محاضرة روحيّة،
الخوري جوزف سلوم،
“حينئذٍ فتح أذهانهم ليفهموا الكتب” (لو 45:24)
الله معكم.
إنّ موضوعنا هو عن الكتاب المقدّس لأنّ السينودس، سينودس الأساقفة للشرق الأوسط قد أعلن هذه السنة سنة الكتاب المقدّس، وذلك لوجود حاجة ماسّة للعودة إلى كلمة الله الّتي ما زالت مجهولة من قِبَل كثيرين. إنّ كلمة الله هي المحور الأساسيّ لحياتنا وهي الّتي تعمل فينا. إنّني أتمّنى أن يكون لدى كلّ فردٍ منّا الكتاب المقدّس الخاصّ به، إذ يجب أن يمتلكه الجميع وعلينا أن نعتبره كأحد أغراضنا الخاصّة التّي لا غِنى عنها، وعلينا القراءة فيه بشكلٍ يوميّ. وإذا سألنا أحدهم أن نُعرِّف بكتابنا المقدّس بكلمة واحدة، فبماذا نجيبه؟ إنّ الكتاب المقدّس هو طريق، حياة، غذاء، بُشرى، نور، محبّة، الله، عطاء، كلمة، قصّة، رسالة، رحمة، ضرورة. هذه الكلمات تشكلّ باقة جميلة تُعرِّف بالكتاب المقدَّس.
أريد منكم أن تحاولوا إيجاد جوابكم الشخصيّ على السؤال: أين أنتم، أي من أيّ واقعٍ أتيتم قاصدين هذا المكان للصلاة، والمقصود بذلك أن تحدِّدوا ما هي أوجاعكم، أي ما هو موجود في داخلكم والّذي لا يظهر للملأ. من الضروريّ أن تكتشفوا ما في داخلكم من قرف ووجع، وتعب، وخوف. فهناك أشخاص قد جاؤوا إلى هذه الرياضة مثلاً لأنّهم قد تعبوا من أوضاعهم الحياتيّة العمليّة، ومن أوضاع حياتهم المنزليّة. إذًا بدايةً علينا تحديد مواقعنا. وهذا السؤال يدفعنا إلى طرح سؤال آخر، وهو إلى أين نحن ذاهبون؟ لأنّه متى أدركنا إلى أين سنذهب، فمن المؤكدّ أنّ أمورًا عديدةً سوف تتغيَّر في حياتنا من خلال نظرتنا إليها. فإذا كان الكلام عن طريق، فنحن بحاجة إذًا إلى كلمة الله لتكون لنا غذاء، ونور، وطريق، فنصل إلى الرّبّ من خلال كلمته، فنكون معه ونفرح ونصل إلى السعادة، إلى السّماء، إلى “اُذكرني في ملكوتك”. إذًا علينا في كلّ صباح أن نطرح هذين السؤالين على ذواتنا: أين أنا، وإلى أين أنا ذاهب؟ إذًا بعد أن عرف كلّ واحد منّا من أين أتى وإلى أين يذهب، ها نحن قد تجمّعنا ونحن نشكّل العروس اليوم، إذ إنّنا نحن البيعة والكنيسة. تبحث العروس عن العريس وتنتطر قدومه. إنّ اللّيتورجيا البيزنطيّة تتوجّه إلى البيعة قائلةً لها: “هوذا عريسك” وتُقدِّمه للبيعة على أنّه متألم ومصلوب. إذًا هذا هو عريسنا، ونحن ذاهبون معه وبرفقته، والعرس سيتمّ عند لقاء البيعة بالعريس ألّا وهو يسوع المصلوب.
