الرياضة الروحيّة السنويّة 2013
مركز سيّدة العناية، بيت المحبة – أدونيس، جبيل.
محاضرة روحيّة بعنوان: الإيمان والأمانة،
الأب ابراهيم سعد،
الأمانةُ هيَ أن يكونَ الإنسانُ أميناً. وأوَّلُ من وُصِفَ بـ”الأمينِ” في العهدِ القديمِ كانَ ابراهيمُ، الذي آمنَ فحُسِبَ لهُ برّاً. أمَّا في العهدِ الجديدِ فقد وُصِفَ يسوعُ بـ”الشَّاهدِ الأمينِ” في سفرِ الرُّؤيا. يعتقدُ النَّاسُ أنَّ من يؤمنُ هو فقط من يُصَدِّقُ أنَّ اللهَ موجودٌ، متناسين أنَّهُ لا فرقَ بين عبارَتَيْ “اللهُ موجودٌ” وَ”اللهُ غيرُ موجودٍ”، فعبارةُ “اللهُ غيرُ موجودٍ” تنطلقُ عمليَّاً من وجودِ اللهِ، وهي تعني أنَّني لا أريدُ أن أقيمَ علاقةً مع اللهِ، ولا أريدُهُ أن يدخلَ تاريخي. إنَّ مشكلةَ الملحدينَ الحقيقيَّةَ ليست مع اللهِ، بل مع النَّاسِ الذين يدَّعونَ الإيمانَ باللهِ وبوجودِهِ، ويتصرَّفونَ بخلافِ ما يتكلمون، بخلافِ كلمةِ اللهِ. وهو ما يؤدِّي بالملحدِ إلى الابتعادِ أكثرَ عن الإيمانِ باللهِ، بحجَّةِ أنَّ المؤمنين بِهِ ينكرُونَهُ بتصرُّفاتهم.
فَأن نُصرِّحَ بإيمانِنَا بصحَّةِ الإنجيلِ أو عدمِ صحَّتِهِ سيَّان، ذاكَ أنَّ كلمةَ “أؤمنُ” في الحقيقَةِ تعني أنَّ الإنسانَ قدِ ارتضَى أن يقيمَ علاقةً معَ اللهِ. وأن يُقيمَ الإنسانُ علاقةً مع اللهِ يعني أن يُدخِلَهُ في تاريخهِ وعقلهِ، ويشركهُ في همومِهِ وأفراحِهِ وتفاصيلِ حياتِهِ، حتَّى تنموَ هذهِ العلاقةُ بالمعرفةِ. يدخلُ الإنسانُ في علاقةٍ معَ اللهِ فيعرفَهُ. يرمي نفسَهُ في هذهِ المغامرةِ بينَ طرفَيْن، اللهُ وهوَ. والتي تنطوي على فعلٍ وردِّ فعلٍ، فينتظرُ ردَّ فعلِ اللهِ على أفعالِهِ، وبذلكَ يكونُ هناكَ تبادلٌ بالمواقفِ والكلماتِ.
تَكمُنُ مشكلَتُنا الحقيقيَّةُ في أنَّنا غالباً ما نتعاملُ معَ اللهِ وكأنَّهُ صنمٌ، فندخلُ مَعهُ في علاقةٍ من جانبٍ واحدٍ، ونقومُ بأفعالٍ تجاهَهُ ونتناسى ردَّ فعلِهِ. ذاك لأنَّنا نعتبرُهُ “فكرةً مقدَّسةً”، وكثرةُ الحديثِ عن قداسةِ اللهِ تجعلُنا نشعرُ بأنَّنا أبعدُ ما يكونُ عنِ الوصولِ إِليهِ، كما هيَ الحالُ عندَ حديثِنا عن القدِّيسِينَ، حيثُ ننسى أنَّهم أناسٌ عاديُّونَ جدَّا مثلنا وأنَّه بإمكانِنا أن نكونَ مثلَهم. فالـ”مقدَّسُ” ليس مصبَّ نهرِ أفعالِنا، بل منبعَهُ. ننطلقُ من المقدَّسِ دوماً لأنَّنا مقدَّسين بالمعموديةِ، فنصلُ إلى علاقةٍ شخصيَّةٍ معَ اللهِ، أساسُها العشرةُ اليوميَّةُ. والعلاقةُ معَ اللهِ رابحةٌ دائماً، أمَّا المشاكلُ التي تتخلَّلُها فهي حتماً ناتجةٌ عن تجاهلِنا لردَّةِ فعلِ اللهِ، أو امتناعِنا عن الردِّ على أفعالِهِ. وبما أنَّهُ من الطَّبيعي أن تمرَّ أيُّ علاقةٍ بين اثنين بفتراتٍ من الصُّعودِ وأخرى من الهبوطِ، فعلَينا ألَّا نخشى هذا التَّأرجُحَ في موضوعِ الإيمانِ. أمَّا التَّشكيكُ في وجودِ اللهِ فينجمُ عن تشوُّهٍ في العلاقةِ نتيجةً لخطأ مرتكبٍ من أحدِ طرفَيْها، وبما أنَّ اللهَ معصومٌ عن الخطأ، فهذا يعني أنَّ التشوُّهَ ينجمُ عن خطأ الإنسانِ.
