محاضرة للخوري كامل كامل
خادم رعيّة الخريبة وايلات – عكار.
“كونوا أنتم أيضًا مبنيّين – كحجارة حيّة” (1بط 5:2)
بِاسم الآب والابن والرُّوح القدس، الإله الواحد، آمين.
مَساءَ الخَير، أتمنّى أن تَكونَ هذه السَّنةُ الجديدةُ سَنةً مَليئةً بِالخَير على جَميع الحاضِرِين.
اليوم، في هذا الطَّقسِ العاصِف، نَلتقي معًا، ونسألُ الله أن يُمطِرَ رُوحَه القدُّوس علينا وعلى عائلاتِنا وعلى أعمالِنا، كما يُمطر بَركاتَه على الأرض في شَهرَي كانون فيُعطيها الحياة، فَتُثمِرَ حياتُنا ثمارًا جيِّدةً، وهي مِنَ الشُّروط الأساسيّة الّتي تَدلُّ على الإيمان. كما نَسألُ الله أن يُمطرَ بَركاتِه على جماعةِ “أُذكرني في مَلكوتِكَ” وكُلِّ أفرادِها الّذينَ أُحيِّيهم فَردًا فَردًا، وبِشَكلٍ خاصّ السَّيِّدة جانيت. مُنذُ ما يقارِبُ السَّنة ونَيِّف، تأسَّسَتْ هذه الجماعةُ في رعيَّتي في إيلات، وما زِلنا إلى يَومِنا هذا، مُثابرِين في الأحدِ الأوَّل مِن كُلِّ شَهرٍ، على الاحتفالِ بِالقُدَّاس الإلهيّ، واضِعِينَ أيقونةَ القِيامة، رافعِين صَلواتِنا وأُمنياتِنا إلى الله مِن أجلِ كُلِّ أحِبَّائنا الّذينَ انتَقلوا من هذه الحياة الأرضيّة. “أُذكرني في مَلكوتِكَ” هي كَلِمةُ اللِّصّ اليَمين الأخيرة، وهي تُشكِّلُ طلبًا وجَّهَهُ هذا اللِّص إلى الربِّ يسوع، وقد سارع الربُّ إلى الاستجابة له، قائلاً: “اليوم تَكون معي في الـمَلَكوت” (لو 23: 43). إنَّ الربَّ يسوع هو الوحيدُ القادرُ على شِفائنا مِن جِراحاتِنا، حتَّى وإنْ كانت تِلك الجِراح على المستوى الّذي كان فيه اللِّصُّ اليَمين من الخطيئة. وبالتَّالي، نَسألُ الله أن نَكونَ على مستوى هذا اللِّص في الإيمان، لِكَي نَستحقَّ الملكوت. آمين.
في هذا الوقت الـمُعطى لنا، ألا وهو خَمسٌ وعشرون دَقيقةً، سَوف نَقومُ بِقراءةٍ للإصحاحِ الثّاني مِن رسالةِ القدِّيس بطرس الأُولى. لذا، أتمنَّى أن يَكونَ جَميعُ الحاضِرينَ مَعنا اليَوم قد تَمكَّنوا مِن قراءةِ هذه الرِّسالةِ الجَميلةِ جدًّا للقدِّيس بطرس.
1 “فَاطْرَحُوا كُلَّ خُبثٍ وَكُلَّ مَكرٍ والرِّياءَ وَالحَسَدَ وَكُلَّ مَذَمَّةٍ،
2 وَكَأَطفالٍ مَولُودِينَ الآنَ، اشْتَهُوا اللَّبَنَ العَقلِيَّ العَديمَ الغِشِّ لِكَيْ تَنمُوا بِهِ،
3 إنْ كُنتُم قَد ذُقتُم أَنَّ الرَّبَّ صالِحٌ.
4 الَّذي إذْ تَأتُونَ إلَيْهِ، حَجَرًا حَيًّا مَرفُوضًا مِنَ النَّاسِ، وَلكِنْ مُختارٌ مِنَ اللهِ كَرِيمٌ،
5 كُونُوا أَنتُم أَيضًا مَبنِيِّينَ – كَحِجارَةٍ حَيَّةٍ – بَيتًا رُوحِيًّا، كَهَنُوتًا مُقَدَّسًا، لِتَقدِيمِ ذَبائِحَ رُوحِيَّةٍ مَقبُولَةٍ عِندَ اللهِ بِيَسُوعَ الـمَسيحِ.