هناك فرق بين أمرين:كلام الله وكلمة الله. فكلام الله هو كلام الانبياء، وكلام الرّسل والتّلاميذ، إنّه كلام يَروي كلّ قصّة تاريخ الله مع شعبه. إنّ الكتاب المقدّس يروي لنا أمرًا واحدًا وهو رحمة الله لشعبه. إنّنا نجد ثلاثة أمور في الكتاب المقدّس العهد الجديد: حياة يسوع (أين ولد؟، أين تعمّد؟،كيف مات؟)، كلام يسوع (أنا نور العالم، أنا الطريق والحق والحياة، أنا القيامة) وأعمال يسوع (شفاءاته للمرضى، عرس قانا، تهدئته الموج، إطعام النّاس سمكًا وخبزًا). أمّا كلمة الله فنقصد بها الأقنوم الثاني أي: يسوع المسيح. فإذًا نحن مدعوّون لا للقاء، مع كلمات ككلّ الكلمات، إنّما نحن مدعوّون للقاء الكلمة أي: يسوع المسيح. أريد أن أخبركم أمرًا وهو أنّ هناك يسوعين: يسوع التّاريخي، وهو معروف من كلّ النّاس أي من البوذيين والمسلمين أيضًا. الكلّ يعرفون يسوع الّذي وُلِد في بيت لحم وعاش في النّاصرة وتعمَّد في نهر الأردن على يد يوحنّا المعمدان، والّذي ذهب إلى عرس قانا الجليل، ومات ودفن ويقولون إنّه قام في اليوم الثالث. التقى الجميع بـــ”يسوع” التاريخيّ هذا. أمّا يسوع الثاني فهو يسوع الحقيقيّ، كلمة الله الّتي أظهرت رحمة الله ومحبته، هذا هو “يسوع” الحقيقيّ الّذي يجب أن نلتقي به.
أريد اليوم أن أعرّفكم بهوّية يسوع. كلمة “يسوع” تعني الّذي يُـخلِّص شعبه من خطاياه. هذا هو “يسوع” الّذي يجب أن نلتقي به، وهو ليس مخلِّص البشر بشكل عام، بل إنّه مخلِّصي الشخصيّ، إنّه يسوعي أنا. إنّ هذا الـ” يسوع” الذّي خلَّص النّاس من خطاياهم، هو أيضًا “عمانوئيل”، وهي كلمة تعني أنّ الله معنا. وبالتّالي يسوع الّذي هو مخلِّصي أنا، هو معي كلّ يوم: الأمس، اليوم وغدًا، أمّا نحن فما زلنا في حالة خوف على الرغم من ذلك. غريب هو الانسان! إنّ هذا الخوف هو دليل على أنّي لم ألتقِ بالرّبّ بعد. فإن كنّا نعرف هذا الله، هذا الأقنوم الثاني، كلمة الله، الّذي أحبّنا هذا الحبّ كلّه، لا نستطيع أن نُكمِل حياتنا والخوف وهموم الحياة اليوميّة تسيطر علينا. ففي ظلّ كلّ الهموم المعيشيّة وفساد كلّ المأكولات، لقد وجدت أنّ قلب الانسان فاسد، وكذلك ضميره. وقد اكتشفت أنّ هناك لحمٌ واحد غير فاسد هو جسد الرّبّ: “خذوا كلوا هذا هو جسدي”، إنّه يغذينا، ويعطينا مناعة ضدّ كلّ الأمراض. إنّ القديسة رفقا الّتي احتفلنا بعيدها منذ أيّام، هذه القديسة الّتي عانت من تفكّكِ عظامها، ومن العديد من الآلام في جسدها، قامت بالزحف من أجل الوصول إلى الكنيسة لأنّ رغبتها كانت كبيرة جدًّا في تناول جسد المسيح. إنّها مثالٌ لنا فلنأتِ إلى يسوع زاحفين لكي نتناوله، من دون أن نكون مكبّلين بشيء، فلنأتِ إليه بشغف، ومن كلّ قلوبنا ونلمسه، ولنلتقِ به. إنّه الشخص الوحيد القادر على نزع كلّ فسادٍ من قلوبنا، من ضمائرنا. إنّه “كلمة الله” الّذي يطلب منّا ألّا نخاف، ويطلب منّا أن نتحلّى بالشجاعة والقوّة لنسعى ونجاهد ونناضل فنستطيع أن نغيِّر العالم.”يسوع” هذا، الذّي يخلّص شعبه من خطاياه هو عمانوئيل أي دائمًا معي ويخلِّصني يوميًّا. وهنا أسمع الكثيرين من المسيحيّين يتأفّفون ويقولون إنّ وَضعَنا في الشرق يتدّهور ويتحوّل من سيئٍ إلى أسوأ، وإنّ شبابنا يهاجرون. إنّ هاجس الخوف على المصير هو هاجس المسيحيّين جميعًا وهو حديثهم الدائم. هنا أريد أن أذكرّكم بكلمة يسوع الّذي قال لنا :”لا تخافوا”.
