تأمّل روحيّ،

الأب ابراهيم سعد،

  تأمّل في آحاد الصّوم،

إليكم معاني آحادِ زمن الصّوم بحسب اللّيتورجيا الشرقيّة:

إنّ الأحد الأوّل من الصّوم يُسمّى “أحد الأرثوذكسيّة” أي “أحد استقامة الرأي”، كما يُطلق عليه اسم “أحد الأيقونات”، إذ فيه يتمّ الدَوران بالأيقونات داخل الكنيسة تعبيرًا عن رفض المؤمِنين لتلك البِدعة الّتي كانت سائدة في إحدى حقبات تاريخ الكنيسة، الّتي كانت تعتبر كلَّ مَن يُصلّي أمام الأيقونة، عابدًا للأوثان، فَعَمَدَت إلى اضطهاده.

إنّ المؤمِن لا يعبد الأيقونة، بل يصلّي أمامها متعبِّدًا لله، ومُكرِّمًا القدِّيس صاحب الأيقونة. في هذا الأحد، تتلو الكنيسة على مسامع المؤمِنين، الإنجيلَ الّذي يتكلّم عن فيلبّس الّذي دعا نتنائيل إلى التعرّف على الماسيّا قائلاً له: “تعال وانظر”. إنّ هذا الانجيل يُعطي جوابًا لكلّ مؤمِن يطرح أسئلةً على ذاته متعلّقة بالصّوم، كمَعرِفَة هدف الصّوم، وكيفيّة عيشه، واختيار المنهج الصّحيح له، قائلاً له: “تعال وانظر”، كما قال فيلبّس لنتنائيل. إنّ الكنيسة تُعطي جوابًا للمؤمِن من خلال هذا الانجيل واضعةً أمامه أيقونات القدِّيسين إذ أنّهم مثالٌ له في اختيار منهج الصّوم الخاصّ به. إنّ هؤلاء القدِّيسين قد أدركوا حقًّا مفهوم الصّوم الحقيقيّ: يعتقد المؤمِنون أنّ الهالة الذهبيّة الموضوعة فوق رأس القدِّيس هي علامةٌ على تأكيد وصوله إلى الملكوت، غير أنّ تلك الهالة تدلّ على أنّ هذا المؤمِن قد أصبح قدِّيسًا لأنّه قام بتوزيع كلّ عطايا الله له على الآخرين، فالقدِّيس قد نال الملكوت، لأنّه وزَّع في حياته على الأرض كلّ خيراته، وكلّ موهبة مَنَحَه إيّاها الله على إخوته، وقد كافأه الربّ بأنْ مَلَأَهُ تعويضًا عنها بروحه القدّوس وبالمزيد من النِّعَم. إذًا، إنّ كلّ مؤمِن هو أيقونة المسيح في هذا العالم، وبالتّالي فعليه أن يُظهره في قلب العالم ويشهد له في حياته.

في الأحد الثاني من الصّوم، تحتفل الكنيسة بذكرى القدّيس غريغوريوس بالاماس. إنّ هذا القدّيس كان راهبًا في جبال آثوس في اليونان، وقد تكلّم في كتاباته عن النّور والنِّعمة: لقد تكلّم عن النّور الّذي ظهر للمسيح يوم التجلّي على جبل طابور، هذا النّور الـمُخبّأ في إنسانيّة المسيح، وهو لم يكن قد انكشف للبشر بسبب تواضع المسيح. إنّ المسيح كشف عن هذا النّور الموجود في إنسانيّته يوم التجلّي، وأظهرَه للبشر أجمعين تعبيرًا عن محبتّه لهم. إنّ الكنيسة تدعونا بواسطة هذا القدّيس إلى إظهار نور المسيح الموجود في داخلنا، إلى الآخرين. إذًا، إنّ الكنيسة تدعو المؤمِن، في زمن الصّوم، في الأحد الأوّل إلى أن يتعهّد بتوزيع كلّ خيرٍ مَنَحه إيّاه الله على الآخرين، ليَنسَكِب نور المسيح فيه، ذلك النّور الّذي تكلّم عنه القدِّيس غريغوريوس بالاماس، في الأحد الثاني من الصّوم.

إنّ الأحد الثالث من الصّوم هو أحد الصّليب. في هذا الأحد، يتمّ الدَوَران بالصّليب المحاط بالزّهور في داخل الكنيسة، فيتذكّر المؤمِن عمل المسيح الخلاصيّ من أجله، ويرى من جديد مدى عظمة حبّ الله للبشر، فلا يتَّخذ التَّعب حجّةً تُثنيه عن متابعة مسيرة الصّوم. وبالتّالي، لا يحقُّ للمؤمِن التفاخرَ بصِيامه، عندما يرى حبّ المسيح له، ذلك الحبّ الّذي أوصل المسيح إلى الموت صلبًا. في هذا الأحد، تدعو الكنيسة المؤمِن إلى النّظر إلى المسيح المصلوب على الصّليب، وأَخْذ القوّة منه لمتابعة مسيرة الصّوم، فيُدرِك المؤمِن المعنى الحقيقيّ للصّوم.

