تفسير الكتاب المقدّس
الأب ابراهيم سعد
إنجيل القدّيس مرقس الرّسول – الإصحاح الخامس عشر
في الإصحاحَين الأخيرَين مِن هذا الإنجيل، أي في الإصحاحِ الخامِس عَشَر والإصحاحِ السّادس عَشَر، يُخبِرُنا الإنجيليُّ مَرقُس قِصَّةَ محاكمةِ الربِّ يسوع وصَلبِه ومَوتِه على الصَّليب وقِيامَتِه مِن بَين الأموات. إستنادًا إلى الـمَخطوطاتِ القديمة والأصلِيَّة، يَنتَهي إنجيلُ القِدِّيس مَرقُس عند الآيةِ الثّامِنَة مِن الإصحاح السَّادس عَشَر، وهذا يعني أنَّه، لِسَببٍ مُعَيّنٍ، لَم يُخبِرْنا الإنجيليُّ مَرقُس عن ظُهوراتِ المسيح بَعد القيامة. لِذَلك، قَام ناسخو هذا الإنجيلِ بإضافةِ القِسمِ المتعلَّقِ بِهَذه الظُّهورات، مُستَنِدين إلى التَّقليدِ الكَنَسيّ الأوَّل. ولكنْ، على الرُّغم مِن كُلِّ ذلك، تَعتَرفُ الكَنيسَةُ بإنجيلِ مَرقُس كما وَصَل إلينا اليَوم، أي بِإصحاحاتِه السِّتَّة عَشَر كامِلَةً.
1“وَلِلوَقتِ في الصَّباحِ تَشاوَرَ رُؤَساءُ الكَهَنَةِ وَالشُّيُوخُ وَالكَتَبَةُ وَالـمَجْمَعُ كُلُّهُ، فَأَوثَقُوا يَسُوعَ وَمَضَوا بِهِ وَأَسلَمُوهُ إلى بِيلاطُسَ.
2 فَسأَلَهُ بِيلاطُسُ: “أَأَنتَ مَلِكُ اليَهُودِ؟” فَأَجابَ وَقالَ لَهُ: “أَنتَ تَقُولُ”.
3 وَكانَ رُؤَساءُ الكَهَنَةِ يَشتَكُونَ عَلَيهِ كَثِيرًا.
4 فَسَأَلَهُ بِيلاطُسُ أَيضًا قائلًا: “أَما تُجِيبُ بِشَيءٍ؟ اُنظُرْ كَم يَشهَدُونَ عَلَيكَ!”
5 فَلَمْ يُجِبْ يَسُوعُ أَيضًا بِشَيءٍ حَتَّى تَعَجَّبَ بِيلاطُسُ”.
ها هي المؤامرةُ الّتي حاكَها رؤساءُ اليَهودِ ضِدَّ يسوع تُنفَذُّ اليَوم بِكُلِّ تَفاصيلِها! إنَّ بيلاطُسَ الّذي تَكلَّمَ عليه الإنجيليُّ مَرقُس هو مَعروفٌ عِندَنا، نحن المسيحيّين، بِاسمِ بيلاطُسِ البُنطيّ. إنَّ عِبارةَ “البُنطيّ” لا تُشير إلى اسمِ عائلةِ بيلاطُس ولا إلى المدينةِ الّتي يَنحَدِرُ مِنها ولا حتّى إلى لَقبٍ يَتحلَّى به، إنّما إلى اسمِه الأوَّل فهو يُدعى في اللُّغةِ اليُونانيّةِ “بُنطِي بيلاطُس”، وقد تُرجِمَ إلى اللُّغة العَربيّةِ بِعِبارةِ “بِيلاطُس البُنطيّ”. في هذا النَّصّ، نُلاحِظُ أنَّ الربَّ يسوع لَم يُجبِ على أسئلةِ بيلاطُس، أي أنّه التَزَم الصَّمتَ، واكتفى فقط بِقَول ما عليه قَولُه، أي ما هو ضَروريٌّ جِدًّا. وَهُنا، نَتذكَّرُ ما قالَه لنا النَّبيُّ إشعيا: “كَشَاةٍ تُساقُ إلى الذَّبحِ، وَكَنَعجَةٍ صامِتَةٍ أَمامَ جازِّيها فَلَمْ يَفتَحْ فاهُ” (أش 53: 7)، لأنّه يَنطبِقُ تمامًا على ما حَدَثَ مع الربِّ يسوع عند اقتيادِه إلى المحاكمَةِ أمام بيلاطُس.
6 “وَكانَ يُطلِقُ لَهُم في كُلِّ عِيدٍ أَسِيرًا واحِدًا، مَنْ طَلَبُوهُ.
7 وَكانَ الـمُسَمَّى باراباسَ مُوثَقًا مَعَ رُفَقائِهِ في الفِتنَةِ، الَّذِينَ في الفِتنَةِ فَعَلُوا قَتلًا.
8 فَصَرَخَ الجَمعُ وَابتَدَأُوا يَطلُبُونَ أَنْ يَفعَلَ كَما كانَ دائمًا يَفعَلُ لَهُم.
9 فَأَجابَهُم بِيلاطُسُ: “أَتُريدُونَ أَنْ أُطلِقَ لَكُم مَلِكَ اليَهُودِ؟”
10 لأَنَّهُ عَرَفَ أَنَّ رُؤَساءَ الكَهَنَةِ كانُوا قَد أَسلَمُوهُ حَسَدًا.
11 فَهَيَّجَ رُؤَساءُ الكَهَنَةِ الجَمْعَ لِكَي يُطلِقَ لَهُم بِالحَرِيِّ باراباسَ.
12 فَأجَابَ بِيلاطُسُ أَيضًا وَقالَ لَهُم: “فَماذا تُريدُونَ أَنْ أَفعَلَ بِالَّذي تَدعُونَهُ مَلِكَ اليَهُودِ؟”
13 فَصَرَخُوا أَيضًا: “اصْلِبْهُ!”
14 فَقَالَ لَهُم بِيلاطُسُ: “وَأَيَّ شَرّ عَمِلَ؟” فَازدادُوا جِدًّا صُراخًا: “اصْلِبْهُ!”.”
في كُلِّ سَنةٍ، في عِيدِ الفِصح، كانَ بيلاطُسُ يُطلِقُ لليَهودِ سَجينًا مِن اختِيارِهم. وفي هذه السَّنةِ أيضًا، كما في كُلِّ سَنةٍ، طَالَب اليَهودُ بيلاطُسَ بأن يُطلِقَ لَهم سَجينًا، وقد اختاروا إطلاقَ سراحَ باراباس. إنَّ باراباسَ هو رَجلٌ قاتلٌ ومتمرِّدٌ، يَنتمي إلى جماعةِ يَهوذا الإسخريوطيّ الّتي تَسعى إلى محاربةِ الرُّومانِ بِاستخدامِ الخَنجَرِ أو السَّيف، كما تَدلُّ عِبارةَ “الإسخريوطيّ” في اليُونانيّة. في العِبريّة، يتألَّفُ اسمُ “باراباس” مِن عِبارَتين هما: “بار” وتَعني ابنًا، و”أبَّا” وتعني الآب؛ وبالتَّالي يُصبحُ مَعنى اسمِ “باراباس” هو “ابنُ الآب”. وهُنا، نَتذكَّرُ ما نادى به الربُّ يسوع اللهَ الآب، حين كانَ في الجِسمانيّة يُصلِّي، إذ قال له: “أبَّا”، وهذا يعني أنَّ الربَّ يسوع هو ابنُ الله الآب.
