عِظة للأب رومانوس بو عاصي،
خادم رعيّة الميلاد الإلهيّ – الحضيرة وبيت الشعار، المتن.
الذِّكرى التاسعة لانطلاقة رسالة جماعة “أذكرني في ملكوتك”
عِظة في إنجيل القدّيس متى (5: 20-26)،
باسم الآب والابن والرّوح القدس، الإله الواحد، آمين
في عيد العَنصرة، أودُّ أن أتوجَّه بالمعايدة إلى الّذين شاركوا معنا في هذا الاحتفال الأحد الماضي، وأيضًا إلى الّذين لم يتمكَّنوا من الحضور، سائلاً الله الّذي يَهبُنا ذاتَه، أن يَمنحنا نِعمة رُوحِه القدُّوس، فنَتَمكَّن مِن عَيشِ فِكر المسيح وتعاليمِه في حياتنا اليوميّة. مع دخولِنا في هذا الزَّمن، تَختارُ لنا الكنيسة قراءاتٍ مِن إنجيل متَّى، والإنجيل الّذي تُلِيَ على مسامِعنا اليوم هو مِن إنجيل متَّى. إنَّ إنجيل اليوم يأتي بعد إعلانِ الربِّ يسوع اقتِرابَ ملكوتِ السَّماوات قائلاً: “توبوا! فقد اقترَبَ ملكوتُ السَّماوات”(متى 4: 17)، أي بعد انطلاقِ يسوع للبشارة بِكَلمةِ الله وقِيامِه بالأعاجيب والآيات الّتي أبَهرَت الشَّعب، فَـتَبِعوه. عند رؤيتِه لهذه الجموع الغَفيرة الّتي تتبَعُه، صَعِدَ يسوع إلى الجَبل، ليتمكَّنَ جميعُ الحاضِرين من رؤيتِه وسماعِه عند مخاطبته إيّاهم.
إنّ مَوعِظة يسوع على الجَبل تُشبِه إلى حدٍّ بَعيدٍ مَوعِظة موسى على الجَبل: فالنَّاموس قد أُعطيَ للشَّعب على الجبل من خلال موسى، أمّا الربُّ يسوع فقَد أعطى الشَّعب قواعد الحياة من خلال الـمَوعِظة على الجبل. بدأت هذه الموعِظة في الفصل الخامس من إنجيل متّى، وها نحن اليوم نَقرأ جزءًا من هذا الفصل الّذي فيه ردَّد يسوع عبارة “قد سَمِعتُم أنّه قِيل لَكم،…، أمّا أنا فأقول لكم”. بدأ يسوع حديثَه في هذه الـمَوعظة عن موضوع القَتل وأنهى حَديثَه فيها بالكلام على موضوع الزَّواج والطَّلاق. في النَّاموس الّذي أعطاه الله من خلال موسى للشَّعب، توقَّف هذا الأخير عند قشور النَّاموس من دون الدُّخول إلى عُمقِه. قبل هذه الموعظة، قال الربُّ يسوع: “ما جِئتُ لأَنقُضَ بل لأُكمِّل” (متى 5: 17)، وهذا يعني أنّ الربَّ يسوع جاء ليُعطي المعنى الحقيقيّ للنَّاموس، فنَتمكّن من العَيش بطريقةٍ صحيحة في هذه الحياة. إنّ هذا الكلام، يَنطبِقُ علينا نحن اليوم: إنّنا مدعوُّون، نحن الحاضرين اليوم في هذه الكنيسة للمشاركة في الذّبيحة الإلهيّة، إلى التَّعمق في معرفتِنا للربّ وعدم الاكتفاء بالتَّوقف عند القشور. في هذا النَّص الإنجيليّ، نقرأ: “قِيلَ لَكُم: لا تَقتُل، فمَن يَقتُل يَستوجب الحُكم” (متى 5: 21)، وهذا يعني أنّه استنادًا إلى الحُكم النَّاموسيّ، القاتل يُقتَل. ولكنّ الربَّ يسوع لم يتوقَّف عند كلام النَّاموس، بل أضاف قائلاً: “وأمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَنْ يَغْضَبُ عَلَى أَخِيهِ بَاطِلًا يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ الْحُكْمِ، وَمَنْ قَالَ لأَخِيهِ: رَقَا، يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ حكمِ الْمَجْمَعِ، وَمَنْ قَالَ: يَا أَحْمَقُ، يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ نَارِ جَهَنَّمَ” (متى 5: 22). إنَّ كَلِمة “رَقَا”، تَعني الإنسان الّذي لا عَقلَ له.