والإنسانُ المؤمنُ الذي يدخلُ في علاقةٍ مع اللهِ هو إنسانٌ قد قبلَ كلمةَ الرَّبِّ، لأنَّهُ حاضرٌ في كلامهِ وروحِهِ. أمَّا المستوى الأعلى من الإيمانِ فهو أن يقبَلَ الإنسانُ كلمةَ اللهِ ويحياها بمجرَّدِ أن يَعِدَهُ بها، وحتَّى قبْلَ أن تتحقَّقَ. فابراهيمُ كان غنيَّاً وذا عشيرةٍ وأراضٍ وسلطانٍ، إلَّا أنَّ اللهَ سألهُ أن يتركَ مالهُ وعشيرَتَهُ وأرضَهُ وسلطانَهُ، وَوعدَهُ بما هو أفضلَ، فاستجابَ ابراهيمُ دونَ أن يطلُبَ أيَّ برهانٍ أو ضمانٍ، وَ”آمَنَ فحُسِبَ لهُ برَّاً”. فالإيمانُ إذا يعني قبولَ كلمةِ اللهِ وكأنَّها قَدْ حدثَت وستحدُثُ، والأمانةُ تَفترِضُ بقاءَنا على ما كُنَّا عليهِ منذُ البدايةِ.
في كثيرٍ من الأحيانِ لا نُدخِلُ اللهَ في تاريخنا بصورةٍ مستمرَّةٍ، بل تكونُ علاقتُنا بهِ أشبَهَ بمحطَّاتٍ، تزدادُ قوَّةً أيَّامَ السَّبتِ والآحادِ بفعلِ الرِّياضاتِ الرُّوحيَّةِ، ثمَّ تَضعُفُ شيئاً فشيئاً خلالَ الأسبوعِ، أي أنَّنا نتعاملُ مع الزَّمنِ على أنَّهُ روزنامةٌ، ممَّا يقتلُ الحبَّ في نفوسِنا. والكاتبُ في سفرِ الرُّؤيا يوجِّه عَتَباً للمسؤولِ عن الكنيسةِ قائلاً: “لَومِي عليكَ أنَّكَ نسيتَ محبَّتَكَ الأولى، لأنَّكَ أصبحتَ تعتبِرُ الزَّمَنَ أوراقاً نمزِّقُها”.
تنبعُ أهميَّةُ ابراهيمَ في الحقيقةِ من كونِهِ الشَّخصَ الوحيدَ المتَّفَقَ عليهِ من قبلِ الدِّياناتِ السَّماويةِ الثَّلاثِ، في وقتٍ لم تتَّفقْ فيهِ حتى على اللهِ. فابراهيمُ هو المثالُ الأجلى عندَ حديثِ الدِّياناتِ عن الإيمانِ، وهوَ الجوابُ الأمثلُ على السُّؤالِ الأهمِّ: “كيفَ أُترجِمُ إيماني بسُلُوكي؟”. والسُّلوكُ لا يعني الأعمالَ فقط، بل هو المسيرةُ الأشملُ. فالعملُ جزءٌ من السلوكِ، وهوَ ضوءٌ يخفتُ ثمَّ يختفِي فنختَفِي مَعَهُ، أمَّا السُّلوكُ فهوَ التَّرجَمَةُ الأبعدُ للإيمانِ.