وبالتَّالي، فإنَّ الربَّ يسوع هو ابنُ الله الحقيقيّ، أمَّا باراباس فَهو ابنُ الله المزَيَّف. عِندَ بيلاطُس، كان على اليَهود أن يَختاروا إطلاقَ سَراحِ: إمَّا الربِّ يسوع، الابنِ الحقيقيّ للآب؛ وإمّا باراباس، الابنِ المزيّفِ للآب؛ فَقَررّوا إطلاقَ سَراحِ باراباس صاحِبِ الفِتنَة، وصَلْبِ الربِّ يسوع الابنِ الحقيقيّ للآب. إنَّ بِيلاطُسَ البُنطيّ، ذلك الرَّجُلَ الوَثنيّ، قد عَرَض على اليَهود، ثلاثَ مرَّاتٍ إطلاقَ سَراحِ الربِّ يسوع، إذ لَم يَجدْ سَببًا لاعتقالِه، فَهُو كان يَعلَمُ أنَّ رؤساءَ اليَهودِ قد اعتَقَلوه نَتيجةَ حَسَدِهم مِنهُ؛ ولكنَّ اليَهودَ رفضوا ذلك وأعلَنوا اختيارَهم إطلاقَ سَراحِ باراباس. كانَ الصَّلبُ وَسيلةَ إعدامٍ يَستَخدِمُها الرُّومانُ لِقَتلِ العَبيد، أي الّذين يَعيشونَ في مُستَعمراتٍ رُومانيّةٍ ولا يَحمِلُون الجِنسيّة الرُّومانِيَّة؛ وكانَت اليَهوديَّةُ إحدى تِلكَ الـمُستَعمرات؛ لذلك، تَمَّ قَتلُ الربِّ يسوع صَلبًا. هُنا، نَستطيعُ أن نُدرِك لماذا ماتَ بولسُ الرَّسولِ مَقطوعَ الرّأس والقدِّيسُ بُطرس مَصلوبًا! كان بولسُ الرَّسولِ يَملكُ الجِنسيّةَ الرُّومانيّة، لذا قُطِعَ رأسُه، فَوَسيلةُ الإعدامِ هَذهِ، بالنِّسبة إلى الرُّومانِ، هي أقلُّ عَذابًا مِنَ الصَّلبِ، فالمصلوبُ يَتعذَّبُ كثيرًا قَبْل أن يَموت. أمَّا بُطرسُ الرَّسول فقَد ماتَ مَصلوبًا لأنَّه على مِثال يسوع، لا يَملِكُ الجِنسيَّة الرُّومانِيَّة ويَعيشُ في اليَهوديّة؛ ولكنَّ بُطرسَ وَجدَ ذاتَه غَيرَ مُستَحِقٍّ أن يَموتَ مِثلَ الربِّ يسوع، لذا اختارَ الموتَ مَصلوبًا رأسًا على عَقِب.
15 “فَبِيلاطُسُ إذْ كانَ يُريدُ أَنْ يَعمَلَ لِلجَمعِ ما يُرضِيهِم، أَطلَقَ لَهُم باراباسَ، وَأَسلَمَ يَسوعَ، بَعدَما جَلَدَهُ، لِيُصلَبَ.
16 فَمَضَى بِهِ العَسكَرُ إلى داخِلِ الدَّارِ، الَّتي هِيَ دارُ الوِلايَةِ، وَجَمَعُوا كُلَّ الكَتِيبَةِ.
17 وَأَلبَسُوهُ أُرجُوَانًا، وَضَفَرُوا إكلِيلًا مِنْ شَوكٍ وَوَضَعُوهُ عَلَيهِ،
18 وَابْتَدَأُوا يُسَلِّمُونَ عَلَيهِ قائِلِينَ: “السَّلامُ يا مَلِكَ اليَهُودِ!”
19 وَكَانُوا يَضرِبُونَهُ عَلى رَأسِهِ بِقَصَبَةٍ، وَيَبصُقُونَ عَلَيهِ، ثُمَّ يَسجُدُونَ لَهُ جاثِينَ عَلى رُكَبِهِم”.
إنَّ الربَّ يَسوعَ قد تَعرّضَ لأقسى أنواعِ السُّخريَةِ والاستِهزاءِ مِنَ العَسكَرِ الرُّومانيِّ، عندما قامَ هؤلاءُ بِإلباسِهِ ثيابَ الـمُلوكِ الأرضيِّين، ولكن بَدَلَ أن يَضعوا على رأسِه إكليلاً مِن غار، وَضَعوا عليه إكليلاً من شَوكٍ.
21 “فَسَخَّرُوا رَجُلًا مُجتازًا كانَ آتِيًا مِنَ الحَقلِ، وَهُوَ سِمعَانُ القَيرَوانيُّ أَبو أَلَكْسَندَرُسَ وَرُوفُسَ، لِيَحْمِلَ صَلِيبَهُ.
22 وَجاءُوا بِهِ إلى مَوْضِعِ “جُلجُثَةَ” الَّذِي تَفسِيرُهُ مَوْضِعُ “جُمْجُمَةٍ”.
23 وَأَعطَوْهُ خَمْرًا مَمزُوجَةً بِمُرٍّ لِيَشْرَبَ، فَلَمْ يَقبَلْ”.
قامَ الرُّومانُ بِتَسخيرِ رَجُلٍ اسمُه سِمعانُ القَيرَوانيّ لِمُساعدةِ الربِّ يسوع على حَملِ الصَّليب. إنَّ اسمَ “سِمعان” يُشير إلى أنَّ هذا الشَّخصَ هو يَهوديٌّ، ولكنْ ما يَلفُتُ انتِباهَنا هو أنّ أسماءَ إبْنَيه هي أسماءُ يونانيّةٌ لا يَهوديّة: “ألَكسَندَرُس ورُوفُس”. إنَّ عِبارةَ “القَيرَوانيّ” تَعني الجُمجمة. إذًا، إنَّ سِمعانَ القَيرَوانيّ، هو شَخصٌ يَهوديٌّ سارَ مع الربِّ إلى الجُمجُمة، أي إلى مَكانِ الصّلب، وَلَدَيه أبناءُ يوناينِّين. مِن خلالِ سِمعانِ القَيرَوانيّ، أرادَ الإنجيليُّ مَرقُس أن يُخبِرَنا أنَّ اليَهودَ والأُمميِّين قد تَبِعوا الربَّ يسوع إلى الجُمجمة، فَنالوا خلاصَه. إذًا، هذا النَّص يُشكِّل دعوةً لنا إلى اتِّباعِ الربِّ يسوع، فَهو يُريدُ أن يَمنحَ خلاصَه لِجَميعِ النَّاس، ولكنَّ القَرارَ يَعودُ إلى الإنسانِ بِقُبولِ هذا الخلاصِ أو رَفضِه. إنَّ بَعضَ المؤمِنِين قد يَعتَرِضونَ على شَرحِنا لِاسمِ سِمعانِ القَيرَوانيّ، قائلِين لنا بأنَّ سِمعانَ القَيرَوانيّ هو فِعلاً مِن مَدينة قَيروان.
أمام هذا الاعتراضِ، نَسألُ: إذا كانَ سِمعانُ حقًّا مِن مَدينةِ قَيروان، فَما الّذي أتى به إلى مَدينةِ اليَهوديّةِ البَعيدةِ جدًا عن مَدينتِه؟ ولماذا أعطى هذا الشَّخصُ اليَهوديُّ أبناءَه أسماءَ يونانيِّة؟ هُنا، تَجدرُ بِنا الإشارةُ إلى أنَّ اليَهودَ لا يُعطونَ أبناءَهم أسماءَ يونانيَّة، إنّما فقط أسماءَ يَهوديّةً! وهُنا، نَستطيعُ أن نَفهَم سَببَ تَغييرِ الربِّ يَسوع اسمَ “سِمعان” إلى “بُطرس”، و”شاول” إلى “بولُس”، فَهو أرادَ مِن خلالِ إعطاءِ رَسولَيه أسماءَ يونانيّةً أن يُؤكِّدَ لنا أنَّ خلاصَه هو مُتاحٌ لليَهودِ وللأُمميِّين. إذًا، مِن خلال الإضاءة على اسم سِمعانِ القَيرَوانيّ، أرادَ الإنجيليُّ مَرقُس التَّأكيدَ للمؤمِنِين أنَّ خلاصَ الربِّ سيَطالُ جَميعَ البَشَر دونَ أيِّ استِثناء.