إنّ عدد المسيحيين في الشرق كلّه يقارب الخمسة عشر مليونًا، وهذا يعني أنّ عددنا لا بأس به. وإن اعترضنا قائلين إنّ المسلمين يفوقوننا عددًا، وأمّا نحن فلا نتجاوز سبعة بالمئة من سكان الشرق، أذكّركم أنّه منذ ألفي سنة، استطاع اثني عشر رجلاً مسيحيًّا من تغيير العالم، ولم يكونوا خائفين. ما أريد قوله هو أنّه يجب ألّا نخاف، فنحن بمثابة ملح لهذا الشرق، فالعدد غير مهمّ إنّما ما يهمّ هو نوعيّة الاشخاص. لذلك يُمنع على المسيحيّ أن يتراجع، أو أن يتكاسل أو أن يكون متفرِّجًا. فمن يتعرّف إلى المسيح، عليه الذهاب في المسيرة إلى النّهاية تمامًا كما فعل المسيح.
انتقل الآن، إلى دعوة حزقيال في تفسيري لفكرة لقائنا بيسوع. سوف أعرض عليكم الإطار الّذي كان موجودًا أيّام النبيّ حزقيال: لقد كانت المملكة الشماليّة منقسمة ومنفصلة عن المملكة الجنوبيّة، وكان هناك انحدار وفساد في السياسة وتحالفات سياسيّة، فالمملكة الجنوبيّة تحالفت مع بلاد ما بين النّهرين، أمّا المملكة الشماليّة فتحالفت مع مصر. إنّ الوضع آنذاك كان سيئًا جدًّا، ويشبه وضعنا اليوم في الشرق، غير أنّ الرّبّ نادى حزقيال مطلقًا عليه لقب ابن الانسان، وطلب منه أن يفتح فمه ليتناول السفر. لقد كرَّر الرّبّ لحزقيال هذا الأمر سبع مرّات، وكأنّ الله يدعوه إلى التّروي قبل الكلام، إنّه يدعوه إلى الطعام. في عالمنا اليوم، نتكلّم كثيرًا وإنّ بعض الأحاديث هي مصدر لتعب الانسان. إذًا في بادئ الأمر، علينا أن نفتح أفواهنا لنأكل الكلمة، أي أن نتأمّل في الكلمة، وأن نصلّي، وأن نعود إلى الداخل، وبعد مرور فترة من الزّمن على ذلك، نستطيع عندئذٍ أن نتكلّم ونعلن البشرى. فهل يجوز أن يخاف الانسان الّذي يسير مع الله؟ هل يخاف من يصلي؟ إنّ الانسان الّذي يصلّي يجب ألاّ يخاف. إذًا، الدعوة الثانية لنا اليوم هي أن نأكل الكلمة، ونتأمّل بها، وبعد ذلك علينا أن ننقلها إلى الآخرين. ثمّ يتابع حزقيال فيقول: “فنظرت فإذا بيدٍ”. إنّنا لا نعمل وحدنا بل إنّ يد الرّب هي دائمًا معنا، وهي تساندنا في أعمالنا، غير أنّنا نرى في بعض الأوقات، أنّ البعض يتفاخرون بأنّهم يقومون بأعمال معيّنة. إن كلّ من سبقونا إلى الحياة الثانيّة، لم ينتهوا من أعمالهم فلا داعي للتفاخر، فالأمر لا يتوقف عندك. فالبعض يعتقدون أنّهم إذا رحلوا، توقّفت الدّنيا غير أنّ الحياة تستمّر، فلا يَعتقِدَنَّ أحدٌ نفسه أنّه مركز هذه الحياة، وأنّ الأمور تتوقف عليه، ولا نحمِلَنَّ هموم البشريّة بأسرها على أكتافنا. إنّ اليد ترمز إلى المساعدة والبركة، السند والعطاء. لكن إخوتي، علينا التركيز على اليد المفتوحة. إن اليد المغلقة لا تستطيع لا العطاء ولا الأخذ. إن اليد الّتي تعطي هي دائمًا مفتوحة والرّبّ يرى هذا العطاء ويفيض من عطائه فيها. فإذا كانت يدنا مفتوحة استقبلنا عطايا الله، وإن لم تكن كذلك، فهي غير قادرة على استقبال عطاءات الله لها. إذًا فلنُبقِ أيدينا مفتوحة للعطاء، ولتكن أيماننا بيمين يسوع، الّذي هو الضمانة الوحيدة.
