عِظة للخوري ميلاد مخلوف،

خادم رعيّة السيّدة – بقاعكفرا، بشرّي.

الذِّكرى الأولى لانطلاقة رسالة جماعة “أذكرني في ملكوتك”

“السّلام لكم!” (لو 36:24)،

باسم الآب والابن والرّوح القدس، الإله الواحد، آمين

آبائي الأجّلاء، أُختَنا الفاضلة، أحبّائي الأعزَّاء،

عائلة “أذكرني في ملكوتِكَ”، الحاضِرِين معنا اليوم،

عائلة المرحومة مُنى الَّتي نحتفل اليوم بالصّلاة من أجلها في ذِكرى مُرورِ سَنةٍ على انتِقالها إلى السّماء.

في هذا الأحد، نَشتَركُ معًا في هذه الذَّبيحة الإلهيّة، لنتأمَّلَ في دَور القيامةِ في حياة المؤمِن. بَعد مسيرةٍ إيمانيّة شخصيّةٍ قام بها كلُّ واحدٍ منّا على امتدادِ سنواتِ حياتِه، وبَعد تأمُّلاتٍ عديدةٍ قُمنا بها حولَ قيامةِ الربِّ يسوع في الأسابيع الماضية، لا بُدَّ لنا من أن نُدرِكَ حقيقةً أساسيّةً وهي أنَّ مَجيءَ الربِّ إلى أرضِنا لَم يَكن هباء، أي دون جَدوى، بل إنَّ وجودَه في التَّاريخ البشريّ أعطى هذا الأخير مَعناه الحقيقيّ، ألا وهو أنّ التَّاريخ لا ينتَهي عند خطَيئةِ الإنسان. إنَّ إيمانَنا المسيحيّ يَرتكزُ على الثِّقة بأنَّ حياتَنا المسيحيّة ليسَت مجرَّد عددٍ من الأيّامِ نُمضِيها على هذه الأرض وتنتهي يَوم دَفنِنا، إنَّما هي مسيرةُ استعدادٍ وتَهيئةٍ وتَحضيرٍ لِلِّقاء بِيَسوع، فَلقاؤنا بِيَسوع هو البابُ الّذي نَعبُر مِن خِلالِه إلى الحياة الأبديّة. نحنُ لَسنا أشياءَ أو كائناتٍ حيَّةً، تَموتُ فتَتحلَّلُ وتنتهي، فنَحنُ نُؤمِن بأنّنا نولَد للحياة الأبديّة. هذه هي العطيّة الّتي أعطانا إيّاها الله؛ ولكنْ لأنّنا لا نستطيع أن نَستَوعبها بِعَقلِنا البشريّ، جاء الربُّ إلى أرضِنا ليُفهِمَنا إيّاها.

إنَّ التَّلاميذ قد ارتَعبوا وخافوا عندما ظَهَر لهم الربُّ يسوع قائلاً لهم: “السّلام لَكم!” (يو 24: 36)، على الرُّغم من كلِّ الاختبارات الّتي عاشوها معه والتَّعاليم الّتي أعطاهم إيّاها والظُّهورات الكثيرة الّتي تراءى لهم فيها. إذًا، لا يستطيع الإنسان أن يُدرِك بِعقله البشريّ مَصيره الأبديّ ؛ كما أنّه لا يستطيع أن يُدرِك أنّ روحَه، تلك الرّوحَ الّتي أَوجَدها فيه الله، هي الّتي تُعطيه قيمتَه ما يعني أنّه لن ينتهي بالموت. إنّ الله قد خَلَقَنا ليُؤلِّهنا، أي ليَجعلَنا آلهةً على مِثالِه، لذا مَيَّزنا عن سائر المخلوقات فأعطانا الحياة الأبديّة وهذا يعني أنّ وجودنا سيَكون أبديًّا لا نهاية له. لقد مَنَحنا الربُّ هذه الصِّفة الإلهيّة لِنَكونَ دائمًا مَعه.

“هل لديكم شيءٌ يؤكَل؟” (يو 24: 41): عند ظهوره لهم، حاولَ الربُّ أن يُبَسِّطَ هذه الحقيقةَ لتلاميذه ليتمكَّنوا مِن فَهمِها، من خلالِ طَلبِه إليهم أن يُعطوه شيئًا يُؤكَل، فيتناول الطَّعام على مرأىً من عيونهم، ويتأكَّدوا أنّ ذلك الّذي رأوه على الصّليب مُنازِعًا والّذي سُفِك دَمه على الصّليب والّذي كفَّنوه باللَّفائف ووضَعوا صخرةً كبيرةً على قَبرِه، هو نَفسُه الّذي يَقف اليومَ أمامهم، وهو حيٌّ، وعلاماتُ الصَّلب لا زالت واضحةً في جسده.

