعتَرِفون بأنَّ دَولَتَهم هي إسرائيل؛ وهذا ما تُؤكِّد عليه أيضًا أَهمُّ جَمعيّةٍ يَهوديّةٍ في العالَم، وتُدعى “ناتوري كارْتا”. وبالتَّالي، إذا كان اليَهودُ الـمُتـدَيِّنون حقًّا لا يَعتَرِفون بِدَولة إسرائيل، لِماذا علينا، نحن المسيحِيّين، الاعترافُ بِها، والشُّعورُ بالذَّنب إنْ لَم نُقِم مَعها مُعاهداتِ سلامٍ؟ إنَّ دَولةَ إسرائيل هي دَولةٌ كَسائر دُوَل العالم، وهي في الحقيقة لا تَمتُّ إلى الدِّينِ اليَهوديّ بِصِلة. مِن جهةٍ أخرى، على المسيحيِّ ألّا يُشَّرِعَ سَرِقةَ اليَهود لِكُتبِ التَّوراة، فيَتخلَّى عنها إرضاءً لليَهود. إنَّ كَلِمَة الله، في العَهدِ القَديم كما في العَهدِ الجَديد، هي مُلكٌ لله وَحدَه، وبالتَّالي الكَنِيسَةُ لا تَملِكُ الكِتابَ المقدَّس بل هو الّذي يَملِكُها. إنَّ كَلِمَةَ اللهِ غيرُ خاضِعَةٍ للنِّقاش، أمَّا ظُروفُ كِتابَتِها فيُمكِنُنا مُناقَشَتها. لا مُشكلةَ في اعتِرافِنا بِوُجودِ أديانٍ سماويّةٍ أُخرى، ولكنَّ الـمُشكلة هي تَشريعُنا سَرقةَ اليَهودِ لِكُتُبِ التَّوراة، الّتي هي مِلكُ المسيحيِّين الّذين آمَنوا بِكَلِمَة الله واعتَرفوا بِالـمَسيحِ يَسوع مُخلِّصًا لهم. لقد ارتكَبَ المسيحيُّون خَطيئةً فادحةً بِاعتِرافِهم بِدَولة إسرائيل، كتَعويضٍ عن الإبادةِ الّتي قامَ بِها هِتلر، فَهَل نُلحِقُها بِخَطيئةٍ أكبر، هي الاعتِرافُ بأنَّ كُتُبَ التَّوراة هي مُلكٌ لليَهود؟! إنَّ الـمَسيحيَّ يَتبَعُ كَلِمَة الله الموجودةِ في العَهد القَديم والّتي تُخبِرُه عن مَجيءِ الـمُخلِّص، كما يَتبَعُ كَلِمَة الله في العَهد الجديد الّتي تُخبِرُه بأنَّ الـمُخلِّصَ الـمُنتَظرَ هو يَسوع النَّاصريّ الّذي أتى ليُخلِّصَ البَشَر مِن خَطاياهم؛ وهذا ما نَقلَه إلينا جَميعُ كُتَّابِ العَهدِ الجديد الّذِينَ أدركوا الإيمانَ الصَّحيح.
بِالعَودةِ إلى هذا النَّصِّ الإنجيليّ، يُخبِرُنا القِدِّيسُ مَرقس أنَّ رؤساءَ اليَهود قد خافوا مِنَ المسيح، لِذَلِك قرَّروا قَتله. وهُنا، يُطرَح السُّؤال: كَيف يَستَطيعُ شَخصٌ واحد أن يُخيفَ أُمَّةً؟! إنَّ سُلطانَ يَسوع لا يَقتَصِرُ على وُجودِ اثنَي عشر رَسولاً بالقُربِ منه، إنّما هو يَعتَمِدُ على كَلِمَته الّتي هي أقوى مِنَ السَّيف، لذا سمَّاها القِدِّيسُ بُولسُ الرَّسول: “سَيفُ الرُّوح” (أف 6: 17).
19 “وَلَمَّا صَارَ الْـمَسَاءُ، خَرَجَ إلَى خارِجِ المَدِينَةِ”:
إنَّ عِبارة “الـمَساء” تُعبِّر عن الظَّلامِ الّذي يَعيشُ فيه رؤساءُ اليَهود الّذِينَ قرَّروا قَتلَ الربِّ يسوع، أي قَتلَ مَن جاءَ إلَيهم ليُعطيَهم حَلّاً لِكُلِّ مَشاكِلِهم، أي الخلاص. إنَّ قرارَ قَتلِ يَسوع، اتَّخذَه رؤساءُ اليَهود بَعدَ خُروجِ الربِّ مِن مَدينةِ أُورشَليم.
