عِظة للأب فادي اسكندر،
خادم رعيّة السيّدة العذراء للسريان الأرثوذكس، برج حمود، المتن.
“طعامي أن أعمَل مشيئة الّذي أرسلَني…”(يو 34:4)
باسم الآب والابن والرّوح القدس، الإله الواحد، آمين
أعزّائي،
نحن اليوم، في الأحدِ الثَّالِث بَعدَ عيد القيامة، وهو بِحَسب التَّقليد الطَّقسيّ، الأحد الثّاني بعد الأحد الجديد. وفي هذا الأحد، تَضعُ الكَنيسةُ أمامَنا، نَصًّا رائعًا جدَّا، هو نصُّ “تأكيلِ يسوع”. في هذا النَّص، سأل التَّلاميذُ الربَّ يسوع إذا كان يريد أن يأكلَ، فأجابَهم إنّ لَديه طعامًا لا يَعرفُه أحدٌ مِنهم. دَفعَ جوابُ يسوعَ التَّلاميذَ إلى التَّعجُّبِ والتَّساؤل حول مَصدرِ هذا الطَّعامِ قائلِين في نفوسِهم: هل أتاهُ أحدٌ بِطَعامٍ، مِن دون عِلمٍ منَّا؟ فأجابَ الربُّ يسوع على تساؤلاتِ تلاميذِه قائلاً لهم: “طَعامي أن أعمَل مَشيئةَ من أرسَلَني” (يو 4: 34). أمامَ هذا النَّصِّ الإنجيليّ، تَتبادَرُ إلى أذهانِنا مجموعةٌ مِنَ الأسئلة، مِنها: هل مِن الضَّروريّ المشاركةُ في القدَّاس الإلهيّ كلَّ أُسبوعٍ؟ ألا يُمكِنُنا انتقاءُ القداديس الّتي نَرغبُ في المشاركةِ فيها، فنُشاركُ في القدَّاس الإلهيّ على سبيل الـمِثال مرَّةً في الشَّهر أو في مُناسباتٍ مُعيَّنة أو في أعيادٍ محدَّدة؟ هنا، أودُّ أن أعلِنَ لكم عن احتفالِنا بالقدَّاس الإلهيّ، يَومَ الخميس القادِم، لمناسبةِ تَذكارِ السَّيدة العذراء وبركتِها على السَّنابل. ثُمّ نَطرحُ سؤالًا آخر: هل مِنَ الضَّروريّ تَناولُ جسدِ الربِّ في كلِّ قدَّاسٍ نُشارِك فيه؟
إنَّ السُّؤالَ الأوَّل قد يبدو عاديًّا بالنِّسبة إلى البعض، بينما السُّؤال الثّاني قد يَدفعُ البَعض إلى الشُّعور بالخَجل مِن طَرحِه، في حين أنّه يَدفعُ البَعضَ الآخر إلى التَّحلِّي بالجرأة لِمُناقَشَتِه. إخوتي، لَيسَ مِن الـمُعِيب طَرحُ الأسئلة ومناقَشَتُها مع الآخَرين، إنّما ما هو غيرُ مَقبولٍ هو الاحتفاظُ بالأسئلة في أعماقِنا دون أن نَملِك أجوبةً عليها. إنَّ السُّؤالَ الثّاني يَدفعُنا إلى طَرحِ المزيدِ من الأسئلة: هل مِنَ الضَّروريّ عَيشُ سرِّ التَّوبة، أي الجلوسُ أمام الكاهن وتَعدادُ خطايانا أمامَه، في كلِّ أحدٍ، قَبلَ تَناولِ جَسدِ الربّ؟ ألّا يكفي إعلانُ تَوبَتِنا مرَّةً واحدة؟! هذه الأسئلةُ وغَيرُها الكثير، تَتبادرُ إلى أذهانِنا عند قراءتِنا هذا النَّصَّ الإنجيليّ، وهي على الشَّكل التَّالي: هل من الضَروريّ القيامُ بهذا الأمر أو ذاك؟
