الالتقاء بيسوع القائم من الموت
بقلم المطران بولس الصياح
بعد أن قام يسوع من الموت التقى بعدد كبير من الذين كانوا على علاقة به. وبعد تأمّل مقتضب في لقاءات ثلاثة نستشفّ بعض معاني القيامة.
اللقاء الأول: هو لقاء يسوع بمريم المجدلية ومريم أم يعقوب، اللّتين التقيتا أولاً بالملاك، فقال لهما: “لا تخافا، إنكما تطلبان يسوع المصلوب … فقد قام” (متى 28: 5-6). ثم جاء يسوع القائم من الموت للقائهما (متى 28: 1-9) فقال لهما أيضاً: “السلام عليكما … لا تخافا!” فرسالة الملاك كرسالة يسوع للمرأتين، رسالة تعطي السلام والفرح وتنفي الخوف. وانتفاء الخوف مثل الشعور بالسلام، مصدرهما الانتصار على الموت. فقيامة المسيح هي باكورة الانتصار على الخوف الأكبر، الخوف من الاضمحلال والفناء؛ إنه انتصار على الخوف من “الموت الفيزيولوجي”.
اللقاء الثاني: مع يسوع القائم من الموت، هو اللقاء مع اثنين من التلاميذ في طريق العودة إلى قريتهما، بعد أن صُلب يسوع، وفقدا الأمل بكل شيء، فأضاعا المعنى الذي كانا قد وجداه لحياتهما في العيش مع يسوع. وكانا يتحدثان، ويتجادلان بما حدث… وكانا “مكتئبين” كما يقول لنا الانجيلي لوقا (لو 24: 17). وكانت حالهما أتعس من حال المرأتين إذ إنها تخطت الخوف، حتى بلغت حدّ الاكتئاب. والإنسان المكتئب شخص مكبّل داخل ذاته، منغلق على خوفه، وهذا نوع من “الموت النفسي”. وبينا التلميذان في هذه الحال “دنا يسوع منهما وأخذ يسير معهما”. ها هو القائم من الموت يواكب الانسان المكتئب الذي أرهقه الشعور بالفشل وفقدان الرجاء. (لو 24: 15). فبعد أن أصغى إليهما، بدأ يقودهما في مسيرة العودة، مسيرة التوعية، مفسرًا لهما حقيقة حضور الله في حياة الشعب من خلال موسى والأنبياء، أي من خلال تاريخ الخلاص الذي اكتمل بمجيئه هو، وبموته، وقيامته. “فاّتقد قلبهما في صدرهما” وألحّا عليه بأن يمكث معهما، فقد شعرا بعذوبة حضوره من جديد. ثم عرفاه عند كسر الخبز… “فقاما في تلك الساعة نفسها ورجعا إلى أورشليم” (لو24: 33). إنها قيامة المسيح التي ننتصر فيها على الإحباط، وتعيد إلى نفوسنا الأمل والرجاء؛ إنه انتصار على “الموت السيكولوجي”.
اللقاء الثالث: مع التلاميذ وتوما (يو 20: 19- 31) “كان التلاميذ في دار أُغلقت أبوابها خوفًا من اليهود”. هنا أيضًا كان الرسل يعيشون خبرة خوف، حالت دون انطلاقهم للرسالة. وكأنهم في حال من “الفراغ الرّوحيّ”. فجاء يسوع إليهم ووقف بينهم وأعطاهم السلام. وحضور يسوع القائم من الموت بينهم جعلهم ينتصرون على الخوف وينطلقون من جديد نحو الرسالة. فيسوع القائم من الموت يجعل الإنسان الخائف المتقوقع ينتصر على الموت الروحيّ، وينطلق من جديد.
قيامة يسوع عربون قيامة الشخص المؤمن، وهي تقود إلى الانتصار على الموت بأشكاله المختلفة. والمسيحي المؤمن بالقيامة حقاً، إنسان منتصر على كلّ خوف، ومنتصر على الموت بكل أشكاله. فلقاؤه المستمرّ بيسوع في الكلمة وفي القربان، وفي خلوة الصّلاة الشخصيّة والجماعيّة، كلّها ترسّخ فيه السلام والاطمئنان وتنفي عنه كلّ خوف، “فالمسيح لم يعطنا روح الخوف، بل أعطانا الرّجاء، وروح القوّة والمحبة” (2 تي 7:1).