إن شركة التأمين الوحيدة الّتي لن تتعرّض للإفلاس وهي صادقة ولا تقوم باستثناءات، هي يسوع، فهو الضمانة الوحيدة. هل أنا مستعدّ لأنتسب إلى هذه الشركة فأجعل يسوع ضمانتي الوحيدة، يسوع الّذي يخلِّص شعبه من خطاياه، يسوع “عمانوئيل”، الّذي هو معي ومع أبنائي وكلّ عائلتي كلّ يوم؟ إذا كان الأمر كذلك، فلا داعي للخوف من أيّ شيءٍ كان، فالمسألة ليست متعلّقة بعددنا كمسيحيّين في الشرق. فكما خلق الله بلحظة وبكلمة هذا الكون كلّه، فإنّه قادر أن يحوّل قلوب البشر أجمعين ويغيِّرها ويعيدها إليه. إنّ شرط الله الوحيد هو أن نحيا معه ولكنّ ذلك لا يعني أن نتّكل عليه ونتفرّج، فواجبنا أن نشهد بأنّنا أكلنا الكلمة وشهادتنا هذه، هي للعالم بأسره.
يقول الرّبّ في سفر حزقيال ويكرّر الأمر في سفر رؤيا يوحنّا “افتَحْ فمك وخُذِ الكتاب وابتلعه”. رأيت في إحدى المرّات يافطةً كُتِبَ عليها:”دورةٌ لتحفيظ القرآن”، كم هو رائع هذا الأمر أن نحفظ كلمة الله. لكن هل نحن نحفظ كلمة الله؟ إن ما يطبع فيك تحفظه غيبًا، وهنا لا أقصد بكلامي حفظ الكلمة حرفيًا. وعندما أتكلّم عن حفظ كلمة الله، لا يسعني إلاّ أن أتكلّم عن مريم الّتي “كانت تحفظ كلّ هذه الأمور في قلبها”،كانت تحفظ كلمة الله في قلبها. عندما نقول “حفظ”، فهو يعني أمورًا أربعة هي: أوّلاً، معرفة الكلمة: علينا أن نعرف كلمة الله ونتعرّف بها أكثر، أي معرفة تفاصيل الأحداث المرويّة في الكتاب المقدّس. ثانيًا: عيش الكلمة، إذ لا يكفي أن نعرف الكلمة بل علينا أن نعيشها، فالعيش هو الّذي يؤثر ويبقى شهادة عند الآخر. ثالثًا: علينا أن نصلّي الكلمة، فلنأخذ الكتاب المقدّس ولنصلِّ به، ولنقرأ الكلمة ونصلِّها. بعد خبرتي في الحياة، أعلم أنّ هناك أنواعًا عديدة ومتنوعة من الصّلوات، لكن الصّلاة الأعظم والأبهى هي الصّلاة في الكتاب المقدّس. وأخيرًا، إعلان الكلمة: علينا أن نخبر عن الكلمة وأن نوصلها للآخرين وذلك من خلال شهادتنا السلوكيّة والكلاميّة أيضًا، فلا يكفي أن نعرف الكلمة وأن نعيشها وأن نصّليها. لا يجب أن نحتفظ بها لأنفسنا بل علينا نقلها للآخرين، إذ لا شيء يستطيع أن يغيّر النّاس سوى كلمة الله، وكلمة الله لن تعود فارغة على الإطلاق إذ إنّها تعمل فينا حتّى نتغيّر ونتقدّم. إنّ مار يوسف الّذي نحتفل بعيده هذا الاسبوع، هو قديس متعدّد الشفاعات.