6 لِذَلِكَ يُتَضَمَّنُ أَيضًا في الكِتَابِ: “هَاءنذَا أَضَعُ في صِهيَونَ حَجَرَ زاوِيَةٍ مُختارًا كَريمًا، وَالَّذي يُؤمِنُ بِهِ لَنْ يُخزَى”.
7 فَلَكُمْ أَنتُمُ الَّذِينَ تُؤمِنُونَ الكَرامَةُ، وَأَمَّا لِلَّذِينَ لا يُطيعونَ، فَالحَجَرُ الَّذي رَفَضَهُ البَنَّاؤُونَ، هُوَ قَد صارَ رأسَ الزَّاوِيَةِ”
8 “وَحَجَرَ صَدمَةٍ وَصَخرَةَ عَثرَةٍ. الَّذِينَ يَعثُرُونَ غَيرَ طائِعينَ لِلكَلِمَةِ، الأَمرُ الَّذي جُعِلُوا لَهُ”
9 وَأَمَّا أَنتُم فَجِنسٌ مُختَارٌ، وَكَهَنُوتٌ مُلُوكِيٌّ، أُمَّةٌ مُقَدَّسَةٌ، شَعبُ اقتِنَاءٍ، لِكَي تُخبِرُوا بِفَضائِلِ الَّذي دَعاكُم مِنَ الظُّلمَةِ إلى نُورِهِ العَجِيبِ.
10 الَّذِينَ قَبْلًا لَم تَكُونُوا شَعبًا، وَأَمَّا الآنَ فَأَنتُم شَعبُ اللهِ. الَّذِينَ كُنتُم غَيرَ مَرحُومِينَ، وَأَمَّا الآنَ فَمَرحُومُونَ.
11 أَيُّها الأَحِبَّاءُ، أَطلُبُ إلَيكُم كَغُرَباءَ وَنُزَلاءَ، أَنْ تَمتَنِعُوا عَنِ الشَّهَوَاتِ الجَسَدِيَّةِ الَّتي تُحارِبُ النَّفسَ،
12 وَأَنْ تَكُونَ سِيرَتُكُم بَينَ الأُمَمِ حَسَنَةً، لِكَي يَكُونُوا، في ما يَفتَرُونَ عَلَيكُم كَفاعِلي شَرٍّ، يُمَجِّدُونَ اللهَ في يَومِ الافتِقادِ، مِنْ أَجلِ أَعمالِكُمُ الحَسَنَةِ الَّتي يُلاحِظُونَها.
13 فَاخضَعوا لِكُلِّ تَرتيبٍ بَشَرِيٍّ مِنْ أَجلِ الرَّبِّ. إنْ كانَ لِلمَلِكِ فَكَمَنْ هُوَ فَوقَ الكُلِّ،
14 أَو لِلوُلاةِ فَكَمُرسَلِينَ مِنهُ لِلانتِقامِ مِنْ فاعِلي الشَّرِّ، وَلِلمَدحِ لِفاعِلِي الخَيرِ.
15 لأَنَّ هَكَذا هِيَ مَشِيئَةُ اللهِ: أَنْ تَفعَلُوا الخَيرَ فَتُسَكِّتُوا جَهالَةَ النَّاسِ الأَغبِيَاءِ.
16 كَأَحرارٍ، وَلَيْسَ كَالَّذِينَ الحُرِّيَّةُ عِندَهُم سُترَةٌ لِلشَّرِّ، بَل كَعَبِيدِ اللهِ.
17 أَكرِمُوا الجَميعَ. أَحِبُّوا الإخوَةَ. خافُوا اللهَ. أَكرِمُوا الـمَلِكَ.
18 أَيُّها الخُدَّامُ، كُونُوا خَاضِعِينَ بِكُلِّ هَيبَةٍ لِلسَّادَةِ، لَيسَ لِلصَّالِحِينَ الـمُتَرَفِّقِينَ فَقَط، بَل لِلعُنَفاءِ أَيضًا.
19 لأَنَّ هَذا فَضلٌ، إنْ كانَ أَحَدٌ مِن أَجلِ ضَمِيرٍ نَحوَ اللهِ، يَحتَمِلُ أَحزانًا مُتَأَلِّمًا بِالظُّلمِ.
20 لأَنَّهُ أَيُّ مَجدٍ هُوَ إنْ كُنتُم تُلطَمُونَ مُخطِئِينَ فَتَصبِرُونَ؟ بَل إنْ كُنتُم تَتَأَلَّمُونَ عامِلِينَ الخَيرَ فَتَصبِرُونَ، فَهَذا فَضلٌ عِندَ اللهِ،
21 لأَنَّكُم لِهَذا دُعِيتُم. فَإنَّ الـمَسِيحَ أَيضًا تَأَلَّمَ لأَجلِنَا، تارِكًا لَنا مِثالًا لِكَي تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِهِ.