تُراوِدُنا أحياناً بعضُ الأسئلةِ مثلُ؛ “هل من ضَماناتٍ لكلمةِ الرَّبِّ؟ وهل من تأكيدٍ على صحَّتِها؟”. إنَّ ضمانةَ كلمةِ الرَّبِّ نابعةٌ منها أصلاً. فإذا نظرْنَا إلى الموضوعِ من منظارِ “قصَّةِ حبٍّ بينَ شخصَيْن”- حيثُ لا تخلو علاقةُ حُبٍّ من المشاكلِ- نجدُ أنَّ المحبَّ يصدِّقُ كلَّ كلمةٍ يقولها محبوبُه، ويعتبرُها حقيقةً وواقعاً بمجرَّدِ أن ينطقَ بها دونَ الحاجةِ إلى استفسارٍ أو ضماناتٍ. فكيف بالحريِّ كلمةُ اللهِ؟ فكما الأمطارُ والثُّلوجُ تروي جوفَ الأرضِ فيُزهِرَ سطحُها، كذلك تروي كلمةُ الرَّبِّ قلوبَ المؤمنينَ عاملةً فيهم.
يقولُ الرَّبُّ على لسانِ أشعياءَ النبيّ: “طُرُقي غيرُ طُرُقِكم، أفكاري غيرُ أفكارِكُم، كبعدِ المشرقِ عن المغربِ هكذا طُرُقي بعيدةٌ عن طُرُقِكم وأفكاري بعيدةٌ عن أفكاركم”. فهناكَ من النَّاسِ من يُنكِرُ فعلَ كلمةِ الرَّبِّ في بعضِ الأشخاصِ أحياناً. ولكنْ من نحنُ لنقرِّرَ ذلك؟ كيفَ لنا أنْ نعرفَ بمكنوناتِ القلوبِ وخفاياها، لنحكُمَ إنْ فعلَت فيها كلمةُ الرَّبِّ أم لم تفعلْ بعدُ؟ لسنا نحنُ من يقرِّرُ الزَّمنَ الذي تفعلُ فيه الكلمةُ. نحنُ نسقي وردَتَنا واللهُ ينميها، ولا علاقةَ لنا بما يزرعُ ويسقي غيرَنا أو بمتى تنمو غرسَتُهُ.
عندما وصلَ نيوتن إلى نظريَّةِ الجاذبيَّةِ اعتبرَها صحيحةً، والنَّاس لم يُشكِّكوا بمنطقيَّتِها إذ رأوا طائراتٍ تحلِّقُ في السَّماءِ، إلَّا أنَّ نيوتُنَ لم يكن ينتظِرُ منهم برهاناً. كذلكَ البرهانُ على فعلِ كلمةِ الرَّبِّ فينا يأتي من داخلِنا، وليسَ من عندِ اللهِ. فبرهانُ فعلِ الكلمةِ يكونُ جليَّا عندما يراهُ النَّاسُ فينا، وهنا يرتبطُ الإيمانُ بالأمانةِ، أي بكَونِنا أمناءَ. وأكبرُ مثالٍ على ذلكَ هوَ نبوءَةُ أشعياءَ النبيّ “ها هي العذراءُ تحبلُ وتلدُ ابناً وتدعو اسمَهُ عِمَّانوئيل.” قَدْ صدَّقَ أشعياءُ نبوءَتَهُ ولم ينكرْها أو يتراجعْ عنها، حتَّى وإن تأخَّرَت 700 عامٍ لكي تتحقَّقَ. إذْ حبلَتْ مريمُ العذراءُ وَولدَت عِمَّانوئيل. وهكذا يبقى الإنسانُ الأمينُ على وعدِهِ وكلامِهِ مهما طالَ الزَّمنُ، لأنَّ الزَّمنَ ليسَ أوراقَ رُوزنامةٍ تتهاوى تباعاً، بل فرصةً لتأكيدِ وجودِ علاقةٍ بيننا وبينَ الرَّبِّ.
يروي لنا الإنجيلُ أنَّ قائداً لجُندِ الرُّومانِ مرضَ غلامُهُ، والتقى بيسوعَ في الطَّريقِ، وسألَهُ أن يشفيَ الصَّبيَّ المريضَ، فأجابه يسوعُ بأن يسبِقَهُ إلى البيتِ. فما كان من الوثنيِّ إلَّا أن قالَ “قُلْ كلمةً فيَشفَى”. قدْ أدركَ القائدُ الرُّومانيُّ أنَّ كلامَه مستجابٌ دوماً لأنَّ لهُ منصِبَاً أرضيَّاً، فكيفَ بالحريِّ يسوع المسيح؟ عندئذٍ أجابَ يسوعُ قائلاً “لم أرَ إيماناً كهذا في إسرائيلَ كلِّها سوى إيمانُ ابراهيم”. وذَهَبَ القائدُ إلى بيتِهِ ليجدَ غلامَهُ معافى.