20 “وَفِي الصَّبَاحِ إذْ كانُوا مُجتَازِينَ رَأَوا التِّينَةَ قَد يَبِسَتْ مِنَ الأُصُولِ”:
إنَّ يَباسَ التِّينةِ هو مِن جِهَةٍ تُحقيقٌ لِكَلِمَة الربِّ، كما أنَّه من جِهَةٍ أُخرى يُعبِّر عن نَتيجةِ القَرار الّذي اتَّخذَه رؤساءُ اليَهود بِقَتلِ الربِّ يَسوع، إذ لن يَتَمكَّنَ الشَّعبُ بَعد الآن مِن إعطاءِ ثِمارٍ صالحةٍ، لأنّه رَفضَ الاعترافَ بالربِّ مُخلِّصًا له.
21 “فَتَذَكَّرَ بُطرُسُ وَقالَ لَهُ: “يا سَيِّدِي، انْظُر! اَلتِّينَةُ الَّتي لَعَنْتَها قَد يَبِسَتْ!”.
22 “فَأَجابَ يَسوعُ وَقالَ لَهُم: “لِيَكُنْ لَكُم إيمانٌ بِاللّهِ”.
23 “لِأَنّي الحَقَّ أَقُولُ لَكُم: إنَّ مَنْ قالَ لِهذا الجَبَلِ: انْتَقِل وَانْطَرِحْ في البَحرِ! وَلا يَشُكُّ في قَلبِهِ، بَل يُؤمِنُ أَنَّ ما يَقُولُهُ يَكُون، فَمَهما قالَ يَكُنْ لَهُ”.
24 “لِذلِكَ أَقُولُ لَكُم: كُلُّ ما تَطلُبُونَهُ حِينَما تُصَلُّونَ، فَآمِنُوا أَن تَنالُوهُ، فَيَكُونَ لَكُم”.
إنَّ انتِقالَ الجَبلِ وَوُقوعَه في البَحر هو صُورةٌ استَخدمَها الربُّ يسوع للإشارةِ إلى قُوّةِ الإيمانِ وفاعِلِيَّتِه. إنَّ الإيمانَ لَيسَ مجرَّدَ فِكرةٍ، بل هو قادرٌ على مَنحِ الإنسان القوَّة والشِّفاء، استنادًا لِمَن أو ما يُؤمِن به الإنسان. إنَّ الإنسانَ مُرتَبطٌ ارتِباطًا وثيقًا بِمَن أو ما يؤمِن به.
فَعَلى سَبيلِ الِمثال: إنَّ الإنسانَ الّذي يُؤمِنُ بالحَجَر لن يَحصلَ على القُوَّةِ أو الشِّفاء، لأنّ الحَجرَ غَيرُ قادرٍ على مَنحِ أيِّ شيءٍ للإنسانِ؛ ولكنْ إذا آمَنَ الإنسانُ بِحَجَرِ الزَّاوية أي بِيَسوع المسيح، فَهُو بالتَّأكيدِ سيَنالُ القوَّةَ والخلاصَ والشِّفاء، لأنَّ الربَّ قادرٌ على إعطائِهِ ذَلِك. إذًا، على الإنسانِ أن يُؤمِنَ بِمَن يَستَطيعُ أن يَمنحَه القوّةَ، ألا وهُوَ يَسوع المسيح.
25 “وَمَتَى وَقَفتُم تُصَلُّونَ، فَاغفِرُوا إنْ كانَ لَكُم عَلَى أَحَدٍ شَيءٌ، لِكَي يَغفِرَ لَكُم أَيضًا أَبُوكُم الَّذي في السَّماواتِ زَلَّاتِكُم.
26 وَإنْ لَمْ تَغفِرُوا أَنتُم لا يَغفِر أَبُوكُم الَّذي في السَّماواتِ أَيضًا زَلَّاتِكُم.”