22 “الَّذي لَم يَفعَلْ خَطِيَّةً، وَلا وُجِدَ في فَمِهِ مَكرٌ”،
23 الَّذي إذْ شُتِمَ لَم يَكُنْ يَشتِمُ عِوَضًا، وَإذْ تَأَلَّمَ لَم يَكُنْ يُهَدِّدُ بَل كانَ يُسَلِّمُ لِمَنْ يَقضِي بِعَدلٍ.
24 الَّذي حَمَلَ هُوَ نَفسُهُ خَطايانا في جَسَدِهِ على الخَشَبَةِ، لِكَي نَمُوتَ عَنِ الخَطايا فَنَحيَا لِلبِرِّ. الَّذي بِجَلدَتِهِ شُفِيتُم.
25 لأَنَّكُم كُنتُم كَخِرَافٍ ضَالَّةٍ، لكِنَّكُم رَجَعتُمُ الآنَ إلى راعي نُفُوسِكُم وَأُسقُفِها.”
بدايةً، لا بُدَّ لنا مِن تَحديدِ الإشكاليّة الّتي تُعالِجُها هذه الرِّسالة. إنَّ هذه الرِّسالة هي مِن أقدمِ المخطوطاتِ المسيحيَّة، وقد كَتَبَها القدِّيسُ بُطرس، رأسُ الكَنيسة، بَين سنة 60 و64 للميلاد. في القَرن الأوَّل للمَسيحيَّةِ، كانت الجماعاتُ المؤمِنةُ في بِدايةِ تأسيسِها، أي أنّها كانت كنائسَ صَغيرةً لا تَحظى بأيِّ اعترافٍ رَسميّ، وبالتَّالي كانت مِن دون حماية.
في تِلكَ الأيّام، كان الإيمانُ مُكلِفًا بِكُلِّ مَعنى الكَلمة، أي أنَّ الإنسانَ كان مُعرَّضًا للقَتل، متى أعلَنَ إيمانَه بالمسيح يسوع. وجَّه القدِّيسُ بطرس هذه الرِّسالة إلى الجماعاتِ المسيحيَّةِ في آسيا الصُّغرى، الموجودة اليوم في تُركيا؛ وآسيا الصُّغرى آنذاك كانت تَضمُّ مُدُنًا وثنيّةً خاضعةً للامبراطوريّة الرُّومانيّة، وهذا يعني أنَّ القِيم الّتي كانت تَسودُ تِلك المجتمعات هي قِيمٌ مبنيّةٌ على القوّةِ الجَسديَّةِ والشَّهواتِ والكِبرياء. كانَ المسيحيّ الّذي يَعيشُ في تلك المجتَمعاتِ مَدعوًّا إلى عَدَمِ مُشاركتِها لا في عِباداتِها ولا في طقوسِها ولا في أخلاقِيّاتِها، ما دَفعَه إلى الشُّعورِ بأنّه غريبٌ فيها؛ لذا سَعى إلى العُبورِ مِن هذه الـمُدُنِ إلى مَناطِقَ أُخرى بَحثًا عن الاستِقرار. كانَت المجتَمعاتُ الوَثنيَّةُ في آسيا الصُّغرى تَنظُر إلى المسيحيّ على أنّه شَخصٌ خَطير، لأنّه لَم يَكُن يُشاركُها ثَقافتَها، ولذلك كانت تَشكُّ في كلِّ تَصرُّفاتِه وأقوالِه وحتَّى في نواياه.