يقال إنّ مار يوسف مات قبل أن يبلغ يسوع الثلاثين من عمره ويتعمّد ويبدأ بحياته العلنيّة، وعلى الأرجح مات مار يوسف حين كان عمر يسوع بين الاثنتي عشرة سنة والثلاثين سنة من العمر إذ لا نجد أيّة تفاصيل عن مار يوسف في هذه المرحلة، في الإنجيل. وبناءً على هذا الافتراض، يمكننا القول إنّ مار يوسف لم يشهد على معموديّة يسوع، ولا على العشاء السرّيّ حين أعطانا يسوع الاسرار، فهو بالتّالي لم يأخذ أي سرّ من الأسرار. ما يميّز مار يوسف أنّه عاش فقط مع الكلمة. كم هو مهمّ إخوتي، أن نحيا مع الكلمة كما فعل مار يوسف. إنّ العيش مع الكلمة أي مع يسوع، الأقنوم الثاني، هو الّذي سيدفعنا لنأخذ الانجيل ونعيش مسيحيّتنا عمليًا في الحياة. وكم هناك من الأشخاص الّذين يحفظون كلمة الله لكنّهم لا يعيشونها في واقع حياتهم مع الآخرين أي في عملهم، في حياتهم العائلية. علينا ليس فقط أن نحفظ الإنجيل بل علينا أن نترجمه في حياتنا العمليّة.
سوف أقرأ نصًّا من العهد القديم وتحديدًا من سفر تثنية الاشتراع (تثنية 11/ 18-23)، فنُدرك ما الّذي يقوله لنا عن كلمة الله، ثمّ نقوم بتأويل ذلك الكلام محاولين أن نحدّد دور كلمة الله في حياتنا اليوميّة: “فاجعلوا كلماتي هذه في قلوبكم وفي نفوسكم، واعقدوها علامةً على أيديكم ولتكن عصائب بين عيونكم وعلّموها بنيكم مُكمِّلين إيّاهم بها، إذا جلست في بيتك، وإذا مشيت في الطّريق، وإذا نمت وإذا قمت. واكتبها على دعائم أبواب بيتك، لكي تَكثُر أيّامكم وأيّام بنيكم على الأرض الّتي أقسم الرّبّ لآبائكم أن يعطيهم إيّاها، كأيّام السّماء على الأرض. فإنّكم إن حفظتم كلّ هذه الوصيّة الّتي أنا آمركم بها عاملين بها، ومحبّين الرّبّ إلهكم وسائرين في سُبُلِه كلِّها ومتعلّقين به، يطرد الرّبّ هذه الأمم كلّها من أمامكم، فترثون أممًا أعظم وأقوى منكم”. إذًا علينا وضع كلمة الله في قلوبنا ويقول الله في سفر الأمثال إنّ وضع وصاياه يجب أن يكون في قلوبنا، في صميمنا. علينا أن نحفظ كلمة الله ونضعها أمام عيوننا لنراها أينما ذهبنا وكيفما تحرّكنا، وعلينا أن نعلّمها لأولادنا إذ إنّ أولادنا لا يصبحون ناضجين من دون كلمة الله. إنّ تصرّفات أولادنا وأبنائنا تدلّ على أنّهم لا يعرفون كلمة الله، لكن عندما يتعرّفون بكلمة الله فإنّهم سيتغيّرون حتمًا إذ إنّ كلمة الله وحدها هي القادرة على ذلك. فأينما كنّا، فلتكن كلمة الله معنا، في عملنا، في بيوتنا؛ ومهما فعلنا، إن أكلنا أو شربنا وإن نمنا، فلتكن كلمة الله همّنا. فلنكتب كلمة على دعائم بيوتنا، فنتذكّرها وتكون دائمًا أمام عيوننا، ولنجعل إذًا كلمة الله أساسًا لكلّ حياتنا. فما يقصده كاتب سفر تثنية الاشتراع بأن نضع كلمة الله علامةً على أيدينا هو أن تكون كلمة الله في كلّ حياتنا وفي كلّ مكان، في قلوبنا، في كلّ تصرّفاتنا، وفي كلامنا أيضًا.
إنّ كلمة الله لها مفاعيل عدّة في حياة المؤمنين بها. فهي أوّلاً تشفي، فإن كنت تطلب الشفاء فَعُدْ إلى كلمة الله:”قم، واحمل فراشك وامشِ”. إنّ الرّبّ شفى المخلّع من دون أن يلمسه، شفاه بقوّة الكلمة. إنّ الأعمى قد حصل على الشفاء من الرّبّ بقوّة الكلمة “ايمانك خلّصك، اذهب بسلام”. إذًا الكلمة تشفي.