إخوتي، كَم مِن المرَّات، نتلَّفظ بهذه الكلمة في كلِّ يوم؟! إنّها تَصدر منّا، علانيّةً أو ضِمنًا، أقلَّه أربع أو خمس مرَّات في اليوم الواحد. نحن نُطلق هذه الكلمة على كلِّ إنسانٍ يُزعجُنا، فَنَقول فيه إنّه “رَقَا”، أي إنّه فارغُ الرَّأس. وهُنا، يقول لنا الربُّ يسوع إنّ مَن يقول لأخيه “رَقَا” يَستوجِب حُكم الـمَحفِل. إنّ الـمَحفِل يَضُمُّ ما يقارب اثنَين وسَبعِين شَخصًا يجتَمعون معًا للحُكم على شَخصٍ معيّنٍ. وهُنا، يقول لنا الربُّ إنّ على هذا الـمَحفِل أن يَجتمع من أجل الحُكم على شخصٍ قال لأخيه: “رَقَا”.
وهنا نسأل: ما هو دَور النَّاموس إذًا؟ وما هو دَور حياتنا المسيحيّة في هذا الموضوع؟ إنّنا نحتاج إلى التَّعمق في فَهمِ إيماننا! إذا كُنّا في مَجلسٍ معيّن، وطُرِح موضوعٌ حول حياتنا الرُّوحيّة، نُسارِع إلى الاعلان أنّنا لم نَقُم يومًا بِقَتل أحدهم أو سَرقته أو الزِّنى معه! وهنا نسأل: هل حياتُنا المسيحيّة متعلِّقةٌ بهذه الوصايا الثّلاث فقط؟ أقول لَكُم: لا! إنّ حياتَنا المسيحيّة لا تتوقَّف على هذه فقط، والدَّليل هو أنَّ يسوع يقول لنا إنَّ مَن يقول لأخيه “رَقَا” يستَوجِب حُكم الـمَحفِل أي حُكم القضاء. ما أراد الربُّ يسوع قَولَه لنا مِن خلال هذا الكلام هو التَّشديد على أهميّة الغوص في عُمقِ الأمور لا الاكتفاءِ بالتَّوقف عند سطحيّتها. حينَ يَتَعمَّقُ الإنسان في مَعرفة الربِّ، يُدركُ مَشيئتَه له، أي ما الّذي يريده الربُّ منه. فلنَصرُخ إذًا،
إخوتي مع صاحب المزمور قائلين للربّ: “فهِّمني فأتعلَّم” (مز 119: 73)،”حسب أحكامِكَ أحيِني” (مز 119: 156)، ولنَطلُبْ منه أن يَدُّلنا إلى الطَّريق الّذي علينا أن نَسير به. حين نَحكُم على ذواتِنا بأنّنا صالحون، فهذا يعني أنّنا أصبحنا مُشابِهين للفرِّيسيّ الّذي أخبرَنا عنه الربُّ يسوع في الإنجيل قائلاً لنا فيه إنّه نَزل إلى بيته غير مبرَّر. إنَّها قِمّة الفريسيِّة، أن نَعتبر ذواتِنا صالِحين دون الآخَرين! إنّ مُشكلتَنا تَكمُن في أنّنا نُسارِع إلى الحُكم على الآخَرين بدَل أن نُسارِع إلى الحُكم على ذواتِنا: فُنبادِر إلى الحُكم على الآخَرين بالقَول إنّهم خَطأةٌ وغير صالحين، بَدَل أن نَقرعَ صُدورَنا مُتَضرِّعِين إلى الربِّ وقائلِين له: “ارحَمني، يا ربّ، أنا الخاطئ!”. ما هَمُّنا كَيف يعيش الآخرون أو يتصرَّفون، أكانوا خاطئين أم صالِحين! ما علينا الاهتمامُ به هو ذواتُنا، لذا نَطرح السَّؤال: هل أنا حاضرٌ ومستعدٌّ لقبول الرُّوح القدس، كما قُلنا في عِظة يوم العنصرة؟ على قلوبِنا أن تَكون على جهوزيّةٍ دائمةٍ لاستقبالِ الربّ لا فقط في عيد العَنصرة، إنّما في كلِّ يومٍ من حياتنا. وهذا يعني أنَّه إذا حاولتُ أن أكون مستعدًّا لاستقبال الربِّ في حياتي ولم أنجح في ذلك في عيد العنصرة هذه السَّنة، أستطيع تكرار المحاولة طوال الوقت، دون الحاجة إلى انتظار حلول عيد العنصرة في السَّنة القادمة للمحاولة مجدَّدًا. إخوتي، نحن مدعوُّون في كلِّ يومٍ وفي كلَّ لحظة من حياتنا، إلى طَرح السُّؤال على ذواتِنا: هل أنا مستعدٌّ لاستقبال الربِّ في حياتي بما يليق من المجد والعزَّة والكرامة بالله؟ حين نُدرك أنّ الله هو أبونا وخالقُنا ومخلِّصُنا، وسيِّدُ حياتنا، وحبيبُ قلبنا بالفِعل لا بالكلام، نُبادر إلى تَحضيرِ قلوبِنا بطريقةٍ لائقةٍ لاستقبالِه في حياتنا.