إخوتي، إنّ غِذاءَنا الرُّوحيَّ هو ربُّنا وإلهُنا يسوع المسيح، أي جَسدُه وَدمُه. وفي إطار الإجابة على تساؤلاتِنا حول هذا الموضوع، نَطرَحُ السُّؤال: ما هو طَعامُ الربِّ يسوع؟ في هذا النَّص، يُخبرُنا الربُّ يسوع إنّ لَه طَعامًا لا أحدَ يَعرفه. إنَّ طعامَ الربِّ يسوع هو تَتْميمُ مشيئةِ أبيه السّماويّ. وهُنا أيضًا، تتبادر إلى أذهاننا مجموعةٌ مِن الأسئلة: هل كان مِن الضَّروريّ أن يَنزِل الربُّ من السَّماء ويَعيشَ معنا على هذه الأرض، حَيثُ الشَّقاءُ والتَّعب؟ ألَم تَكُن تَعاليمُه الّتي أرسَلها إلينا من خلال أنبيائِه كافيةً لِنَقل إرادتِه إلى البشر؟ في الحقيقة، أقولُ لكم إنّه كان من الضَّروريّ أن يَتجسَّدَ الربُّ في أرضِنا ويُشارِكَنا الحياةَ مع ما فِيها من تَعبٍ وشَقاءٍ. إنَّ الطَّعامَ الّذي يدعونا الربُّ إلى تناوُلِه لَيسَ الطّعامَ الماديّ أي الخُبزَ وبَعضَ المأكولات الّتي نَستطيعُ تَقديمَها إلى الآخَرين، إنّما هو جَسَدُه أي إلى تَناولِ ما مِن شأنه أن يُغذِّيَ نفوسَنا وأرواحَنا، وبالتَّالي إلى تَقويةِ أجسادِنا.
إنّ الطَّعامَ الّذي يُعطينا إيّاه الربُّ يسوع هو طَعامٌ يَقودُنا إلى الشِّبَع، إذ إنَّ الربَّ يسوع يُعطينا ذاتَه ومحبَّته. إنّ الإنسان الّذي يُحبُّ، يُعطي ذاته بِكُليَّتِها إلى المحبوب. إنّ الربَّ يسوع هو الابن، أي إنّه الأقنومُ الثّاني من الثّالوث، وهو لا يَستطيع أن يَتغذَّى إلّا من المحبّة الّتي هي جَوهرُه. إنَّ الربَّ يسوع يُحبُّ الآب، لذا يقوم الربُّ يسوع بِتَحقيقِ مشيئةِ أبيه السَّماويّ، مهما كلَّفه الأمرُ من تَعبٍ وجُهدٍ، لذلك تَجَسَّد الربُّ يسوع في أرضِنا ومَنَحَنا خلاصَه. إنَّ اللهَ قد خَلَق البشريّة لا لِتَكُونَ هذه الأخيرة بَعيدةً عنه إنّما قريبةً منه، لذا قام اللهُ بإرسال ابنِه إليها، ليُعيدَها إليه.
إنَّ مشيئةَ الله الآب هي أن يحيا الإنسانُ في المحبّة، وأن تُثمِرَ فيه المحبّة ويُعبِّرَ عنها بأعمالٍ يَقوم بها تُجاه الله وتجاه إخيه الإنسان. حين نَعيشُ وِفقَ مَحبّةِ الله، نُتمِّمُ مشيئةَ الله في حياتنا ويَكُونُ الربُّ يسوع طَعامَنا حقًّا. وبالتّالي، إذا كُنّا غيرَ قادرين على تفعيلِ المحبّة من خلال صلاتنا، فهذا يعني أنّنا ما زِلنا غيرَ قادِرين على تَناول جَسَدِ الربِّ ودَمِه؛ وبالتّالي إذا تَناولناه في هذه الحالة يَتحوَّل إلى دَينونةٍ لنا، لأنَّنا نكون قد رَفَضْنا المسيح على الرُّغم مِن عِلمِنا أنَّ لا خلاصَ لنا إلّا به. إنَّ جسدَ الربِّ الموجودَ في داخلِنا هو الّذي يَدفعُنا إلى المجيء إلى الكنيسة، وإلى المشاركةِ في الصّلاة وإلى تَحقيقِ مَشيئةِ الله، وإلى تناولِه وعَيشِ محبّتِه في حياتنا اليوميّة. إنّ مَجيئَنا إلى الكنيسة يُعبِّر عن شُكرِنا للربِّ على مَحبَّته لنا. هذا هو الطَّعامُ الّذي تكلَّم عليه الربُّ يسوع في هذا النَّص: محبّةُ الآب.