ثانيًا، إنّ الكلمة تغفر الخطايا. فبالعودة إلى نصّ المخلّع، نرى ازدحام النّاس عند الأبواب الّتي أعاقت دخول المخلّع، أمّا نحن فعلينا ترك الأبواب مفتوحة، وترك ممرٍّ ليستطيع النّاس الدخول والاقتراب من يسوع. إنّ رفاق المخلّع لم يستسلموا أمام هذا الازدحام فدلّوا المخلّع من السقف ووضعوه أمام الكلمة. إنّ أوّل كلمة قالها يسوع للمخلّع عندما رآه أمامه:”مغفورة لك خطاياك”، غير أنّ اليهود انزعجوا من كلام يسوع هذا وكان ذلك من الأسباب الّتي دفعتهم للتآمر عليه وقتله إذ اعتبروه مجدِّفًا. إذًا، كلمة يسوع قادرة على غفران الخطايا.
ثالثًا، إنّ كلمة يسوع تُحرِّرنا من عبوديّات كثيرة ومن قيود عديدة. فمثلاً، يتفرّد الانجيليّ يوحنّا في الفصل الثامن من إنجيله بسرد رواية حادثة المرأة الّتي ضُبِطَت وهي تزني. ويقول النّص إنّ اليهود قد أتوا بهذه المرأة ووضعوها أمام يسوع، في وسط دائرة قد شكّلوها حولها، واستعدّوا لرجمها بالحجارة. إنّ قلوبنا تشبه تلك الحجارة الباردة والقاسية. أمّا يسوع فقد كان يخطّ على الرّمل بإصبعه، وانحنى على التّراب، كما انحنى على آدم وحوّاء في الخلق، وها هو الآن يأتي ليخلق المرأة من جديد. حرَّر يسوع تلك المرأة بكلمة إذ جعل كلّ الموجودين ضمن الحلقة بكلمة واحدة منه يتراجعون عن رجم المرأة، ويعودون من حيث أتوا: “من منكم بلا خطيئة فليرجمها بأوّل حجر”. إذًا، إنّ كلمة يسوع فقط هي القادرة على تحرير الإنسان.
رابعًا،إنّ كلمة يسوع تُقَدِّسنا، إنّها تعطينا دفعًا لنتقدَّم ونتغيَّر:”كونوا كاملين، طوبى للفقراء، طوبى للجياع والعطاش إلى البِّر، طوبى للساعين إلى السّلام، طوبى للمضطهدين”. إنّ يسوع يعطينا منطقًا جديدًا يقدِّسنا.
خامسًا، إنّ كلمة يسوع تدعو الإنسان.كان يسوع مارًّا أمام دار الجباية حين رأى متّى وقال له:”اتبعني”، فإنّ كلمة واحدة من يسوع كانت كافية لتجعل متّى يترك كلّ شيء ويتبع يسوع: الوظيفة والمال والمركز. وكذلك عندما التقى يسوع بابنَي زبدى وهما يُلقيان الشّباك في البحر وقد كانا مع أبيهما زبدى، دعاهم قائلاً لهما :”اتبعاني”، فتبعاه وتركا أباهما والشِّباك. وكذلك الأمر مع بطرس الّذي كان مع أخيه اندراوس، تركا السفينة وتبعا يسوع عندما دعاهما قائلاً لهما:”اتبعاني”. إنّ كلّ دعوة تتطلب تخلّيًا، فهذا ما حصل مع القدّيسين أيضًا، وعلى سبيل المثال مار انطونيوس الكبير الّذي كان داخل الكنيسة عندما سمع كلمة الله في الإنجيل:”ماذا ينفع الانسان لو ربح العالم كلّه وخسر نفسه؟”. سمع القدّيس انطونيوس كلمة الله في الإنجيل: “إذا أردت أن تكون كاملاً اذهب وبع كل ما تملك واتبعني”، فذهب وقَسَمَ أمواله بينه وبين أخته فوزّع حصتّه على الفقراء، وذهب إلى الصحراء تابعًا الرّبّ، وأصبح فيما بعد مؤسِسًا للحياة الرهبانيّة. إذًا يسوع يدعو بكلمة منه.