في الأحد الرابع من الصّوم، تحتفل الكنيسة بذكرى القدِّيس يوحنّا، ذاك الرّاهب الّذي عاش في دير سيناء، وَمِن كتاباته: “السُلَّم إلى الله” أو “سُلَّم الفضائل”. إنّ هذا القدِّيس يَعرِضُ للمؤمِن الفضائل على شكل درجات، عليه صعودها ليَصِل إلى مرحلة الاستنارة العظيمة. إذًا، بعد أحد الصّليب، تَحُثُّ الكنيسةُ المؤمِنَ على متابعة مسيرة الصّوم كي يكتسبَ الفضائل المسيحيّة، فيَتَمكّن من المحافظة على عهده الأوّل بأن يكون أيقونة المسيح في هذا العالم، فينشرَ نور الله الموجود في داخله للآخرين.

في الأحد الخامس، تحتفل الكنيسة بتذكار القدِّيسة مريم المصريّة. إنّ تلك القدِّيسة عاشَت حياةً مليئة بالفساد: فَقَد كانت بائعة هوى، تَخطِف الشُبّان مِن أمام الكنيسة إلى بيوت الدّعارة، وقد بلغ بها الشرّ إلى محاولتها إخراج الشُّبان من داخل الكنيسة وَسَوْقِهم إلى الخطيئة، غير أنّ قوّةً عظيمةً حالَتْ دون دخول تلك المرأة إلى داخل الكنيسة لارتكاب تلك الشرور. إنّ تلك القوّة، الّتي لم تُدرِك في بادئ الأمر تلك القدِّيسة سِرّها، شكَّلَت صَفعةً قويّة لها، جَعَلَتها تُدرِك فظاعة أعمالها، وأنّ هذه الحياة فانيةٌ وأنّ هناك حياة أبديّة، فقرّرت تلك القدِّيسة التعويضَ عن خطاياها باعتزالها العالم، فذهبت إلى الصّحراء، حيث الموت إذ لا حياة في الصّحراء، وأمضَت بقيّة حياتها فيها، أي ما يُقارب السّبعَ عشرة سنة، تائبةً إلى الله، طالبةً منه الرّحمة. لقد اعتزلت هذه القدِّيسة في الصّحراء كلّ مباهج هذه الدّنيا وملذَّاتها واكتفَت برحمة الله. وفارقَت هذه الحياة حين تناولَت جسدَ الربّ ودمَه، مِن يد الكاهن “زوسيما”، الّذي قصدها في الصّحراء، وقد اعترته الدّهشة لحالةِ القداسة الّتي وصلتْ إليها تلك المرأة التائبة. إذًا، إنّ الكنيسة تدعونا إلى عدم اعتبار ضُعفنا البشريّ، وخطايانا الكثيرة، حاجزًا يَحولُ دون وصولنا إلى القداسة، إلى الملكوت. فكما أنّ تلك المرأة الخاطئة استطاعَت الوصول إلى القداسة، كذلك يستطيع كلّ مؤمِن الوصول إلى القداسة والاقتراب من جديد إلى الله مهما عَظُمَت خطاياه وتفاقمت.

في أحدِ الشعانين، يدخل المؤمِن الّذي عاش مسيرة الصّوم، مع يسوع إلى أورشليم، فيعيش معه مسيرة الخلاص. فالمؤمِن، كائنًا مَن يَكن، يهوديًا كان، أم أُمَمِيًا أم مُلحِدًا، خاطئًا أم خائنًا، سيُشارك المسيح في مسيرة الخلاص، وسيصرخ مع الجماهير تسبحة “هوشعنا في الأعالي”. إنّ كلّ مؤمِن يريد اتبّاع المسيح والحصول على خلاصه، عليه الدّخول معه في الأسبوع العظيم، حيث المؤامرة تتحققّ فيَتمّ القبض على المسيح، من قِبَل الجنود بمساعدة يهوذا، أحد تلاميذ يسوع، فيُحكم على يسوع بالموت صلبًا، ولكنّ يسوع قد غلبَ الموت، وقام من بين الأموات، وأقام معه كلّ المؤمِنين به، وأدخلهم الملكوت.