إنَّ الربَّ يسوع يَطلُب مِنَّا أن نَغفِرَ للآخَرين زَلَّاتهم، كي يَغفِرَ لنا الله الآبُ زَلَّاتِنا. وهُنا نَسأل: لماذا يَطلُب مِنّا الربُّ الغُفران لإخوتِنا؟ في هذا النَّص، يُخبِرُنا الإنجيليُّ مَرقس أنَّ الربَّ يَسوع في طَريقِه إلى أُورشَليم حَيثُ سيُصلَب ويَموت؛ وهُناك، على الصَّليب، طَلَبَ الربُّ يَسوعُ مِن اللهِ أَبيهِ أنْ يَغفِرَ لِصَالبيه، قائلاً: “إغفِر لهم يا أبتاه لأنّهم لا يَدرون ماذا يَفعَلون” (لو 23: 34). إنَّ اللهَ الآب، من خلال عمليّة صَلب اِبْنِه يسوع، مَنَح جَميعَ البَشرِ الغُفرانَ الكامِلَ على جَميع خطاياهم، أي الخَلاص، ودَعاهم لِكَي يَكُونوا أبناءَه. أنْ يَكونَ الإنسانُ ابنًا لله، فَهَذا يَعني أن يَكُونَ بِلا لَوم، أي بِلا خطيئة؛ والإنسان لا يَستَطيعُ ذلِكَ بِقُوَّته الذَّاتية، لذا هو يَحتاجُ إلى الله كي يَغفرَ له خَطاياه، فيَكُونَ بلا لَومٍ أمامَه.
وفي هذا الإطار، يُخبِرُنا الكِتابُ المقدَّس، في سِفر إرميا تَحديدًا، أنَّه حين يَغفِرُ الله الخَطايا لِشَعبه، فإنّه لا يَعودُ يَذكُرها مِن بَعد، ولذا يُباِدر أيضًا إلى إقامةِ عَهدٍ جديدٍ مَع الإنسانِ التّائب. إذًا، الغُفرانُ هو حالةٌ إلهيّةٌ لا إنسانيّة، وهذا يَعني أنَّ الإنسانَ الّذي يَتمَكَّنُ مِن الغُفرانِ لأخيهِ الإنسانِ قد دَخلَ في هذه الحالة الإلهيّة، حالةِ الرُّوحِ القُدس، وبالتَّالي أصبَحَ قَريبًا مِن الأُلوهةِ؛ وأمَّا إذا لم يَتَمكَّنْ الإنسانُ مِن ذَلِك، فهذا يَعني أنَّه لا يَزالُ غارِقًا في الحالةِ الإنسانيّةِ المهتَرئة. بالنِّسبة إلى الله، إنَّ مَسألةَ الغفرانِ هي في غايةِ الأهميّة، بالنِّسبة إلى الله، لِذَلِك قال لنا الربُّ يسوع: “وَإنْ لَمْ تَغفِرُوا أَنتُم لا يَغفِر أَبُوكُمُ الَّذي في السَّماواتِ أَيضًا زَلَّاتِكُم” (مر 11: 26). إنَّ اللهَ لا يَطلبُ مِنَ الإنسانِ الغفرانَ لأخيه مِن بابِ التَّمنِّي أو التَّقَوى الإيمانيّة، إنَّما مِن بابِ الضَّرورة، فالغُفرانُ هو شَرطٌ أساسيٌّ لِلحُصولِ على الخَلاصِ الّذي أتَّمَه اللهُ على الصَّليب والاستفادةِ مِنه. فإنَّ الخطايا الّتي يَغفِرُها الإنسانُ لأخيه الإنسانِ، مَهما عَظمُت، تَبقى صغيرةً جدًا إذا ما قُورِنَت بِغُفران اللهِ لِخَطايانا.
إذًا، إنَّ الله لا يُساوِمُ أبدًا على مَسألةِ الغُفرانِ للآخَرين، كما أنّه أيضًا لا يُساوِمُ على مَسألةِ إدانَتِنا للآخَرين، لذا قَال لنا الربُّ يَسوع: “لا تَدينوا لئلّا تُدانوا” (متى 7: 1). إنَّ اللهَ قد سلَّمَ الإنسانَ مَسؤوليّةَ السَّعي إلى الكَمال والقَداسة، أي التَّشبُهِ به، لذا قال لنا الربُّ يسوع: “كونوا كامِلِين كما أنَّ أباكم السّماوي كاملٌ هو” (متَّى 5: 48)، ولكنَّه لا يَستطيعُ تَسليمَه مَسؤوليّةَ الحُكمِ على الآخَرين، لأنَّه لا يَثِقُ بأنَّ الإنسانَ قادرٌ على أن يَكونَ قاضِيًا عادلاً ورَحيمًا لأخيه، لذا أبقى الله على هذه الصّلاحيّةِ أي صَلاحيّةِ الحُكم على البَشَر في يَدِهِ وَحده دونَ الإنسان. إنَّ القاضي الّذي لا يَستطيعُ أن يَكونَ عادلاً ورَحيمًا مع أخيه الإنسان، هو قاضٍ ظالمٌ وقاسٍ، حتّى وإنْ كانَ حُكْمُه مُستَنِدًا إلى القانون، وهذا ما نَختبِرُه في عالَمِنا اليوم.