سادسًا، إنّ كلمة يسوع تُرسِل إلى العالم، إنّها ترسلنا في وسط العالم. قمت مرّة ببحثٍ صغير في الكتاب المقدّس عن تواتر فعل “اذهب” في العهد الجديد:”اذهبي ولا تعودي إلى الخطيئة”،”اذهبوا وتلمذوا كلّ الأمم”،”اذهب واصنع أنتَ أيضًا هكذا”، في مثل السامريّ الصالح،…. إنّ يسوع يُرسلك إلى العالم حين تلتقي به. وإن أكملنا عرض مفاعيل كلمة يسوع لما انتهينا، فكلمة يسوع هي فاعلة وقديرة وقويّة وثابتة ولا تزول. إنّ كلمة يسوع هي الأساس فهي الوحيدة القادرة على أنّ تغيّر كلّ حياتنا.
إنّ الكلمة تحوِّل حياة الإنسان، وتغيّر مسيرة حياته، من السّيّئ إلى الأفضل والأفضل، ومثالاً على ذلك زكّا العشّار، الّذي غيّرت حياته كلمة واحدة من يسوع الّذي طلب منه النّزول من على الجمّيزة لأنّه سيقيم عنده في ذاك النّهار. تحوّلت حياة زكّا من الغِشّ والسرقة، من حياة مليئة بالأفعال السيئة، إلى حياة مليئة بالأفعال الّتي يرضى عنها الرّبّ.كذلك هي الحال مع مار بولس الّذي تحوّلت حياته. وبالتّالي نحن نرى كم أنّ هذه الكلمة هي فاعلة في حياة هؤلاء النّاس، وسواهم من البشر.
هناك نوعان من الكلام: هناك كلمات تعطي الموت وتنشر حضارته وهناك كلمات تعطي الحياة وتنشر حضارتها. في بعض الأحيان، يكون كلام النّاس جارحًا ومؤذيًا لي، ولكنّني أنا أيضًا أجرح الآخرين بكلمتي، فأنا من النّاس ولست مختلفًا عنهم بشيء. إنّ كلام يسوع يَبني، فكلامه هو روح وحياة كما ورد في الإنجيل. لذلك في كلّ مرّة نقبل كلمة الرّبّ، كلمة التشجيع الّتي يقولها الرّبّ لنا، وننقلها للآخرين، تثمر فيهم وفينا فرحًا كبيرًا، والدّنيا عندئذٍ تستطيع أن تتغيّر. لنكن إيجابيين في الحياة، ولنَقُل كلمة تشجيع للآخرين، لنَقُلْ للآخرين الكلمات الجيّدة والصالحة والّتي تبني، ولنَرمِ خارِجًا وبعيدًا عنّا كلّ الكلمات الّتي تجرح وتؤذي الآخرين، ولننتبه إلى آذاننا فلا ندعها تستقبل سوى الكلمات الّتي تبني، ولنَدَعْ خارجًا الكلمات السيئة، فلا نُعِرها أيّ اهتمام.
ختامًا، أريد منكم أن تأخذوا قرارات عديدة وهي: أوّلاً، شراء الكتاب المقدّس بِعَهديه، ليكون خاصّتكم، كما أطلب منكم أن تضعوه في مكان قريب منكم. ثانيًا، أطلب منكم أن تأخذوا قرارًا هامًّا وهو القراءة اليوميّة في الكتّاب المقدّس بالرغم من كلّ حالاتكم النّفسيّة والجسديّة والروحيّة، وأنصحكم بالبدء بقراءة العهد الجديد، إذ إنّكم قد تجدون صعوبة في فهم العهد القديم بطريقة صحيحة، على الرغم من أن العهد القديم رائع. ثالثًا، القيام بدراسات في الكتاب المقدّس وأبحاث فيه قدر استطاعتكم، وقراءة عن أبحاث في الكتاب المقدّس الموجودة عبر الانترنيت. إنّني أعتقد أنّ الانترنيت هو وسيلة مهمّة نستطيع من خلالها إيصال كلام الله. وكم هو مهمّ أن نُدخِل إلى هذه الوسائل الّتي يستخدمها شبيبتنا بكثرة “البشارة الجديدة”. فهي تشكّل لنا وسيلة جديدة من أجل الأنجلة في عصرنا.
ملاحظة: دُوِّنَت المحاضرة بأمانةٍ مِن قِبَلِنا.