إنّ “الجمعة العظيمة” تضع المؤمن أمام سؤالٍ كيانيّ في عيشه لمسيرة الجلجلة، مَن هو مِثالُه في هذه المسيرة: أهو يوحنّا الّذي لم يفارق يسوع وبَقي معه حتّى عندَ أقدام الصّليب، أم هُوَ بطرس الّذي أنكر يسوع ثلاث مرّات أمام الجاريّة، ثُمَّ هربَ كما فعل الآخرون، الّذين تركوا يسوع وحيدًا في هذه الـمِحنة؟ إذًا، منذ أوائل أيّام الصّوم، على المؤمِن أن يتَّخذ قراره، فيُدرِك من البداية، طبيعةَ ارتباطه بالمسيح: فإن كان يريد اتِّباعه، عليه أن يسعى كي يتحرّر من كلّ الآلهة ومن كلّ الأهواء الّتي كان يعتقد أنّها السبب في خلاصه، فيَتَّخِذ المسيح مخلِّصًا وحيدًا له. على كلّ مؤمِن أن يُدرِك إن كان يريد متابعة المسيرة مع الله أم لا. 

وإن قرّر المؤمِن متابعة المسيرة مع المسيح، فعليه أن يقرّر أيَّ موقفٍ سيتَّخِذ أمام صليب يسوع. إنّ بطرس الّذي خان المسيح وأنكره، نال الملكوت كنصيبٍ له، فأيًّ كان موقفك أيّها المؤمِن، فإنّ نصيبَك سيكون أن تقوم مع المسيح يوم الأحد، وأن ترثَ الملكوت. في الكنيسة الأرثوذكسيّة، يوم الجمعة العظيمة، وفي رتبة جنّاز المسيح، تُرتَّل تراتيل القيامة، ويتمّ توزيع الورود على المؤمِنين، فالورود هي عربونٌ للمؤمنين على أنّ القيامة ستتمّ يوم الأحد، إذ إنّ المسيح قد غلبَ الموت، والورود هي عربونٌ للمؤمِن على أنّه سيكون له نصيبٌ مع المسيح في القيامة، إذ إنّه سيرث الملكوت مع المسيح. إنّ تلك الوردة الّتي تُوَزَّع على المؤمِن، تجعله يتذوّق طعمَ القيامة قبل أن تتمّ.

إنّ مسيرة الصّوم تنتهي بفرح القيامة، ولكنّ الصّوم هو مسيرة فرحٍ أيضًا، لذا نجد في التقليد الشرقيّ، أنّ بعض القرى اليونانيّة على سبيل المثال تحتفل ببداية الصّوم، بتكريس اليوم الأوّل من الصّوم للفرح إذ تقوم العائلات بتمضية يومٍ في الطبيعة، في أجواءٍ من الفرح والتسلية. أمّا في التقليد الغربيّ الشعبيّ غير الكنسيّ، فَيُقيم المؤمنون “الكرنفالات” قبل بداية الصّوم، من أجل توديع مباهج الدُّنيا، إذ يعتقدون أنّ الصّوم هو مرحلةَ حزنٍ وألمٍ، وإماتات وعذابٍ. إخوتي، ليس الصّوم كذلك، بل إنّ الصّوم هو فترةٌ للفرح، وعلى كلّ مؤمن أن يُعبِّر عن فرحِهِ بطريقة مختلفة عن الآخر، غير أنّ بعض المؤمنين قد انغلقوا على ذواتهم، إذ اعتبروا أنَّ الصّوم هو قانونٌ، على جميع المؤمِنين تطبيقه. إنّ القانون إخوتي، لم يوضع من أجل ظلم النّاس، بل من أجل ترتيب وتسهيل أمورهم، لذا علينا أن نتقبّل أنّه قد لا يتمكّن جميع النّاس من الالتزام بهذا القانون، أيّ بالصّوم. إنّ الصّوم مِن دون مغفرة، مَضْيَعةٌ للوقت؛ والصّوم مِن دون رحمة، كبرياءٌ مُقَنَّع؛ والصّوم مِن دون يدٍ ممدودة للعطاء عبادةُ أصنامٍ. إنّ كلّ مؤمن يمتنع عن العطاء، والرحمة، والمغفرة للآخرين، هو إنسانٌ قد جعل مِنَ الصّوم إلهًا جديدًا له، وابتعد عن هدف الصّوم الحقيقيّ، ألا وهو إظهار المسيح للآخرين من خلال تصرّفاته. إنّ الصّوم، يقول الربّ، يقوم على كسر المؤمِن خُبزَه مع المحتاج، والاهتمام بالأرملة واليتيم، والمسكين. إنّ الصّوم الّذي يطلبه الربّ منه هو مساعدة الآخر وتلبية حاجاته، وعلى المؤمِن عدم استعمال ضعفه البشريّ لعدم ممارسة الصّوم، لأنّ الربّ يقول لنا إنّه سيُبَيِّض لنا خطايانا القُرمزيّة ويجعلها كالثلج. إنّ العطاء يُدخل الفرح إلى قلب المحتاج والعاطي معًا. إنّ الإنسان الّذي يهتمّ بالفقير ويشتري له ما يحتاجه، يشعر بالفرح لهذا العمل، غير أنّ فرح هذا الإنسان المعطاء سيكون أكبر إنْ تخلّى عمّا يملك ليُقدِّمه لأخيه المحتاج، لأنّه حينها سيختبر الألم الّذي يعاني منه ذاك المحتاج. إنّ المحتاج سيشعر بالفرح حين يحصل على عطائك، وفرحه هذا سينعكس فرحًا عليك، لشعورك أنّ تلبية حاجة هذا المحتاج قد سبَّبَت له فرحًا، وبالتّالي تقوم وتشكر هذا المحتاج الّذي أدخل الفرح إلى قلبك، جرّاء عطائك له. لذلك، يقوم الصّوم على الامتناع عن بعض الأمور لا تطبيقًا لقانون الصّوم، إنّما لأنّ في ذلك الامتناع مَسَرَّةً أكبر لك، إذ ستكتشف فرح المسيح.