24 “وَلَمَّا صَلَبُوهُ اقْتَسَمُوا ثِيَابَهُ مُقتَرِعِينَ عَلَيْها: ماذا يَأخُذُ كُلُّ واحِدٍ؟
25 وَكانَتِ السَّاعَةُ الثَّالِثَةُ فَصَلَبُوهُ.
26 وَكانَ عُنوَانُ عِلَّتِهِ مَكتُوبًا: “مَلِكُ اليَهُودِ”.
27 وَصَلَبُوا مَعَهُ لِصَّيْنِ، واحِدًا عَن يَمِينِهِ وَآخَرَ عَن يَسارِهِ.
28 “فَتَمَّ الكِتَابُ القائِلُ: “وَأُحصِيَ مَعَ أَثَمَةٍ”.”
يُؤكِّدُ لنا الإنجيليُّ مَرقُس في الآيةِ الرَّابعةِ والعِشرين مِن هذا النَّصِّ ما وَرَد في المزمور 22 (مز 22: 18)، حَولَ مسألةِ الاقتراعِ على ثِيابِ الربِّ. في هذا النَّصّ، لم يُخبِرْنا الإنجيليُّ مَرقُسُ أيَّةَ تَفاصيلَ حَولَ ثَوبِ الربِّ، إنّما اكتَفى بإخبارِنا بِما قامَ به الجُنود؛ في حينِ أنَّ الإنجيليَّ يوحنَّا قد أعطانا بَعضَ التَّفاصيلِ حَولَ ذلك، فأخبَرَنا أنَّ ثَوبَ الربِّ يسوع كان غيرَ مَخيطٍ أي أنّه كان مؤلَّفًا مِن قِطعةٍ واحدةٍ، على مِثالِ ثَوبِ رئيسِ الكَهنة في تِلك الأيّامِ. في تحديدِه لِسَاعةِ مَوتِ الربِّ يسوع، اعتمَدَ الإنجيليُّ مَرقُس على التَّوقيتِ المعتَمَدِ في الخِدمةِ العَسكريّةِ عِندَ الرُّومان، وبِذَلِكَ تَطابقَتْ رِوايتُه عَن صَلبِ الربِّ يسوع مَع كلِّ نُبوءاتِ العهدِ القَديمِ الّتي تَكَلَّمَت على مَوتِ المسيح.
29 “وَكانَ الـمُجتَازُونَ يُجَدِّفُونَ عَلَيهِ، وَهُمْ يَهُزُّونَ رُؤُوسَهُمْ قَائِلِينَ: “آهِ يا ناقِضَ الهَيكَلِ وَبانِيَهُ في ثَلاثَةِ أَيَّامٍ!
30 خَلِّصْ نَفسَكَ وَانْزِلْ عَنِ الصَّلِيبِ!”
31 وَكَذلِكَ رُؤَساءُ الكَهَنَةِ وَهُمْ مُستَهزِئُونَ فِي ما بَينَهُم مَعَ الكَتَبَةِ، قَالُوا: “خَلَّصَ آخَرِينَ وَأَمَّا نَفْسُهُ فَما يَقدِرُ أَنْ يُخَلِّصَها!
32 لِيَنْزِلِ الآنَ الـمَسِيحُ مَلِكُ إسرَائِيلَ عَنِ الصَّلِيبِ، لِنَرَى وَنُؤمِنَ!” وَاللَّذَانِ صُلِبَا مَعَهُ كانَا يُعَيِّرَانِهِ.”
إنَّ كلامَ الربِّ يَسوع عن هَدمِ الهَيكلِ وبِنائِهِ في ثَلاثةِ أيّامٍ قَد تَحوَّلَ إلى تُهمَةٍ ضدَّه، إذ اعتَقَدَ رؤساءُ اليَهودِ عِندَ سَماعِهِم هذا الكلامَ أنَّ الربَّ يَسوعَ يَقصِدُ هيَكلَ أُورَشَليمَ في حِين أنَّه كانَ يَقصِدُ هَيكلَ جَسدِه، فَهو سيَموتُ ثمّ يَقومُ في اليَومِ الثَّالثِ. إنَّ الربَّ يسوع هو هَيكَلُ الله الحقيقيّ، لذا سَكَنَ اللهُ فيه بِشَكلٍ دائمٍ ومُطلَق، لا بشكلٍ مَنقوصٍ ومُؤقَّتٍ، وهذا يَعني أنَّ الألوهةَ الكامِلَة قد سَكَنَتْ في يَسوع المسيحِ الإنسان. في هذا النَّص، أخبَرَنا الإنجيليُّ مَرقُسُ أنَّ رؤساءَ اليَهودِ قد طَلَبوا إلى يسوعَ النُّزولَ عن الصَّليبِ كي يُعلِنُوا إيمانَهم به. في هذا الإطار، أودُّ أن أقولَ لكم إنَّه حتّى وإن نَزِلَ المسيحُ عَن الصَّليبِ، ما كانَ رُؤساءُ اليَهود سيُؤمِنُونَ به! هذه هي عاداتُ اليَهود: السَّعي وراءَ الأعاجيب! كانَ الربُّ يسوع يَعلَمُ أنَّ رؤساءَ اليَهودِ قد أدرَكُوا حَقيقَتَه وأنَّهم لِذَلِكَ قَتلوه، ولكنَّهُ حاولَ البَحثَ عن سَببٍ تَخفيفيّ لهم يَدفَعُه إلى مُسامَحَتِهم على ما ارتَكبُوه في حقِّه وبالتَّالي الطَّلبِ إلى اللهِ أبِيهِ أن يَغفِرَ لَهُم خَطيئَتَهم العَظيمةَ هذه، لذلك قالَ لأبيهِ مِن أعلى الصَّليبِ: “اغفِر لَهُم يا أبَتاهُ لأنَّهم لا يَعلَمونَ ماذا يَفعَلون”(لو 23: 34).
إذًا، مِن غَير الجائزِ القَولُ إنَّ رؤساءَ اليَهودِ قد قَتلوا الربَّ لأنّهم لَم يَعرِفوا حَقيقتَه! مِن خِلالِ طَلَبِه الغُفرانَ للَّذِينَ قَتَلوه، أظهرَ الربُّ يسوعُ طاقةَ حُبِّهِ الكامِلَةَ للبَشَر. وهُنا قد يَتساءَلُ البَعضُ، قائلِين: إذا كانَ اليَهودُ قد أدرَكوا حقًا حَقيقةَ المسيحِ يسوع، لماذا نَراهُم في حالةِ انتظارٍ دائمةٍ لِمجِيئِهِ؟ وهنا أيضًا، أودُّ أن أقولَ لَكُم إنَّ رؤساءَ اليَهودِ قد أدرَكُوا بِالفِعلِ حَقيقَةَ الربِّ يسوع، ولكنَّهم أقنَعوا الشَّعبَ بأنَّ المسيحَ لَم يأتِ بَعد، لِيَتَمكَّنُوا مِن قَتلِه في ذَلِكَ الحين؛ وإذا أرادوا اليَومَ الاعترافَ بِهَذه الحقيقةِ للشَّعب، فإنَّهم سيَكُونونَ في مأزقٍ أمامَ شَعبِهم! وفي هذا السّياق، دعوني أُخبِركم قِصَّةَ كاهِنٍ مَسيحيٍّ التَقى على مَتنِ طائرةٍ أثناء سَفرِه بِحاخامٍ يَهوديّ، فقرَّرَ التَّحدثَ معه وذلك لِتَمريرِ الوقت، ريثَما يَصِلُ كُلٌّ مِنهُما إلى المكانِ المقصود. في خلالِ الحديثِ، قالَ الحاخام للكاهِنِ إنَّ اليَهودَ لا يُمانِعونَ بالاعترافِ بأنَّ المسيحَ يسوع هُوَ ابنُ الله، ولكنَّهُم يُواجِهونَ صُعوبةً في الاعترافِ بأنّه المسيحُ المنتَظر، لأنّ في ذَلِكَ تأثيرًا خَطيرًا على مَصيرِ الشَّعبِ اليَهوديّ.