هناكَ أمرٌ آخر مهمٌّ، وهوَ الثَّباتُ في الإيمانِ. يقولُ بطرس الرَّسولُ في رسالتِهِ إلى أهلِ قولوسي – مدينةٌ تحوَّلَت لاحقاً إلى كنيسةٍ- “إنْ ثبتُّم في الإيمانِ متأسِّسِينَ، وَراسخِينَ غيرَ حائدِينَ عن رجاءِ الإنجيلِ، تنالونَ ما تنالون”. ومشكلةُ من يعاني من تزعزعِ الإيمانِ تنبعُ من داخلِهِ، وليسَ من السَّببِ الذي أدَّى إلى هذا التَّزعزعِ. فالإنسانُ يؤمنُ بالرَّبِّ ليسَ بسببِ تصرُّفاتِ النَّاسِ، التي قد تكونُ أحياناً إشارةً أو دليلاً على فعلِ كلمةِ اللهِ، فتُنَبِّهُنا. لكن إنْ ذَلُّوا هُم، فهذا لا يعني أن نَذِلَّ نحنُ بدورِنا، لأنَّ هناكَ مسافةً بيننَا وبينَ أقربِ المقرَّبينَ إلينا، مسافةً لا يجبُ أن تَنعَدِمَ إلَّا في علاقتِنا معَ الله. لا يقعُ من يثبُتُ في الإيمانِ راسخاً ومُقترِناً بكلمةِ اللهِ، وهنا الأمانةُ. أن نؤمنَ بالرَّبِّ أي أن نأتَمِنَهُ على حياتِنا، ونكونَ أمناءَ على موقفِنا تجاهَهُ. فالإيمانُ إذاً هو أنْ نأتَمنَ ونُؤتَمَنَ.
تَتَخلَّلُ مسيرتَنا اليوميَّةَ دائماً تحدِّياتٌ دائمةٌ مع اللهِ. فالرَّبُّ يتحدَّانا يوميَّاً إمَّا بمواقفَ أو بأشخاص، وتكمنُ المشكلةُ في تغيُّرِنا تجاهَ الرَّبِّ حينها. “لاشدَّةَ ولا حزنَ ولا ضيقَ يفصلني عن محبَّةِ المسيحِ” يقولُ بولس الرَّسول. إذاً نحنُ لم نُمنَح استثناءاتٍ فيما يخصُّ الإيمانَ. تَعامُلُ اللهِ معنا ودخولُهُ في تاريخنا اليوميِّ لا يعني أن يتجلَّى أمامَنا مادِّيَّاً باستمرارٍ، فهوَ يظهرُ لنا من خلالِ النَّاسِ الذين يمرُّون في حياتِنا، والأحداثِ التي نواجِهُها ونحنُ من يقرِّرُ ردةَ فعلِنا على ظهورِهِ. فإذا قرَّرنا أن نُخلِصَ لهُ، وواجهنا شخصاً آخرَ قرَّرَ عدمَ الإخلاصِ، هذا لا يعني أن نُعيدَ النَّظرَ في قرارِنا، فنكون كمن يدخلُ في علاقةِ حبٍّ، ويرى غيرَهُ يعاني ألمَ الهجرانِ والخيانةِ، فينكر وجودَ الحبِّ متناسياً أنَّهُ أصلاً يحبُّ. فبالرَّغمِ من أنَّ البشرَ جميعَهُم يخونون اللهَ باستمرارٍ، الله ُلايُعمِّمُ ولا يفقدُ إيمانَهُ بنا. علينا دائماً أن ننتظِرَ فعلَ اللهِ تجاهَنا لكي نقومَ بردَّةِ الفعلِ. فإذا كانَ فعلُ اللهِ هو أن يتقبَّلَنا ليلاً ونهاراً بالرَّغم من كلِّ خطايانا وسقطاتِنا وذلَّاتِنا ووعودِنا الكاذبةِ تجاهَهُ والتي ننكُثُها دوماً، ويبقى على العهدِ، يكونُ هوَ الأمينُ بنهايةِ المطافِ. ليسَ المهمُّ أن نؤمنَ نحنُ باللهِ، المهمُّ أن يؤمنَ اللهُ بنا، وأن نصدِّقَ دائماً أنَّه مؤمنٌ بنا. يؤمنُ اللهُ بنا لأنَّهُ لم ولن ينسَ محبَّتَهُ الأولى، لذلكَ علينا أن نَثبُتَ فيهِ أمامَ الصِّعابِ والمشاكلِ والشُّكوكِ، لأنَّنا أصلاً لا نستطيعُ شيئاً بدونِهِ.
