“الشّعب السّالِك في الظّلمة أبصَر نورًا عظيمًا” (أشعيا 2:9)

بقلم الأباتي سمعان أبو عبدو ر.م.م.

ما أحوَج عالمنا اليوم إلى كَلِمة رجاءٍ تُعيد إليه شيئًا من الدِفء والطّمأنينة، خصوصًا في زمنٍ يَمتلئ بِالقلق، وتكثُر فيه الأزمات، وتتزاحم على أبواب العائلات همومٌ لا تُعدّ ولا تُحصى. في خضَمّ هذا الواقع، يأتي عيد الميلاد كنافذةٍ يطلّ منها النّورُ من جديدٍ، ويذكّرنا بأنّ الظلمة ليست نهاية الطريق، وأنّ الليل مَهما طال، لا يستطيع أنْ يمنَع الفجر مِن القدوم.

ميلادُ يسوع المسيح ليس حدثًا تاريخيًا فقط، بل هو علامةٌ حيّةٌ بأنّ النّور قادرٌ أن يشقّ طريقَه في أحلَك اللحظات. هذا النّور الذي أشرقَت به المغارة المتواضعة في بيت لحم، لم يُلغِ صعوبات الحياة، لكنه منَح القلوب قدرةً جديدةً على مواجهتِها. كم من أشخاصٍ وجدوا في الميلاد فرصةَ لإعادة النّظر في حياتهم، وترتيب أولويّاتِهم، والعَودة إلى بساطة الفرح، ودِفء العلاقات الإنسانيّة التي لا يُمكِن لأيّ أزمةٍ أنْ تنتزعَها.

الظلمة التي يتحدَث عنها النبيّ أشعيا ليست فقط غياب الضَوء، بل كلّ ما يَجعل الإنسان يَفقد بوصلة الحياة. قد تكون ظلمة فقدان عزيزٍ، أو مرضٍ يُرهق الجسد، أو عجزٍ أمام الظروف القاسية. ومع ذلك، يبقى الميلاد يؤكّد لنا أنّ النّور موجودٌ، وأنّه يكبُر في داخلنا كلّما فتَحنا له باب القلب، وكلّما منَحنا مَن حولنا كلمةً طيّبةً، أو مبادرةَ محبّةٍ، أو لحظةَ إصغاءٍ صادقة. هذا ما تَشهد عليه وتَعيشُه جماعة اُذكرني في ملكوتك.  

الشّعب الّذي أبصَر نورًا عظيمًا هو كلّ إنسانٍ لم يَسمح للانكسار أنْ يُطفئ أملَه، وكلّ عائلةٍ قررَت أنْ تحتفل بالمحبّة رغم الصّعوبات. هذا النّور لا يحتاج إلى أماكن كبيرةٍ ليولد، يَكفي أنْ يَجد قلبًا بسيطًا ليُضيئه، وبيتًا متواضعًا ليَحلّ فيه، ووجوهًا تنتظر بِصمت.

في عيد الميلاد، لا نَبحث عن مُعجزاتٍ كبيرةٍ، بَل عن نورٍ صغيرٍ يكفي ليبدِّد خوفَنا، ويَهمُس في أعماقنا، ما من ظلمةٍ تستطيع أنْ تغلُبَ نورًا يولَد في قلوب البَشر نابعًا من مغارة ابْنِ الله المتجسّد.  

مع يَسوع، مَهما اشتدّ اللّيل، سَيولَد السّلامُ والرّجاء. ومَهما امتدّت العَتمة، يبقى النّور أقوى مِنها. فليَكن طفلُ المغارة، بِدايةَ خَلقٍ جديدٍ، يُرافقُنا في مسيرتِنا اليوميّة.

Instagram
Copy link
URL has been copied successfully!
WhatsApp