33 “وَلَمَّا كانَتِ السَّاعَةُ السَّادِسَةُ، كانَتْ ظُلمَةٌ عَلى الأَرضِ كُلِّها إلى السَّاعَةِ التَّاسِعَةِ.
34 وَفِي السَّاعَةِ التَّاسِعَةِ صَرَخَ يَسُوعُ بِصَوتٍ عَظِيمٍ قائلًا: “إِلُوِي، إِلُوِي، لِمَا شَبَقْتَني؟” الَّذي تَفسِيرُهُ: إِلَهي، إِلهي، لِماذا تَرَكتَنِي؟
35 فَقالَ قَومٌ مِنَ الحاضِرِينَ لَمَّا سَمِعُوا: “هُوَذا يُنَادِي إيلِيَّا”.
36 فَرَكَضَ واحِدٌ وَمَلأَ إسْفِنْجَةً خَلًا وَجَعَلَها عَلى قَصَبَةٍ وَسَقَاهُ قائلًا: “اتْرُكُوا. لِنَرَ هَلْ يَأتي إيلِيَّا لِيُنْزِلَهُ!”
37 فَصَرَخَ يَسُوعُ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ وَأَسْلَمَ الرُّوحَ.”
إنَّ السَّاعةَ السّادِسَةَ تُشيرُ إلى السَّاعةِ الثّانيةَ عشرةَ ظُهرًا. وهُنا، نَتذكَّرُ لقاءَ الربِّ يسوع بالمرأةِ السّامريَّةِ الّذي تَمَّ عِندَ البئرِ في السَّاعةِ الثّانِيَةَ عَشرَةَ ظُهرًا، بِحَسبِ قَولِ الإنجيليِّ يوحنَّا، أي في أصعبِ لَحظةٍ مِنَ العطشِ خِلالَ النَّهار، إذ إنّه في تِلكَ السَّاعةِ يَكونُ الحرُّ شديدًا جدًّا. وبالتَّالي، نُلاحِظُ أنَّ الإنجيليَّ يوحنَّا أرادَ الرَّبطَ بَين حادثةِ لقاءِ الربِّ يسوع بالمرأةِ السّامريّة وبَين حادثةِ الصَّلب، إذ إنَّ هاتَين الحادِثَتين تَمَّتا عند السَّاعةِ الثَّانِيَةَ عَشرةَ ظُهرًا. في هذا النَّصِّ، أخبَرَنا الإنجيليُّ مَرقُسُ أنَّ الربَّ يسوع صَرخَ مِن أعلى الصَّليبِ قائلاً: “إِلُوِي، إِلُوِي، لِمَا شَبَقْتَني”. إنَّ هذه العِبارةَ تَختَلِفُ بين إنجيليٍّ وآخر. إنَّ عِبارةَ “شَبَقتَني” في العِبريّة تَعني “تَرَكتَني”؛ وبالتَّالي، أرادَ الإنجيليُّ مَرقُسُ إخبارَنا أنَّ الربَّ يسوع قد شَعرَ بأنَّه مَتروكٌ من الله، وقد عَبَّرَ عن ذلك مِن خِلالِ هذهِ العِبارة. إنَّ عِبارةَ “إلوي، إلوي”، تَعني “إلهي إلهي”، غير أنَّ بَعضَ الحاضِرينَ عِندَ صَلبِ يسوع قد أساؤوا فَهمَها، إذ اعتَقَدوا أنَّه يُنادي إيليَّا لِيُنقِذَه. في هذا النَّصِّ، نُلاحِظُ أنَّ روايةَ الصَّلبِ عِندَ الإنجيليِّ مَرقُس هي مُختَصرَةٌ جدًّا، وهذا يَعودُ إلى كَونِه أوَّلَ الإنجيليِّين الّذين قاموا بِتَدوينِ هذه الحادثَةِ، أمَّا الإنجيليُّون الآخَرون فَقَد أضافوا إلى رِوايتِهم هذه الحادثةَ، وهو ما تَكلَّمَ عليه التَّقليد الكَنَسيّ.
38 “وَانْشَقَّ حِجَابُ الهَيكَلِ إلى اثْنَينِ، مِن فَوْقُ إلى أَسْفَلُ.”
كان حِجابُ الهيكل يَفصِلُ قُدسَ الأقداسِ عن عامَّةِ الشَّعب في الهَيكل. عِندَ مَوتِ الربِّ يسوع، انشَّقَ حِجابُ الهَيكل، أي أنَّ كُلَّ العوائقِ الّتي كانت تَفصِلُ الإنسانَ عن الله قد زالَت؛ وبالتَّالي، أعادَ الربُّ إحياءَ العلاقَةِ بَينَه وبينَ الإنسان، أي أنّه فَتحَ بِمَوتِه على الصَّليب، بابَ السَّماءِ أمامَ البَشَر.
39 “وَلَمَّا رَأى قائِدُ الـمِئَةِ الواقِفُ مُقابِلَهُ أَنَّهُ صَرَخَ هكَذا وَأَسْلَمَ الرُّوحَ، قالَ: “حَقًّا كانَ هَذا الإنسانُ ابْنَ اللهِ!”.”
كانَ قائدُ الـمِئة رَجُلاً وَثَنِيًّا، وقد عَبَّرَ هذا الأخيرُ عِندَ مَوت المسيحِ يسوع على الصَّليب عن إيمانِهِ به، وهذا يُشير إلى أنَّ الأُمَم قد اعتَرَفَت بالربِّ يسوع مُخلِّصًا لها؛ وأمّا الشَّعبُ اليَهوديّ، الّذي كان اللهُ قَد أعدَّه لِمجيءِ المسيح مِن خلالِ كَلِمَة اللهِ المعطاةِ له في التَّوراةِ ومن خلالِ الأنبياء، فَقَد رَفضَ الاعتِرافَ بأنّ الربَّ يسوع هو الـمَسيحُ المنتَظَر أي أنّه مُختارُ الله.
40 “وَكَانَتْ أَيضًا نِساءٌ يَنظُرْنَ مِن بَعِيدٍ، بَيْنَهُنَّ مَرْيَمُ الـمَجدَلِيَّةُ، وَمَرْيَمُ أُمُّ يَعقُوبَ الصَّغِيرِ وَيُوسِي، وَسَالُومَةُ،
41 اللَّواتي أَيضًا تَبِعْنَهُ وَخَدَمْنَهُ حِينَ كانَ في الجَلِيلِ. وَأُخَرُ كَثِيراتٌ اللَّواتي صَعِدْنَ مَعَهُ إلى أُورُشَلِيمَ.”