في هذه الرِّسالة، نُدركُ أنّ القدِّيسَ بُطرسَ كان على عِلمٍ بِوَضعِ المسيحيِّين في آسيا الصُّغرى، إذ قالَ لهم: “أيُّها الأَحِبَّاءُ، أَطلُبُ إلَيكُم كَغُرَباءَ وَنُزَلاءَ، أَنْ تَمتَنِعوا عَنِ الشَّهَوَاتِ الجَسَدِيَّةِ الَّتي تُحارِبُ النَّفْسَ” (1 بط2: 11). إنّ هَدَف القدِّيسِ بطرسَ مِن هذه الرِّسالة لَيسَ إحباطَ المسيحيِّين، إنّما حَثُّهُم على التَّحرُّر مِن الشُّعورِ بأنّهم مَسجونونَ ومُطَوَّقون في هذه الـمُدُنِ الّتي يَعيشونَ فيها. إذًا، إنَّ الإشكاليَّةَ الّتي يُعالجُها القدِّيسُ بُطرس في هذه الرِّسالة، هي: كَيفَ يَستطيعُ المؤمِنُ أن يَعيشَ أمانَتَه لِهَويّتِه المسيحيَّةِ في عالمٍ وثَنيٍّ لا يُشبِهُه؟ بِعبارةٍ أُخرى: في هذا الإطارِ الجغرافيّ وهذا الإطارِ الثَّقافيّ اللّذَين يُحيطان به، كَيفَ يَستطيعُ المسيحيّ أن يَعيشَ إيمانَه مِن دونِ أن يَخسرَ ذاتَه؟
هُنا، نَتَذكَّرُ قَولَ الربِّ يسوع لنا: “وَلكِن لأَنَّكُم لَسْتُم مِنَ العالَمِ، بَلْ أَنا اختَرتُكُم مِنَ العالَمِ” (يو 15: 19)، وأيضًا “مَملَكَتي لَيسَتْ مِنْ هَذا العالَمِ” (يو 18: 36). في هذه الرِّسالة، أرادَ القدِّيسُ بطرسُ حثَّ المؤمِنِين على الاندماجِ في مجتَمعاتِهم بَدلَ أن يَكُونوا “قَنابلَ مَوقوتةً”، أي أشخاصًا غاضِبِين، مُنغَلِقِين على ذواتِهم، فاقِدي الرَّجاء. وبالتَّالي، فإنّ القدِّيس بطرس يُعالِج في هذه الرِّسالة مُشكِلةً حياتيّة لا مُشكِلَةً لاهوتيّةً عقائديّة، فالمسيحيُّ في آسيا الصُّغرى يَتساءلُ حَول َكَيفيَّةِ التَّصرُّفِ في هذا العالَم الوَثنيّ الّذي يَعيشُ فيه: هَل يَعيشُ الأمانةَ لإيمانِه في حَياتِه العَمَليَّة فَيَرفضُ الرَّشاوى؛ أم يَقبَلُ بها كما يَفعلُ سائر النَّاس في مُجتَمعِه؟ هل يَعيشُ الأمانةَ في حَياتِه الزَّوجيّة والعائليّةِ، فيَبقى أمينًا لِعَهدِ الزَّواج، أم يَسعى إلى عَيشِ قِلَّة الأمانةِ بِالانجرافِ وراءَ مَسألةِ تَعدُّدِ الزَّوجاتِ الّتي كانَت سائدةً في مُجتَمعِه؟
إنَّ وَضعَنا، نحن المسيحيِّين اليَوم، لا يَختَلفُ كثيرًا عن وَضَعِ مَسيحيِّي آسيا الصُّغرى في تلك الأيّام، إذ نُلاحِظُ في أيّامِنا هذه، أنَّ الكثيرينَ يُشجِّعونَ المسيحيِّين على القِيامِ بأمورٍ سائدةٍ في مجتمعاتِنا، أكانَ على الصَّعيدِ الاجتماعيّ أو حتّى على الصَّعيدِ الكَنَسيّ، بِحُجَّةِ أنَّ الجَميعَ يَقومُ بِذَلك، كالمساكَنَةِ والتَّفريطِ بِعُهودِ الزَّواجِ، والتَّفريطِ بِالأخلاقِ، والتَّفريطِ بِالمسؤوليَّةِ، والتَّفريطِ بِالتَّضحيَةِ، والّتي أدَّت إلى تأخُّر سنِّ الزَّواج وارتفاعِ نِسبَةِ العُزوبِيَّة في المجتَمَع. وفي هذا الإطار، نَتذكَّرُ قَولَ البابا فَرنسيسَ إنَّ أخطرَ مَرضٍ قد يُصيبُ الإيمانُ هو تَحويلُه إلى عادةٍ مِن دُونِ رُوح، أي أن يُصبحَ الإيمانُ مُعلَنًا فقط على الشِّفاه مِن دونِ أن يَكونَ نابعًا مِنَ القَلب.