إنّ التعبير عن الصّوم وتناقل الصلّوات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، هو شهادةٌ للآخرين وتعليمٌ لهم عن كيفيّة عيش الصّوم، لكنّ التعبيرَ الأفضل عن الصّوم هو عندما يلتفت المؤمِن إلى الآخر المحتاج له، ذاك المرميّ على الطريق، ذاك الّذي “تلحس الكلاب قُرُوحَهُ”. إنّ مؤمنين كُثُرًا يمتنعون عن الاهتمام بالمحتاج، بحجّة أنّهم يكرّسون وقتهم للصّوم والصّلاة في هذا الزمن الطقسيّ. إخوتي، إنّ الصّوم والصّلاة ليسا حكرًا على المؤمِنين في فترة الصّوم وحسب، إذ على المؤمن ممارسة الصّلاة والصّوم في كلّ حين. لقد قال أحدهم: “ما أحلى الصّوم بعدَ الصّوم”، إذ إنّ الصّوم هو مرحلةٌ تساعد المؤمِن على اكتساب بعض الفضائل الّتي عليه أن يتمرّس في عيشها كذلك ما بعد الصّوم. ما أجمل أن يتمتّع المؤمِن بذهنيّة الصائم حتّى بعد انقضاء فترة الصّوم الكبير، فهي تقوم على الانتباه للآخر، وتلبية حاجاته لا رغباته، وهذا تفسير تطبيقيّ لمعنى المحبّة الحقيقيّة. إذًا، إنّ الصّوم لا يقوم على إدانة الآخرين إن كانوا صائمين أم لا، بل الصّوم هو فترة تدفعنا للانتباه أكثر إلى حاجات الآخر وتلبيتها، وبالتّالي على المؤمِن ألّا ينظر إلى صحن الآخر لإدانته على الأطعمة الّتي يتناولها في الصّوم، إنّما عليه أن ينظر إلى صحن الآخر ليملأه طعامًا إن كان فارغًا. إنّ الله لم يجعل من المؤمِنين حُرّاسًا بعضهم البعض، فيراقبون أطعمة بعضهم البعض.
على الكنيسة أن تعيد التفكير في طُرق التعبير عن الصّوم، لا من أجل إلغائه، أو تصنيمه، إنّما من أجل إعادة العريس أي المسيح إلى محور مفهوم الصّوم. إنّ مفهوم الصّوم لن يستقيم إلاّ بعودة المسيح إليه، وعندها فقط سيتمكّن المؤمِن من عيش مفهوم القيامة بالعُمق: على المؤمِن أن يختبر أربعين يومًا من العطاء الموجِع على حسب قول الأمّ تريزيا، ليتمكّن من عيش فرح القيامة. على المؤمِن أن يشعر بألم الحرمان مِنَ الطّعام عندما يُقدِّمه لآخرَ يعاني من حُرمانٍ من الطّعام طوال السنّة، ليُدرِك معنى الفرح الحقيقيّ. إنّ المؤمِن الّذي يعيش الصّوم مُختبِرًا هذا العطاء الموجِع يستطيع أن يصرخ في كلّ حين: “المسيح قام”، لأنّ المسيح حقًّا قام.

ملاحظة: دُوِّن التأمّل بأمانةٍ مِنْ قِبَلِنا.

Instagram
Copy link
URL has been copied successfully!
WhatsApp