في هذا النَّص، يَذكُرُ لنا الإنجيليُّ مَرقُس أسماءَ عِدَّة نِساء، ومِن بَينِهِنَّ مَريمُ أُمُّ يَعقوبَ الصَّغير ويُوسي. وهُنا نَسأل: هل مَريمُ أُمُّ يَعقوبَ الصَّغير ويُوسي هي في الوقتِ ذاتِه مَريمُ أُمُّ يَسوع، خصوصًا أنَّ الإنجيليَّ متّى قد نَقلَ إلينا قَولَ رؤساءِ اليَهود عن الربِّ يسوع: “أَلَيْسَتْ أُمُّهُ تُدعَى مَرْيَمَ، وَإِخوَتُهُ يَعْقُوبَ وَيُوسِي وَسِمْعَانَ وَيَهُوذا؟”(مت 13: 55)؟ وبالتَّالي، هل يَعقوبُ ويُوسي وسِمعانُ ويَهوذا هُم إخوةُ الربِّ يَسوع في الجسَد؟ عادةً، تُلَّقَبُ الاُمُّ بِاسمِ ابنِها البِكر، فيُقالُ عَنها إنَّها أُمُّ فلان، وهذا يَعني أنَّ فُلانَ هو ابنُها البِكر. وبِما أنَّ مَريمَ هذه قد أشارَ إليها الإنجيليُّ مَرقُسُ بأنّها أُمُّ يَعقوبَ الصَّغير ويوسي، فهذا يَعني أنّها لَيسَت أُمَّ يسوع، لأنّ يسوعَ هو الابنُ البِكرُ لِمَريمَ العذراء، وبالتَّالي يَعقوبُ الصَّغير ويُوسي لَيسا إخوةَ يَسوع في الجَسَد. وفي هذا النَّصِّ، يُخبِرُنا الإنجيليُّ مَرقُسُ أنَّ عددًا من النِّسوةِ كُنّ يَتبَعْنَ يسوع، واستَمرَّينَ في ذلك إلى لَحظةِ مَوتِه على الصَّليب. بالنِّسبَةِ إلى اليَهودِ، النِّساءُ هُنَّ مِنَ الدَّرجة الثّانية، وهذا يَعني أنَّهُنَّ مُهمَّشاتٌ في المجتَمَع اليَهوديّ. قَبْلَ مَجيءِ المسيحِ يسوع، كانَت المجتمعاتُ تُبنى على الطَّبقِيَّةِ الاجتماعيّة؛ ولكنّ الربَّ يسوع، بِمَجيئه، قد ألغى مَفعولَ هذهِ الطَّبقِيَّة؛ لِذَلِكَ تَحوَّلَ الربُّ يسوعُ إلى عَدُوٍّ خَطيرٍ، بالنِّسبة إلى تلك المجتَمعات. إنَّ الطبَّقيَّةَ الاجتماعيَّةَ ما زالَت إلى يَومِنا هذا تُسيطِرُ على شَرقِنا وبِلادِنا وكنائسِنا، إذ إنَّنا نُلاحِظُ أنَّ الزَّواجَ لا يُعقَدُ إلّا بَين غَنيٍّ وغَنيّةٍ أو فَقيرٍ وفَقيرة، كما تَظهُر أيضًا هذه الطَّبقيّةُ في احتِفالاتِنا بالأعياد، إذ إنَّ الفقيرَ يَحتَفِلُ بِالعِيدِ بِطَريقةٍ مُختَلِفَةٍ جدًّا عن احتِفالِ الغَنيِّ به. إنَّ الطَّبقيَّةَ الاجتماعيَّةَ لا تُلغى إلّا بِالموت، لأنّه في الموت يُدفَنُ الفَقيرُ كما الغَنيّ، دُونَ تمييز! إنَّ الملكوتَ هو المجتَمَعُ الوَحيدُ الّذي لا طَبقيَّةَ اجتِماعيّةً فيه، وهذا ما نَختَبِرُه في كَنيستِنا، ولا سيَّما في وقَتِ المناولةِ المقدَّسَة، إذ يَتقدَّمُ الجَميعُ على الرُّغمِ مِن اختلافاتِهم الاجتماعيّة، في صَفٍّ واحدٍ، لِيَتناولوا جَسَدَ الربِّ ودَمَه. إذًا، إنَّ الصِّراعَ الطَّبقيَّ على هذه الأرضِ لا يَنتَهي! إنَّ الربَّ يَسوعَ قد قُتِل لأنَّه حاربَ الطّبَقيَّةَ وجَعَلَ الجميعَ مُتَساوِين، فكانَ في نَظرِ البَشريّةِ مُجرِمًا وَلذا قاموا بالتَّخلُّصِ منه. ولكنَّ المؤمِنِين بالربِّ يسوع، يَستَطيعونَ محاربةَ هذه الطَّبَقيَّةَ، حِينَ يَتَشبَّهون بِسِمعانِ القَيرَوانيّ الّذي تَبِعَ يسوع إلى الجُمجمة، أي إلى الموتِ على الصَّليب.
42 “وَلَمَّا كانَ الـمَسَاءُ، إذْ كانَ الاسْتِعدادُ، أَيْ مَا قَبْلَ السَّبْتِ،
43 جاءَ يُوسُفُ الَّذي مِنَ الرَّامَةِ، مُشِيرٌ شَرِيفٌ، وَكانَ هُوَ أيضًا مُنتَظِرًا مَلَكُوتَ اللهِ، فَتَجاسَرَ وَدَخَلَ إلى بِيلاطُسَ وَطَلَبَ جَسَدَ يَسُوعَ.
44 فَتَعَجَّبَ بِيلاطُسُ أَنَّهُ مَاتَ كَذا سَرِيعًا. فَدَعا قائدَ الـمِئَةِ وَسَألَهُ: “هَلْ لَهُ زَمانٌ قَد ماتَ؟”
45 وَلَمَّا عَرَفَ مِن قائِدِ الـمِئَةِ، وَهَبَ الجَسَدَ لِيُوسُفَ.
46 فَاشتَرَى كَتَّانًا، فَأَنزَلَهُ وَكَفَّنَهُ بِالكَتَّانِ، وَوَضَعَهُ في قَبْرٍ كانَ مَنحُوتًا في صَخرَةٍ، وَدَحرَجَ حَجَرًا على بابِ القَبرِ.
47 وَكانَتْ مَرْيَمُ الـمَجدَلِيَّةُ وَمَرْيَمُ أُمُّ يُوسِي تَنظُرانِ أَيْنَ وُضِعَ.”
إنّ المقصودَ بِعبارةِ “يوسف الّذي مِنَ الرَّامةِ” هو يوسُفُ الرَّامي. وهُنا، نُلاحِظُ أنَّ الإنجيليَّ مَرقُس قد نادى مَريمَ أُمَّ يَعقوبَ الصَّغير ويوسي، بأُمِّ يوسي فقط، لأنّه كما يَبدو أنَّ يوسي ويَعقوبَ هما تَوأمان، ولكنَّ يوسي هو أكبرُ مِن أخيه يَعقوب.
إنجيل القدّيس مرقس الرّسول – الإصحاح السّادس عشر
1 “وَبَعدَما مَضَى السَّبْتُ، اشتَرَتْ مَرْيَمُ الـمَجدَلِيَّةُ وَمَريَمُ أُمُّ يَعْقُوبَ وَسالُومَةُ، حَنُوطًا لِيَأتِينَ وَيَدهَنَّهُ.
2 وَباكِرًا جِدًّا في أَوَّلِ الأُسبُوعِ أَتَيْنَ إلى القَبرِ إذْ طَلَعَتِ الشَّمسُ.
3 وَكُنَّ يَقُلنَ فِي ما بَينَهُنَّ: “مَنْ يُدَحرِجُ لَنا الحَجَرَ عَن بابِ القَبرِ؟”
4 فَتَطَلَّعنَ وَرَأَيْنَ أَنَّ الحَجَرَ قَد دُحرِجَ! لأَنَّهُ كانَ عَظِيمًا جِدًّا.”
كانَت العادةُ عِندَ اليَهود تَقومُ على تَحنيطِ الميِّتِ في القَبر، في اليَوم التَّالي لِمَوته. ولكنْ، بما أنَّ اليَومَ الّذي تلى مَوتَ الربِّ يَسوع كان يَوم سبتٍ، وهو اليَومُ الـمُقدَّسُ عِندَ اليَهود، أي أنّهم يَتوَّقفُونَ فيه عن القِيامِ بأيِّ عَملٍ؛ فقد قامَت النِّسوةُ بالاستعدادِ لِتَحنيطِ الربِّ عِندَ فَجرِ الأحد. في هذا النّصّ، نُلاحِظ أنَّ الإنجيليَّ مَرقُس قد اكتفى بِمُناداةِ مَريمَ أُمِّ يَعقوبَ الصَّغير ويوسي، بأِمِّ يَعقوب فقط. إنَّ المقصودَ بِعِبارةِ “لأنّه كان عَظيمًا جدًّا” هو الحَجرُ الموضوعُ على بابِ القَبر، وهذا ما يَبدو واضِحًا جدًّا في النَّصِّ اليونانيّ الأصليّ، إذ نَجدُ أنَّ هذه العِبارةَ قد وَرَدَتْ فِيه على الشَّكلِ التَّالي: “لأنّه كان عظيمًا جدًّا. فتَطلَّعنَ ورأيْنَ أنَّ الحجرَ قَد دُحِرجَ”. إذًا، إنَّ عبارة “لأنّه كان عَظيمًا جدًّا” كما ورَدَت في النَّص العربيّ، لا تَدخُلُ ضِمنَ التَّسَلسُلِ المنطقيِّ للنَّص؛ في حين أنَّ مكانَ وُرودِها في النَّصِّ اليُونانيّ يُشيرُ إلى أنَّ كُلَّ شَيءٍ أصبحَ جاهزًا لإعلانِ خَبرِ قيامةِ المسيحِ للنِّسوةِ القادِماتِ إلى القَبر، عِندَ رؤيَتِهِنَّ القَبرَ فارغًا. إنَّ القَبرَ الفارغَ يُشيرُ إلى قيامةِ الربِّ يسوع مِن القَبر، لا إلى سَرقِة جَسدِه، كما يَزعَمُ رؤساءُ اليَهود.
