صَمتُه لَيْس غِيابُه، وتَأخّرُه لَيْس تَخَلِّيه
بقلم الأب ابراهيم سعد
ليَس الامتِحانُ الحقيقيُّ لِلإيمانِ أنْ نُؤمِنَ عِندما تَسيرُ الحَياةُ كما نَشتَهي، بَل أنْ نَبقى مُؤمِنِين عِندما تَبدو كُلُّ الوقائعِ وكأنَّها تَنفي حُضورَ الله. فَالإيمانُ لا يُقاس في ساعاتِ السَّلامِ، بَل في اللَّيالي الَّتي يَطولُ فيها الصَّمتُ، وتَتَأخَّرُ فيها الإجابةُ، ويَبدو فيها اللهُ بَعيداً عن أنينِ الإنسان.
كَثيرونَ يَظُنّونَ أنَّ الشَّدائدِ تُضعِفُ الإيمانَ، ولكنَّ الحَقيقةَ أنَّ الشَّدائدَ لا تَصنَعُ الإيمانَ ولا تَهدِمُه، بَل تَكشِفُ نَوعِيَّتَهُ. فَالإيمانُ الـمَبنيّ على العاطفةِ يَذبلُ عِندما تَتَغيَّرُ الظُّروفُ، أمَّا الإيمانُ الـمَبنيِّ على الثِّقةِ بِاللهِ فيَزدادُ نَقاءً كُلَّما اشتَدَّتْ النّارُ حَولَه، كما يُنقَّى الذَّهبُ في الأَتون.
لقد عَرَفَ الكِتابُ الـمُقدَّسُ رِجالاً ونِساءً ساروا في هذا الطَّريقِ. لَم يَكُنْ إيمانُهم غِيابًا لِلأسئلة، بَل كان قُدرةً على البَقاءِ مَع اللهِ رُغمَ الأسئلة. لم يَكونوا أقوِياءَ لأنَّهم لم يَتَألَّموا، بل لأنَّهم رفَضوا أنْ يَجعَلوا الألمَ حكمًا نِهائيًّا على أمانةِ الله. كانوا يُدرِكونَ أنَّ اللهَ يَعملُ حتّى عِندما لا يُرى، وأنَّ صَمتَه لَيْس غِيابُه، وتَأخُّرَه لَيْس تَخَلِّيه.
إنَّ أخطرَ ما تَفعَلُه التَّجرِبةَ لَيْس الألمُ نَفسُه، بَل الهَمْسَ الدَّاخِلي الَّذي يَقولُ لِلإنسانِ: “لَقَد تُرِكتَ وَحدَكَ”. وَهُنا تَبدأُ المعرَكةُ الحَقيقيَّةُ. فَالإيمانُ لَيْس أنْ أَشعُرَ دائماً بِحُضورِ الله، بَل أنْ أثِقَ بِحُضورِه حتّى عندما لا أَشعرُ به. وكَما لا تَختَفي الشَّمسُ وَراءَ الغُيومِ، بَل يَحجُبُها نَظَرُنا، كَذلِكَ اللهُ لا يَغِيبُ، وإنْ حَجَبَتْ التَّجاربُ نورَ وَجهِهِ عن عُيونِنا.
إنَّ المسيحَ نَفْسَه لم يَعِد تَلاميذِهِ بِطَريقٍ خالٍ مِنَ الصَّليب، بَل وَعَدَهُم بِأنّه سَيَكونُ مَعهم في الطَّريق. لِذَلِك فَالثَّباتُ المسيحيُّ لَيس إنكاراً لِلواقع، ولا تَجاهُلاً لِلدُّموع، بَل هو إعلانٌ هادئٌ بِأنَّ الكَلِمةَ الأخيرةَ لَيْسَت لِلألم، ولا لِلظُّلمَةِ، ولا لِليأسِ، بَل للهِ الّذي يُحَوِّلُ حتَّى الجِراحَ إلى أبوابِ رجاء.
لِذَلك، عِندما تَثقُلُ الظُّروفُ، لا تَطلُبْ أوَّلاً أنْ يَرفعَ اللهُ التَّجرِبةَ، بَل أنْ يَمنَحكَ قَلباً لا يَتَزعزع داخِلَها. فَالنَّجاةُ العُظمى لَيْست دائماً أنْ تَتَغيَّر الظُّروفُ، بل أن تَبقى أنتَ ثابِتاً فيها. وَحِينَئذٍ تَكتَشِفُ أنَّ الإيمانَ لَيْس الجِسرُ الّذي يَعبُرُ بِكَ فَوق العاصِفة، بل هو اليَدُ الّتي تُمسِكُ بِيَدِ الله وَسطَ العاصفة حتَّى تَصِلَ إلى الضِّفةِ الأُخرى.
فَالقِدّيسونَ لم يُعرَفوا لأنَّهم عاشوا حياةً سَهلةً، بل لأنَّهم لم يَسمَحوا لِلشّدائدِ بأنْ تَنتَزِعَ مِن قلوبهِم يَقينَهُم بأنَّ اللهَ أمِين. ولِذَلك يَبقى الثَّباتُ في الإيمانِ أعظمَ شَهادةٍ يُقدِّمُها المؤمِن لِعالَمٍ يَتَغيَّرُ كُلَّ يَومٍ؛ لأنَّه إعلانٌ صامِتٌ أنَّ مَن يَثِقُ بِاللهِ قَد تَهتَزُّ الأرضُ تَحتَ قَدَمَيه، لَكِنَّه لا يَسقُط، لأنَّ أساسَه لَيْس الظُّروفُ، بل اللهُ نَفْسُه.
- الإصدار بنسخة PDF