إنّ الربَّ يسوع جاء ليؤكِّدَ لنا هذه الحقيقة وهي أنّنا سنَحيا معه. هذه هي القيامة! إنّ القيامةَ ليست أمرًا سَهلاً على الإنسان كي يؤمِنَ بها، غير أنَّها الحقيقةُ الّتي يَرتكز عليها إيمانُنا المسيحيّ. إنّ القيامةَ تدعونا إلى التَّوقفِ عن الاهتمامِ بهذا الجسدِ الفاني والانكبابِ على الاهتمامِ بِما سيَدوم بَعد موتِنا الأرضيّ ألا وهو الحياةُ الرُّوحية. عندما يؤمِنُ الإنسان بأنَّ الربَّ يسوع قد أعطاه الحياةَ الأبديّة لن يعودَ بعد ذلك يَكترث لِجَسدِه. وأفضلُ مِثالٍ على ما نَقوله هو حياةُ القدِّيسِين، ومِن بينهم القدِّيس شربل، الّذين كانوا يلجأون إلى تَعذيب أجسادِهم كي يَربحوا أرواحَهم: فَهُم كانوا يُدركون أنّ الجسد الأرضيّ لن يَشبعَ ولن يكتفيَ ولن يشعرَ بالرَّاحة، مهما أعطاه الإنسان، فالجسدُ لن يدومَ إلى الأبد، بل سَيَزولُ ويتحوَّلُ إلى حُفنةٍ مِن التَّراب في الموت. وبالتَّالي، على الإنسان أن يُغذِّيَ ويُقوِّيَ ويُعطيَ الأولويّةَ في حياته لِما سَيَدوم ويبقى، لا إلى ما سَيَزول ويَفنى.

فلنتوقَّفْ إذًا، عند هذا المنطق الّذي يدعونا إليه الربّ يسوع: إنَّ جماعةَ “أذكرني في ملكوتِكَ” موجودةٌ معنا اليومَ لنَحتَفِلَ وإيّاها بالذَّبيحة الإلهيّة من أجل موتانا جميعًا، ومِن أجل كلِّ النَّوايا الّتي نَحمِلُها في قلوبِنا. إخوتي، نحن لا نذَكرُ الموتى في صلواتِنا وكأنَّهم مجرَّدُ ذِكرى من الماضي أو فِكرَةٌ مرَّتْ في حياتِنا، بل نَذكُرهُم انطلاقًا من إيماننا بأنّهم لا زالوا حاضرين معنا. وهنا، أسمحُ لِذاتي بأن أقولَ إنّ أمواتَنا هُم الباقون ونحنُ الزَّائلون: فأمواتُنا قد حَصلوا على نِعمة الحياة الأبديّة، أمّا نَحن فَلم نَحصل عليها بعد. اليوم، في هذه الذَّبيحة، نذكرُ موتانا جميعًا، وكلَّ مَن نَفتقدهُم حِسِيًّا، ونَحزَنُ عليهم، ونتذكَّرُ هذه الحقيقةَ أنّهم قد حَصلوا على هذه النِّعمةِ الّتي أعطانا إيّاه الربُّ يسوع قَبلَنا. فالطُّوبى لهم لأنّهم لم يَعودوا أحياءَ على هذه الأرض، طوبى لهم لأنّهم ارتاحوا من وادي الدُّموعِ هذا، طوبى لهم لأنّهم ارتاحوا من هذه الأرض الفانية المليئة بالألم والأوجاع، والّتي فيها نتلَّقى كلَّ يومٍ أخبارًا أسوأَ من تلك الّتي سَمعناها في اليوم الّذي مَضى، طوبى لهم لأنّهم توَّقفوا عن عَيشِ الحسد والطَّمع والغَيرة والأذيّة، طوبى لهم لأنَّ الـمَرضَ والألمَ لم يَعُد باستطاعَتِهما أن يتمكَّنا مِنهم. 

فيا ربّ، نُصلِّي من أجل موتانا، كي يكونوا فِعلاً في مكان الرَّاحة الأبديّة. ونُصلِّي إلى الربِّ من أجلِ أُختِنا مُنى، الّتي غادرتْنا، كي تَكونَ مرتاحةً حيثُ هي، ونَطلبُ إليه أن يُكافِئَها على أعمالها في هذه الحياة، فَهي قد أمضَتْ عُمرَها على هذه الأرض في التَّعب والسَّهر على عائلتها بِرِفقة زوجها، وفي عَيشِها مَحبَّةً زَرعتْها في كلِّ مكانٍ وُجِدَت فيه. يا ربّ، نَضعُ بين يَدَيك أمواتَنا جميعًا، ونسألُك أن تَمنحَهم الرَّاحة الأبديّة. 

في ختامِ هذا التَّأمل، نسألُك يا ربّ أن تَمنحَنا النِّعمةَ لِنُدرِكَ أهميّةَ الحياةِ الأبديّة، فنسعى إلى التَّحضيرِ لسَفَرِنا إليك بِدءًا من اليوم، طالبِين مِنكَ أن تَكونَ رِحلُتنا إليك قصيرةً، فنَبتَهِجَ بلقائِكَ مع الأبرارِ والصّدِّيقِين، ونُسبِّحَكَ معهم ليلاً ونهارًا، أنت المستَحقُّ كلَّ مَجدٍ وإكرام، آمين.  

ملاحظة: دُوِّنت العظة مِن قِبَلِنا بأمانة.

Instagram
Copy link
URL has been copied successfully!
WhatsApp