5 “وَلَمَّا دَخَلْنَ القَبرَ رَأَيْنَ شابًّا جالِسًا عَنِ اليَمِينِ لابِسًا حُلَّةً بَيضَاءَ، فَانْدَهَشْنَ.
6 فَقالَ لَهُنَّ: “لا تَندَهِشْنَ! أَنتُنَّ تَطْلُبْنَ يَسُوعَ النَّاصِرِيَّ الـمَصْلُوبَ. قَدْ قامَ! لَيْسَ هُوَ ههُنَا. هُوَذا الـمَوضِعُ الَّذي وَضَعُوهُ فِيهِ.
7 لكِنِ اذْهَبْنَ وَقُلْنَ لِتَلامِيذِهِ وَلِبُطرُسَ: إنَّهُ يَسبِقُكُم إلى الجَلِيلِ. هُناكَ تَرَونَهُ كَما قالَ لَكُم”.
8 فَخَرَجْنَ سَرِيعًا وَهَرَبْنَ مِنَ القَبرِ، لأَنَّ الرِّعدَةَ وَالحَيرَةَ أَخَذَتاهُنَّ. وَلَمْ يَقُلْنَ لأَحَدٍ شَيئًا لأَنَّهُنَّ كُنَّ خَائِفَاتٍ.”
في هذا النَّصِّ، يُخبِرُنا الإنجيليُّ مَرقُس لا عن ظهورِ مَلاكٍ للنِّسوة، إنّما عن ظهورِ شابٍ يَرتدي حُلَّةً بَيضاء، مُعلِنًا لَهُنَّ خَبَرَ قِيامةَ الربِّ يَسوع مِنَ القَبر. إنَّ هذا الشَّابَّ يُذكِّرُنا بالشَّابِ الّذي كلَّمَنا عليه الإنجيليُّ مَرقُسُ في الإصحاح السَّابق، إذ قالَ لنا إنَّ شابًا يَرتَدي إزارًا، كانَ يَتبَعُ يَسوعَ بَعد اعتقالِه، ولكنَّ رؤساءَ اليَهودِ قد لاحَظوه، فألقَوا القبضَ عَليه هو أيضًا، ولكنَّه تَمكَّنَ مِن الهروب مِنهُم عُريانًا. في ذلك الحِينِ، قُلنا إنَّ هذا الشَّابَّ يَرمزُ إلى كُلِّ مُؤمِنٍ مُعمَّدٍ في الكَنيسَة. وفي هذا النَّصِّ، يُخبِرُنا الإنجيليُّ مَرقُس أنَّ هذا الشَّابَ الّذي ظَهرَ للنِّسوة يَرتَدي حُلَّةً بَيضاءَ وهي تَرمُزُ إلى المعموديّة. وهُنا نَسأل: مَن الّذي يستطيعُ أن يَشهَدَ لِقيامَةِ المسيح يسوع في عالَمِنا اليوم؟ إخوتي، إنَّ كُلَّ إنسانٍ مُعمَّدٍ مَدعوٌّ إلى الشَّهادةِ لِقِيامَةِ الربِّ يسوع، فالقِيامةُ لا يَستطيعُ أن يُعلِنَها للآخَرين إلّا الإنسانُ المعمَّد. في هذا النَّص، يُضيفُ الإنجيليُّ مَرقُس ويَقول لنا إنَّ الشَّابَّ الّذي ظَهرَ للنِّسوةِ كانَ جالسًا إلى اليَمين. إنَّ جِهةَ اليَمين في الكِتابِ المقدَّسِ هي الجِهةُ الّتي مِنها يأتي الخَبَرُ الـمُفرِح. وإلَيكم بَعضُ الأمثِلَة: في مَثَلِ الدَّينونةِ (متى 25: 31-46)، يُخبِرُنا الإنجيليُّ متّى أنَّ الربَّ يسوع وَضعَ الخِرافَ إلى جِهةِ اليَمين والجِداءَ إلى جِهةِ اليَسَار. وأيضًا، في نَصِّ الصَّيدِ العجائبيّ (يو 21: 6)، يُخبِرُنا الإنجيليُّ يوحنّا أنَّ الرُّسُلَ قد أمضَوا اللَّيل في الصَّيد، ولكن مِن دُونِ جَدوى؛ فَتراءى لهم الربُّ يسوع على الشَّاطى وطَلب إليهم أن يَرموا شِباكَهم إلى يَمينِ السَّفينةِ، وعندما فَعلوا ذلك، نالوا صَيدًا وَفيرًا. إذًا، جِهةُ اليَمين هي دائمًا الجِهةُ الصَّالحة، لذا نُلاحظُ أنَّ الكَنيسَةَ تَضَعُ الإنجيلَ في القُدَّاسِ الإلهيِّ إلى يَمينِ الـمَذَبح، كما أنَّنا نُلاحظُ وُجودَ ذِكرٍ لِجهة اليَمين في صَلواتِنا، إذ نَقول إنَّ الربَّ يسوع هو جالسٌ إلى يَمينِ الله الآب. في هذا النَّصِّ، يُخبِرُنا الإنجيليُّ مَرقُسُ أنَّ النِّسوة قد اندَهَشْنَ عندما وَجَدْنَ القَبرَ فارغًا، وهَربْنَ من الرَّعدة والحِيرة. إنَّ حضورَ الربِّ يَترافَقُ دائمًا مَع شعورِ الإنسانِ بِالخَوفِ والرَّعدةِ والانِدهاش. إستنادًا إلى الـمَخطوطاتِ القديمة، يَنتَهي إنجيلُ مَرقس عِندَ هذه الآية، وكأنَّ الإنجيليَّ مَرقُسَ أرادَ التَّركيزَ على خَبرِ القيامةِ الّذي هو حَدَثُ أُخرويّ. أمَّا المخطوطاتُ الحديثة، فَقَد أضافَت إلى إنجيلِ مَرقُسَ الآياتِ التَّالية، الّتي تَتَكلَّمُ على ظُهورِ الربِّ بَعد قيامَتِه من الموت:
9 “وَبَعدَما قامَ باكِرًا في أَوَّلِ الأُسبُوعِ ظَهَرَ أَوَّلًا لِمَريَمَ الـمَجدَلِيَّةِ، الَّتي كانَ قَد أَخرَجَ مِنها سَبعَةَ شَياطِينَ.
10 فَذَهَبَتْ هذِهِ وَأَخبَرَتِ الَّذِينَ كانُوا مَعَهُ وَهُمْ يَنُوحُونَ وَيَبكُونَ.
11 فَلَمَّا سَمِعَ أُولئِكَ أَنَّهُ حَيٌّ، وَقَد نَظَرَتْهُ، لَمْ يُصَدِّقُوا”.
في هذا النَّصِّ، يُخبِرُنا الإنجيليُّ مَرقُسُ أنَّ الربَّ يسوع قد ظَهرَ لِمَريمَ المجدليّة، وهي كانَت امرأةً خاطئةً قبل أن تُعلِنَ تَوبَتَها إلى االله؛ فاختارَها الربُّ لِتَكونَ مُبشِّرةً بِقيامَتِه. إذًا، بِفَضلِ محبَّةِ الله وغُفرانِه، يَتَحوَّلُ الخاطئونَ التَّائبونَ إلى اللهِ إلى مُبشِّرِينَ بِقِيامَتِه مِن بَين الأمواتِ. إنَّ حَدَثَ القيامةِ هو حَدَثٌ لا يُصدَّق!