27 “وَجاءُوا أَيضًا إلَى أُورُشَلِيمَ. وَفِيما هُوَ يَمشِي في الهَيْكَلِ، أَقبَلَ إلَيْهِ رُؤَسَاءُ الكَهَنَةِ وَالكَتَبَةُ وَالشُّيُوخُ،
28 وَقَالُوا لَهُ: “بِأَيِّ سُلطَانٍ تَفعَلُ هذَا؟ وَمَن أَعطاكَ هذا السُّلطَانَ حَتَّى تَفعَلَ هذَا؟”.”
إنَّ أقوالَ الربِّ وأعمالَه قَد شَكَّلَت تَحَدِّيًا لِرُؤساءِ اليَهود، وهذا ما كانَ قد أَخبَرنا بِه الإنجيليُّ مَرقس في بدايةِ إنجيلِه، إذ قالَ لنا إنَّ رؤساءَ اليَهودِ كانوا يَتعجَّبون مِن السُّلطان الّذي كان يَملِكُه يسوع، ألا وهو سُلطانُ الكَلِمة. وهذا ما كانَ الله نَفسُه قد أكَّده لنا حين قالَ لنا إنّ كلَمتَه الّتي يُرسِلُها إلى العالَم لا تَعود إليه إلّا وقَد أتَّمَت ما هو مَطلوبٌ مِنها. إذًا، إنّ كَلِمَةَ الله لها سُلطانُ الكَلِمَة وسُلطانُ الفِعل في آنٍ معًا.
29 “فَأَجابَ يَسُوعُ وَقالَ لَهُم: “وَأنَا أَيضًا أَسأَلُكُم كَلِمَةً وَاحِدَةً. أَجِيبُوني، فَأَقُولَ لَكُم بِأَيِّ سُلطانٍ أَفعَلُ هذَا.
30 “مَعمُودِيَّةُ يُوحَنَّا: مِنَ السَّماءِ كانَتْ أَمْ مِنَ النَّاسِ؟ أَجِيبُوني”.
هذه هي طريقةُ يَسوع في الإجابةِ على أسئلةِ شَعبِه، فَهُو يُجيبُ على سؤالِ الكَتَبةِ ورؤساءِ اليَهود لا بِجوابٍ صريح إنَّما بِسُؤالٍ فيه جوابٌ على سؤالِهم له، إذ إنَّ هَدَف يسوع هُنا هو إفحامُ شَعبه أي إسكاتُه.
31 “فَفَكَّرُوا في أَنفُسِهِم قائِلِينَ: “إنْ قُلْنَا: مِنَ السَّماءِ، يَقُولُ: فَلِماذَا لَم تُؤمِنُوا بِهِ؟”.
32 “وَإنْ قُلْنَا: مِنَ النَّاسِ”. فَخافُوا الشَّعبَ. لأَنَّ يُوحَنَّا كانَ عِندَ الجَمِيعِ أَنَّهُ بِالحَقِيقَةِ نَبِيٌّ”.
33 “فَأَجابُوا وَقَالوا لِيَسوع: “لا نَعلَمُ”. فَأجابَ يَسُوعُ وَقالَ لَهُم: “وَلا أَنا أَقُولُ لَكُم بِأَيِّ سُلطَانٍ أَفعَلُ هذَا”.