في الرِّسالة إلى أهل رومية، الّتي تُلِيَت على مسامِعِنا اليوم، يُخبرُنا بولس الرَّسول أنّ الربَّ قد أعطانا القُدرة لإدراكِ ألوهيّته من خلال مَخلوقاته. في الصِّغر، تعلَّمنا أن نقول: “سُبحان الله”، عندما ننظر إلى شيءٍ جَميلٍ، كتَعبيرٍ لِتمجيد الخالق على ما صَنَع. واليوم، نَطرح السُّؤال: هل ما زِلنا نَمِلِكُ تلك القُدرة على تَمجيد الله في مَخلوقاته؟ لذلك، قال بولس الرّسول إلى أهل رومية، بحسب الرِّسالة الّتي تُلِيَت على مسامِعنا اليوم، إنّهم قد استبدلوا الله الخالق الّذي أعطاهم أن يَعرِفوا لاهوتَه مِن خلال مخلوقاتِه بآلهةٍ أُخرى. نحن لا نستطيع أن نُدرِك الله أو أن نَفهمه إلّا من خلال القُدرة الّتي يُعطينا إيّاها الله، فنكَتَشِفَه في مخلوقاتِه، وبالتّالي لا نَعود قادِرين على تَمجيدِ إلهٍ آخَر سوى الله. ولكن على الرُّغم من ذلك، يسعى الإنسانُ إلى خَلقِ آلهةٍ مزيَّفةٍ في حياتِه لِيَعبُدَها. قد يعترضُ البعض على كلامي هذا قائلِين لي: إنَّ ما تكلَّم عليه بولس في هذه الرِّسالة لا علاقةَ لنا به، إذ إنّنا لا نَعبُد لا زحافّات ولا ذَوي أجنحة في أيّامِنا هذه. أقولُ لِهؤلاء ولَكُم: صَحيحٌ إنّنا لا نعبدُ اليوم الآلهة أنفسَها الّتي كان يَعبُدها أهل رومية، ولكنّنا نَعبُد ما هو أسوأ منها: نحن نعبُد ذواتنا، ونَعبُد المال والتِّكنولوجيا والجمال والشُّهرة واللِّباس، ونَختارُ مستوى مُعيَّنًا من النَّاس للخروج معهم، إذ إنّنا لا نَخرج مع أيٍّ كان. إذًا، لنَعبُد الله، لأنّه الإله الحقّ، ونَترُك كلَّ الآلهة المزيّفة الّتي نَعبُدها، كي لا تتحقَّق فينا الكلمة الّتي قالها بولس لأهل رومية:”لِذلِكَ أَسْلَمَهُمُ اللهُ إِلَى أَهْوَاءِ الْهَوَانِ” (روم 1: 26). إنّ الله يريد خلاص جميع البشر، ولكنَّ القرار يَعود إلى الإنسان في قبول هذا الخلاص أم رَفضه. والإنسان الّذي يرفض الله، عليه ألّا يسأل عن سبب فقدانه الرّاحة والسّلام والطُّمأنينة في حياته والفرح والتّعزية في كلِّ ما يقوم به. إنّ الإنسان الّذي يعيش بعيدًا عن الله، يَنام ولا يرتاح، يتناول طعامه ولا يشعر بالشَّبع. ونحن اليوم، نعيش في هذه الحالة الخاطئة، لأنّنا تَوَّقَفنا عن تمجيدِ الله ومَدحِه بطريقةٍ تَليق به. إنّ القدِّيس بولس قد كرَّر في هذه الرِّسالة هذه العبارة ثلاثَ مرّات: ” لِذلِكَ أَسْلَمَهُمُ اللهُ إِلَى أَهْوَاءِ الْهَوَانِ” (روم 1: 26).
لذا إخوتي، لا تسلكوا في حياتِكم مَسلَكًا يَقودُكم إلى الهلاك. عودوا إلى عبادة الله الحقّ، ومجدِّوا اسمَ الله في حياتِكُم على الدَّوام، سبِّحوا حضورَه ومجدِّوه في كلِّ مخلوقاتِه الّتي تَرَونَها أمامكم. عِيشُوا بحسبِ وصايا الربّ، عِيشوا بحسبِ ناموسِ المسيح، الّذي أتى لا ليُبطِل النَّاموس إنّما ليُعطيه مَعناه الحقيقيّ. إنَّ القَتل الحقيقيّ ليسَ هو قَتلُ الجسد، إنّما قَتلُ الآخَر بالنَّميمة وباستِغيابِه وتشويهِ السُّمعة وسِواها من الطُّرق. إنّ بَعضَ النَّاس يَقتَرفون خطايا أقسى من القَتل الجسديّ تجاه الآخرين، وعلى الرُّغم من ذلك يَعتَبرون ذواتَهم أبرارًا لا خطأة. أدعوكُم في الختام، إلى قَرع صُدوركم أمام الله قائلين له: “ارحمني يا ربّ، أنا الخاطئ”، له المجد إلى الأبد. آمين.
ملاحظة: دُوِّنت العظة من قِبَلِنا بأمانة.