وكما أنَّ جميعَ الكائناتِ الحيَّةِ تحتاجُ إلى تغذيةٍ ورعايةٍ مستمرَّةٍ لكي تنموَ، كالطِّفلِ الذي يولَدُ صغيراً فيكبرَ بالاهتمامِ والتَّغذيةِ، كذلك علاقَتُنا بالرَّبِّ تحتاجُ إلى غذاءٍ ورعايةٍ، وغذاؤُها هو كلمةُ اللهِ التي تصلُنا محمولةً من الرُّوحِ القدس وحاملةً لهُ. يقول ُبولس الرَّسول: “هل أنتم أخذْتُم الرُّوحَ بالأعمالِ والنَّاموس؟ أم أخذتم الرُّوحَ بسماعِ خبرِ الإيمانِ وقبولهِ؟”. وخبرُ الإيمانِ هو الإنجيلُ، كلمةُ اللهِ، الذي يُغذِّي علاقَتَنا باللهِ. من الصَّعبِ جدَّاً أن نتكلَّمَ عن الإيمانِ والأمانةِ دونَ أن تكونَ العلاقةُ مَسقيَّةً بكلمةِ اللهِ يوميَّاً، وبغيرِ ذلكَ تجفُّ العلاقةُ وتبدأُ المشاكلُ. وكلمةُ اللهِ تصلُنا بعدَّةِ أوجهَ، إمَّا مكتوبةٌ ومسموعةٌ في الإنجيلِ، أو متحرِّكةٌ نلتقي بها في حياتِنا على هيئةِ أشخاصٍ، أو على هيئةِ أسرارٍ وقرابينٍ نتناوَلها في القدَّاسِ الإلهيِّ. وكلمةُ اللهِ التي نقرؤها في الإنجيلِ تُظهِرُ لنا بوضوحٍ مفهومَ الفعلِ وردَّةِ الفعلِ بيننا وبينَ اللهِ. ولكن علينا أن نقرأَ الإنجيلَ بتأنٍّ وانتباهٍ كاملٍ، وكأنَّهُ مرسلٌ لأمرِنا وحدِنا شخصيَّاً، ليُخبرَنا عن العلاقةِ التي تربطُنَا بالله، كأيِّ رسالةٍ شخصيَّةٍ وصلَتنا من قريبٍ أو صديقٍ. فإن كنَّا لا نسرقُ ولا نكذبُ وقرأنا عن السَّرقةِ والكذبِ، هذا لا يعني أن نتجاهلَ ما نقرأُ، بل علينا أن نُمعنَ القراءةَ لتصِلَنا كلُّ كلمةٍ. وإذا ما قرأنا في الإنجيلِ قصَّةَ يسوعَ على الأرضِ، لا يكفي أن نكونَ متفرِّجاً خارجيَّاً كمن يشاهدُ فيلماً مصوَّراً، بل علينا أن نحاولَ جاهدينَ أن نحيا معَهُ في القصَّةِ ونكونَ جزءاً منها بقراءَتِنا لها. وبقراءَتِنا اليوميَّةِ للإنجيلِ تُسقَى علاقَتُنا مع الرَّبِّ من خلالِ بحثِنا بين سطورهِ عمَّا يخصُّنا ويخصُّهُ.
وفي النِّهايةِ علينا أن نتعلَّمَ كيفَ نقبلُ محبَّةَ الرَّبِّ. اللهُ لا يطلبُ منَّا أن نحبَّهُ، لأنَّهُ يعرفُ أنَّنا بشرٌ وحبُّنا للآخرينَ مرتبطٌ بتصرفاتِهم تجاهَنا؛ إذا ما أخطأوا في حقِّنا كرهناهم. لذلك يُعفينا الرَّبُّ من دخولِ مغامرةِ الحبِّ المتبادَلِ معهُ، ويطلُبُ منَّا فقط أن نعرِفَ أنَّهُ يحبُّنا ونقبلُ محبَّتَهُ لنا، وعندئذٍ نتعلَّمُ نحنُ كيفَ نحبُّ الناسَ من حولِنا ونتحوَّلُ إلى كائناتٍ مُحِبَّةٍ. هكذا تفعلُ فينا كلمةُ اللهِ وتُغيِّر لنا حياتَنا.
ملاحظة: دُوِّنَ التأمّل بأمانةٍ مِن قِبَلِنا.