إنَّ جوابَ الكَتبَة ورؤساءَ اليَهود على سؤالِ يَسوع كان “لا نَعلم” (مر 11: 33)، أمَّا جوابُ الربِّ عَلَيهم فَلم يَكُن أبدًا مُشابِهًا لِجوابِهم قائلاً لهم “لا أعلم”، بل قالَ لَهُم: “وَلا أَنا أَقُولُ لَكُم بِأَيِّ سُلطانٍ أَفعَلُ هذَا” (مر 11: 33). إنَّ عبارةَ “لا أعلم”، لَيسَت في الحقيقةِ جوابًا، على أيِّ سؤالٍ قد يُطرَح على يَسوع. مِن خلالِ جوابِه لهم، أرادَ الربُّ يَسوع أن يَقول لهم إنّه كي يتمكَّنوا من معرفةِ أسرارِ الله، عليهم أوّلاً القَبولُ به مَسيحًا ومُخلِّصًا، وقد اكتَشَفوا تلك الأسرار حينَ صَلَبوه.
في هذا النَّص، أخبَرنا الإنجيليُّ مَرقس عن مَسيرةِ الربِّ نَحو أورشليم، الّتي سَيُصلَبَ فيها. عِندَ دخولِ الربِّ إلى أُورشَليم، أعلنَ الشَّعبُ مُلوكيّةَ الربِّ يسوع عليه. والـمَلِك، كما قُلنا، يَدخل إلى الـمَدينة مُنتَصرًا بَعد خَوضِه معركةً أو حربًا، فيَجلِسُ على عَرشِه. إنَّ الربَّ يَسوع قد دَخلَ إلى أُورشَليم، فكان الجَحشُ عَرشَه الّذي جَلَسَ عليه. وكي تَتحقَّق صِفات الملوكيّة في الربِّ يسوع، عَلَيه أن يَخوضَ حَربًا ويَنتَصرَ فيها، وهذا ما سيَفعله الربُّ يسوع حِينَ سيُصلَب إذ سَينتَصرُ على الموتِ بالقيامة. إذًا، إنَّ أرضَ المعركةِ الّتي عَليها سيَخوض الربُّ يسوع حَربَه هي الصَّليب، وهُناكَ سيُحقِّقُ المعنى الحقيقيّ للخُروج، ألا وهو العبورُ من الموت إلى الحياة.
إذًا، انطلاقًا من هذا الإصحاح وحتّى نهايةِ إنجيله، سَيُخبِرنا الإنجيليُّ مَرقس عن المعركة الّتي خاضَها الربُّ يسوع ضِدَّ العَدوّ، أي الشِّرير. في هذه الإصحاحات، سنَكتَشِف هويّةَ عَدوِّ اللهِ وطبيعةَ المعركة الّـتي سَيخُوضُها الربُّ في أُورشَليم على الصّليب. إنّ مَعرَكَة الربِّ ضِدَّ الشَّر لن تَكُونَ مَعركةً سَهلةً أبدًا، إذ سيَتساقَطُ مِنه عَرَقٌ ودَمٌ. لقد طَلَبَ الربُّ يسوع مِن أبيه أن يُبعِدَ عَنه هذه الكأس، لا لأنّه خائفٌ من الموت، إنّما هو خائفٌ مِن الوقوفِ أمامَ أبيه كَخائنٍ، هو الّذي عاشَ في أمانةٍ لأبيه طيلَة حياتِهِ الأرضيّة، ما دَفع الله الآب إلى التَّعبيرِ عن سرورِه بابِنه بالقَول: “هذا هو ابني الحبيب الّذي به سُرِرت”(متى 3: 17). لقد خافَ الربُّ يسوع مِن عَدمِ تقبُّلِ البَشَرِ مَوتَه على الصّليب، فيعتقدون بأنَّ الله أباه قد تخلَّى عنه، إذ كيف يُعقَل أن يَموت رَجل الله مُعلَّقًا على الصَّليب! لقد دَفع الربُّ أُجرةَ الخطيئةِ على الرُّغم مِن أنَّه البّار. إنَّ مَوتَ الربِّ على الصَّليب سيَدفَعُ الشَّعبَ إلى طَرح السُّؤال التَّالي: إذا كانَ الربُّ يسوع هو ابنُ الله حقًّا، فَكَيفَ يسمح الله لابنِه أن يَموت مَصلوبًا؟! هذا هو التَّحديّ الّذي سنَكتَشفُ تَفاصِيلَه في الإصحاحاتِ القادِمَة مِن إنجيل مَرقس. وشُكرًا لإصغائكم.
ملاحظة: دُوِّنت المحاضرة بأمانةٍ مِن قِبَلِنا.