12 “وَبَعدَ ذلِكَ ظَهَرَ بِهَيئَةٍ أُخرَى لِاثْنَيْنِ مِنهُم، وَهُما يَمشِيَانِ مُنطَلِقَينِ إلى البَرِّيَّةِ.
13 وَذَهَبَ هَذانِ وَأَخبَرا البَاقِينَ، فَلَمْ يُصَدِّقُوا وَلا هذَيْنِ”.
إنَّ عبارةَ “ظَهَرَ بِهَيئَةٍ أُخرَى لِاثْنَيْنِ مِنهُم” تُذكِّرُنا بِظهورِ الربِّ يسوع لِتِلمِيذَي عمَّاوس، اللّذَين عادا إلى الرُّسلِ لإخبارِهِم بِقِيامةِ الربِّ مِن بَين الأموات؛ إلّا أنَّ هؤلاء لَم يُصدِّقوهُما. إنَّ الإنجيليَّ مَرقُس أرادَ التَّشديدَ على عَدمِ تَصديقِ الرُّسلِ حَدَثَ قِيامةِ الربِّ يسوع لأنَّ حَدَثَ القِيامةِ هو حَدَثٌ أُخرويّ: فالرُّسل كانوا يَعتَقِدونَ أنَّ قيامةَ الأمواتِ ستَتِمُّ في يَومِ القيامَةِ العامَّة، وبِما أنَّ يومَ القيامَةِ لم يأتِ بَعد، لم يَتَمَّكَنوا مِن تَصديقِ حَدَثِ قِيامةِ الربِّ يسوع، لأنّها تَمَّت قَبْلَ أوانِها. إنَّ حُدوثَ القِيامَةِ قَبْل أَوانِها، جَعلَت مِنَ الربِّ يسوع باكورةَ الرَّاقدين. إنَّ محبَّةَ اللهِ لِلبَشَر قد تَجَسَّدَتْ في قِيامَةِ الربِّ يسوع مِن بَينِ الأمواتِ: فهو، أي الربُّ يسوع، قد قامَ مِن الموتِ مِن أجلِنا، فأعطانا بِقِيامَتِهِ مِن بَينِ الأمواتِ صُورةً عَن قِيامَتِنا. إنَّ قِيامةَ الربِّ يسوع مِن بَينِ الأمواتِ تُشكِّلُ دافعًا لكُلِّ مؤمِنٍ كي يَتقوَّى في إيمانِه بالربِّ يسوع ويَثبُتَ فيه إلى يَومِ القِيامة، فيَكونَ هذا الأخيرُ على أتَمِّ الاستعدادِ لملاقاةِ وَجهِ الربِّ في الملكوتِ ومُشاركَتِه العُرسَ الأبديّ وبالتَّالي تنَاولِ الخمرةِ الأبديّة معه.
14 “أَخِيرًا ظَهَرَ لِلأَحَدَ عَشَرَ وَهُم مُتَّكِئُونَ، وَوَبَّخَ عَدَمَ إيمَانِهِم وَقَسَاوَةَ قُلُوبِهِم، لأَنَّهُم لَم يُصَدِّقُوا الَّذِينَ نَظَرُوهُ قَد قَامَ”.
مِن خلالِ هذا النَّصِّ، أرادَ الإنجيليُّ مَرقُس التَّشديدَ على أهميَّةِ الشَّهادةِ لِقِيامَةِ المسيح. لذا، على كُلِّ مُؤمِنٍ تَصديقُ حَدَثِ القِيامةِ لا التَّشكيكُ به، عندما يَصل إليه هذا لخَبَرُ على لِسانِ شَخصٍ مُعمَّدٍ. وبالتَّالي، غَيرُ صَحيحٍ القَولُ إنَّ القِيامَةَ تمَّتْ فقط على لِسانِ الرُّسلِ، كما اعتَقَدَ أحدُ أهَمِّ مُفسِّرِّي الألمانِ لحَدَثِ القيامة. إنَّ كَنيسَةَ المسيح هِيَ كَنيسَةٌ رسوليّة، أي أنَّها مَبنِيَّةٌ على إيمانِ الرُّسلِ بِالربِّ يسوع، وشَهادتِهم لِقيامَتِه من بينِ الأموات، وبالتَّالي على التَّعاليمِ الّتي نَقلُوها إلَينا.
15 “وَقالَ لَهُمُ: “اذْهَبُوا إلى العالَمِ أَجمَعَ وَاكْرِزُوا بِالإنجِيلِ لِلخَلِيقَةِ كُلِّها.
16 مَنْ آمَنَ وَاعتَمَدَ خَلَصَ، وَمَنْ لَمْ يُؤمِنْ يُدَنْ.”
إنَّ العِبارةَ الأُولى في إنجيلِ مَرقُس، هِيَ “بَدءُ إنجِيلِ يَسُوعَ الـمَسِيحِ ابْنِ اللهِ” (مر 1: 1)، وها هو الربُّ يسوع في هذا الإصحاحِ يَقولُ لنا: “وَاكْرِزُوا بِالإنجِيلِ” (مر 16: 15). إذًا، يُريدُ الإنجيليُّ مَرقُسُ التَّشديدَ في كِتابِه هذا على أهمِيَّةِ الكِرازةِ بالإنجيل. في هَذا النَّصِّ، يَقولُ لنا الربُّ يسوع: “مَنْ آمَنَ وَاعتَمَدَ خَلَصَ، وَمَنْ لَمْ يُؤمِنْ يُدَنْ”، وهذا يَعني أنَّ الإيمانَ والمعموديَّةَ لَهُما القوَّةُ نَفسُها والمفعولُ ذاتُه، وبالتَّالي غَيرُ صَحيحٍ قَولُ بَعض ِالشِّيَّعِ المسيحيَّةِ إنّه على الإنسانِ أن يُؤمِنَ أوّلاً ثمَّ يَعتَمدَ في ما بَعد. إنَّ عِبارةَ “وَمَنْ لَمْ يُؤمِنْ يُدَنْ” لا تَعني أبدًا أنَّ الربَّ سيَدينُ الّذين لَم يؤمِنوا بِه لأنَّهُم لَم يَسمَعوا به، بَل تعني أنّ الربَّ سيَدينُ أؤلَئكَ الّذِينَ رَفضُوا الإيمانَ بِهِ بَعدَ أن وَصَلَت إليهم البِشارةُ بِطَريقةٍ صَحيحة، أي بِطَريقةٍ صادقةٍ ومُخلِصَة.
17 “وَهذِهِ الآياتُ تَتْبَعُ الـمُؤمِنِينَ: يُخرِجُونَ الشَّياطِينَ بِاسْمِي، وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلسِنَةٍ جَديدَةٍ.
18 يَحمِلُونَ حَيَّاتٍ، وَإنْ شَرِبُوا شَيئًا مُمِيتًا لا يَضُرُّهُم، وَيَضَعُونَ أَيدِيَهُم عَلى الـمَرضَى فَيَبرَأُونَ”.
19 ثُمَّ إنَّ الرَّبَّ بَعدَما كَلَّمَهُمُ ارتَفَعَ إلى السَّماءِ، وَجَلَسَ عَن يَمِينِ اللهِ.
20 وَأَمَّا هُمْ فَخَرَجُوا وَكَرَزُوا في كُلِّ مَكانٍ، وَالرَّبُّ يَعمَلُ مَعَهُم وَيُثَبِّتُ الكَلامَ بِالآياتِ التَّابِعَةِ. آمِينَ”.