واليومَ، إذا أرَدْنا، نحن المؤمنين أن نَتناوَل هذا الطَّعام، علينا أن نَطلبَ من الربِّ يسوع أن يُعلِّمَنا محبّةَ الآب ومحبّةَ الرُّوح القدس. مِن خلال الابن، يَنالُ الإنسانُ خلاصَ الله، فالربُّ هو طريقُنا للوصولِ إلى الله الآب. ماذ يَفعلُ بنا الحُبّ؟ إنّ الحُبَّ يدفعُنا للانطلاقِ نحو الله، ونحو الآخَر، كلِّ آخَر مُحتاجٍ إلينا؛ كما يَدفعُنا إلى عَيشِ المحبّة، فنَفهمُ ما علينا القِيامُ به وكَيفيَّةَ القيامِ بِه بمحبّة. صحيحٌ أنَّ الحُبَّ سَيُتعِبُنا، ولكنَّه يَدفعُنا في الوقتِ نَفسِه إلى إدراكِ أنّ تَعبَنا هذا لن يذهبَ سُدىً؛ بل سيَمنَحُنا القوّة والتَّعزيّة والمحبّةَ الّتي نحتاجُ إليها، وهي في المقابل سَتُغنينا.
أليومَ، نشعر بالفرح لِعدَّة أسبابٍ:
أوّلاً: نحن اليوم، نتضامَن مع إخوةٍ لنا فقَدوا أعزَّاءَ على قلوبِهم. وفي هذا الإطار، يَهمُّنا أن نُذكِّرَكم أنَّ الفرح والتَّعزية في الكنيسة موجودان في الكنيسة ومعًا.
ثانيًا: يتقدَّم أولاد المناولة الأُولى اليوم إلى خِدمة الكنيسة، وهذا مَصدَرُ فَرحٍ للكنيسة، إذ إنَّ أهاليَهم، بِنِعمةِ من الرُّوح القدس، قد حثّوهُم على هذه الخدمة، فالأولاد هُم بَركةُ العائلة ومُستَقبل الكنيسة.
ثالثًا: إنّ وجودَ جماعةِ “أذكرني في ملكوتك” معنا اليوم، هو سَببُ فَرحٍ لنا إذ إنَّهم قد قدَّموا ذواتَهم للكنيسة لِكَي يَكونوا مُشتركِين من خلال طُقوسِها الـمُتَنوِّعةِ الموجودةِ في لبنان بِإيصالِ رسالةِ محبّةٍ للمؤمِنِين، رسالةِ تَعزيةٍ لِكُلِّ مَن فقَدوا أحبّاءَ أعزَّاءَ على قلوبِهم. وفي هذا الإطار، نَتقدَّمُ بالتَّعزية إلى بيت شِرُّو في ذِكرى مرور أربعينَ يَومًا على وفاةِ المرحومة ليلى نَظير طنَّوس، رَحِمها الربُّ الإله، قائلِين لهم إنّها قد انتقلَت إلى المحبّة الّتي لا تنتهي والّتي كلَّمَنا عليها الله من خلال يسوع المسيح. لذا، نُصلِّي لأمواتنا جميعًا، وللمرحومة ليلى بشكلٍ خاصّ اليوم، كي يكونوا قادرين على سماع صلاتِنا إلى الله من أجلهم، فيَفرحوا بها. إنّ صلاتَنا لَهُم نابعةٌ مِن محبَّتنا لهم. لذا، نُعزِّي اليوم أفرادَ عائلة المرحومة ليلى، قائلِين لهم: المسيح قام، حقًّا قام! طالِبين من الله تعزيةَ هذه العائلة بواسطة روحِه القدُّوس، الّذي يُثبِّت في قلوبِ جميع المؤمِنِين الإيمانَ والرَّجاءَ والمحبّة. وفي الخِتام، نُقدِّم هذا القدَّاس الإلهيّ من أجل جميع أمواتِنا. آمين.
ملاحظة: دُوِّنت العظة من قِبَلِنا بأمانة.