في هذا النَّصِّ، يُخبِرُنا الإنجيليُّ مَرقُسُ أنَّ الربَّ قد جَلَسَ عن يَمينِ الله. وهُنا نسألُ: كيفَ استطاعَ تحديدَ مكانِ جُلوسِ الربِّ في العَرش؟ إنَّه كلامٌ لِيتورجِيّ! إنَّ تَبشيرَ الرُّسلِ بالربِّ يسوع لَم يَكن فقط بالكَلام، إنّما أيضًا بِقيامِهم بالأعاجيب. وهُنا، علينا التَّنبِيهُ إلى أمرٍ وهو أنَّ الربَّ لَم يَقصِدْ بِكَلامِه هذا التَّركيزَ فقط على الأعاجيب، فالإيمانُ لا يَقومُ على الأعاجيب! إنَّ عِبارةَ “المؤمنِين” تُشيرُ إلى كلِّ مُؤمٍن. وهنا نَسألُ: كيف تَستَطيعُ الأعاجيبُ أن تُرافِقَ كلَّ مُؤمٍنٍ بالربِّ في يَومِنا هذا؟ إليكم مِثالٌ على ذلك لِتَوضيحِ هذه الـمَسألة: حِينَ يُقدِّمُ المؤمِنُ لِإنسانٍ خاطئٍ كَلِمَةَ المسيح، فيتَجاوبُ هذا الأخيرُ مَعها، ويُقرِّرُ تَغييرَ مَسارِ حَياتِه، أي تَرْكَ الخطيئةِ وكُلَّ عِباداتِه الوَثنيِّة واتِّباعَ الربِّ يسوع وَحده. هذه هي الأُعجوبة! هُنا، قد يَعتَبِرُ البَعضُ أنَّ مَسألةَ إخراجِ الشَّياطينِ تُشيرُ إلى عَمليَّةِ تَقسيمِ الأرواحِ، وهذا أمرٌ جائزٌ. إنَّ التَّكلُّمَ بألألَسِنةِ لا يَعني أبدًا التَّكلُّمَ بِكَلماتٍ غَيرِ مَفهومةٍ، واعتبارَ ذلك مَوهِبَةً مِن الرُّوح القُدُسِ، بل يَعني التَّكلُّمَ بِلُغةِ الإنجيلِ الّتي لا يَستَطيعُ الجَميعُ فَهمَها وقُبولَها. إنَّ الـمَقصودَ بِعِبارةِ “يَحمِلُونَ حَيَّاتٍ، وَإنْ شَرِبُوا شَيئًا مُمِيتًا لا يَضُرُّهُم، وَيَضَعُونَ أَيدِيَهُم عَلى الـمَرضَى فَيَبرَأُونَ” هو أنَّ الربَّ يسوع سيَمنَحُ رُسُلَه القدُرةَ والسُّلطانَ اللّذَينِ كان يَتمتَّعُ بِهِما الربُّ يسوع؛ وهذهِ القُدرةُ وهذا السُّلطان يَمَنحُهما الربُّ لِكُلِّ مُؤمِنٍ به.
إذًا، مِن خلالِ هذا الإصحاحِ، أرادَ الإنجيليُّ مَرقُسُ التَّشديدَ على أنَّ قِيامَةَ الربِّ يسوع مِن بَينِ الأمواتِ ليسَت عَمَلاً عَجائبيًّا، إنّما هي حَدَثٌ أُخرَويّ، أي أنّه عَمَلٌ إسكاتولوجيِّ؛ فَالقِيامَةُ ستَتَحَّققُ في نِهايةِ الأزمِنَةِ، أي في يَومِ الدَّينونةِ، أي في يَومِ القِيامَةِ العامّة. في هذا اليَومِ ، سَيَقِفُ جَميعُ البَشرِ أمامَ اللهِ للدَّينونةِ. إنَّ قِيامَةَ الربِّ يسوع مِن بَينِ الأمواتِ، قَبل يَومِ القِيامَةِ العامَّة، هو عَملُ رحمَةٍ ومَحبّةٍ من اللهِ للبَشر! فالربُّ يسوع قامَ مِن الموتِ لأجلِ جَميعِ البَشَر! إنَّ قيامةَ الربِّ يسوع تَفتَحُ أمامَ الإنسانِ بابَ الرَّجاء والتَّعزِيَّةِ والفَرحِ الدَّاخليّ؛ ولكنَّ الإنسانَ لا يَستطيعُ الحصولَ على كُلِّ ذلك ما لَم يَقبلْ بالربِّ يسوعَ وبِعَملِه الخلاصيّ. كَيفَ يَستَطيعُ الإنسانُ التَّعبيرَ عَن قُبولِه بِعَملِ اللهِ الخلاصيّ في حياته؟ مِن خلالِ التَّوبةِ والشَّهادةِ لِقِيامَةِ المسيح! على المؤمِنِ أن يَشَهدَ لِلحَقَّ، الّذي هو المسيح، بِلِسانِه وَقلبِه، كما يَقولُ لنا الإنجيل.
ها نحن قد انتَهينا مِن شَرحِ إنجيلِ مَرقُسَ، ونحنُ على أبوابِ الاحتفالِ بِعيدِ مِيلادِ الربِّ يسوع. في اللِّيتورجِيَّا الكَنَسيَّة، إنّ ولادةَ الربِّ يسوع هي في الوقتِ نَفسِه ولادةُ المَصلوب. إنَّ الكَنِيسَة تَحتَفِلُ بِعِيدِ القدِّيسِ في يَومِ وفاتِه أو استِشهادِهِ؛ غيرَ أنّها تَحتَفلُ بعيدِ ولادةِ الربِّ يسوع، وبِميلادِ العذراء مَريم ومِيلادِ يوحنَّا المعمدان، لارتباطِ هؤلاء بالعَملِ الخلاصيّ. كان يوحنَّا المعمدان الصَّوتَ الصَّارخَ في البَريَّةِ، فَرِسالتُهُ كانت إعلانَ اقتِرابِ مَلكوتِ السَّماواتِ وبالتَّالي حَثَّ النَّاسِ على التَّوبةِ استِعدادًا لاستِقبالِ الـمَلكوتِ، الّذي أُعلِنَ بِمَوتِ المسيح يسوع وقيامَتِه. إنَّ الكَنِيسَةَ تَحتَفِلُ بِمِيلادِ السَّيدةِ العذراء، لأنَّها قَبِلَتْ بِشارةَ اللهِ لها، إذ قالَتْ: “ها أنا أمَةُ الربِّ” (لو 1: 38)، فَوَلدَتِ ابنَها يسوعَ المسيح، وهي الّتي دَعَتنا، نحن المؤمِنِين إلى القيامِ بما يَطلبُه الله منّا قائلةً: “مَهما قال لَكم فافعَلُوه” (يو2: 5). في أيقونةِ الميلاد، نُلاحِظُ أنَّ الطِّفلَ يسوع مَلفوفٌ بالأقمطة، وهذا يُشيرُ إلى أنَّ الربَّ يسوع وُلِد كي يموت على الصَّليب، وذلك في الوقتِ الّذي يَختارُه هو، أي بَعدَ أن يُنهيَ رسالَتَه على هذه الأرض الّتي تقوم على إيصالِ كَلِمَةِ اللهِ للبشر. في رِوايَةِ حَدَثِ الميلاد، نَقرأُ في الإنجيلِ أنَّ هِيرُودسَ قد اضَطربَ واضطربَتْ مَعهُ كُلُّ اليَهوديّة، عندما عَلِموا بِشأنِ ولادةِ المسيح، فقَرَّرَ هِيرودُسُ قَتلَ كُلِّ أطفالِ بَيتَ لَحم، وهذا يَعبِّرُ عن رغبتِهم الدَّفينة، هو وأهلُ اليَهوديّة، في قَتلِ المسيحِ يسوع. في ميلادِ الربِّ يسوعَ على الأرض، دَفَعَ أطفالُ بَيتَ لَحمَ حياتَهم ثَمَنَ بَقاءِ الربِّ يسوعَ على قَيدِ الحياة؛ وعلى الصّليبِ، دَفعَ الربُّ يسوعُ حياتَه، هو البارُّ وبلا عَيب، مِن أجلِ فِداء البَشَر. آمين.
ملاحظة: دُوِّنت المحاضرة بأمانةٍ مِن قِبَلِنا.