في هذه الرِّسالة، نُلاحظُ أنَّ القِدِّيسَ بُطرس قد تَلَّمَس اقترابَ هذا الخَطرِ مِن المؤمِنِين، فالخَطرُ الحقيقيّ لا يَكمنُ في الاضطهادِ الجَسَديّ، إنَّما في حَرَكة القلب. وهُنا، لا بُدَّ أن يَسألَ كلُّ واحدٍ مِنَّا نَفسَه: أين هو قلبي، أنا المسيحيّ الّذي أعيشُ في عالم اليوم؟ ما هي ذهنيّتي، وما هو تَفكيري، وما هي أحاسيسي؟ أي بِعبارةٍ أُخرى: هل إيماني يَتطابَقُ مع إيمانِ بطرس الرَّسول؟ إنَّ هذه الرِّسالة هي عبارةٌ عن كَلِمَة رَجاءٍ وجَّهَها القدِّيسُ بطرس إلى هؤلاءِ المؤمنِين الّذينَ يَشعرونَ أنَّهم “غُرباء ونُزلاء” في الـمُدُنِ الّتي يَعيشونَ فيها.
في هذه الرِّسالة، يَكشفُ لنا القدِّيسُ بطرس إحدى أهمِّ المشاكلِ الّتي كان المؤمِنون في آسيا الصُّغرى يُواجِهونها، ألا وهي تَشويهُ السُّمعة، إذ قال: “وأن تَكُونَ سِيرَتُكُم بَينَ الأُمَمِ حَسَنَةً، لِكَي يَكُونُوا، في ما يَفتَرُونَ عَلَيكُم كَفاعِلِي شَرٍّ، يُمَجِّدُونَ الله في يَومِ الافتِقادِ، مِنْ أجلِ أَعمالِكُمُ الحَسَنَةِ الَّتي يُلاحِظُونَها” (1 بط 2: 12). كان سُكَّانُ آسيا الصُّغرى يَفتَرون على المسيحيِّين، هذا القَطيعِ الصَّغير، ويَعتبرونَهم صانِعي شرّ. في هذه المرحلة، لَم يَكُن الاضطهادُ الجَسديّ قد بدأ: فالاضطهادُ الـمُمَنهَج للمَسيحيِّين بدأ في الامبرطوريَّةِ الرُّومانيَّةِ مَع نَيرون، أي في نِهايةِ هذه الحَقَبة. وهُنا، لا بُدَّ لنا مِن الإشارةِ إلى أنَّ الاضطهادَ قد يَكونُ إمّا جسديًّا، وإمّا كلاميًّا؛ وهذا الأخير هو أكثرُ تَجريحًا وأكثرُ قَتلاً مِنَ الأوَّل.
في أيّامِنا هذه، نَتَعرَّضُ، كمَسيحيِّين بِشَكلٍ عام، إلى السُّخرية من إيمانِنا ومن اتِّهام أخلاقيّاتِنا المسيحيَّةِ بِالتَّخَلُّفِ، ومِن اتِّهامِنا بِعَدَمِ الذَّهابِ إلى الكَنيسَة إلّا في المناسبات؛ كما يَتعرَّض الكَهنةُ، بِشَكلٍ خاصّ، إلى الاتِّهامِ بِابتعادِهم عن الربّ، وبِاستغلال أثوابِهم الكَهنوتيَّةِ مِن أجلِ المتاجرةِ بِالدِّين ومن أجلِ حمايةِ ذَواتِهم. إنَّ عالـمَنا اليَوم يَنظُر إلى المسيحيّ على أنَّه شَخصٌ مُعقَّدٌ ومُتَعصِّبٌ، وهذا ما يَجعلُ هذا الأخير يَدخُل في حالةٍ مِنَ التَّفكُّكِ الدَّاخليّ أو الحَربِ الدَّاخليّة. ولذا، يَتساءلُ المؤمِنُ حَولَ كَيفِيَّةِ تَصرُّفِهِ في هذا المجتَمع الّذي يَعيش فيه: هل يَعمَدُ إلى مجاراةِ الآخَرين في الطَّريقِ الخاطئةِ الّتي يَسلِكُونَها، أم يَعمَدُ إلى السُّكوتِ والانسحاب؟ بِعبارةٍ أُخرى، هل يَجبُ على المؤمِن مقاومةُ هذا المجتَمَع والتَّحوّلُ إلى إنسانٍ “داعشيّ”؟ إخوتي، إنّ “داعش” لَيسَت مَحصورةً لا بِمَكانٍ مُعيَّنٍ ولا بِزَمانٍ مُحدَّدٍ ولا بِمُجتَمعٍ محدَّدٍ، بل هي مَوجودةٌ في كلِّ زَمانٍ ومَكانٍ وفي كلِّ مجتمعٍ، وهي موجودةٌ اليوم في ما بَيننا. في هذا الإطار، نَتذكَّرُ ما وَرَدَ في سِفرِ الحِكمة حَولَ أفكارِ البَشر، إذ نَقرأ: “لأَنَّ الأَفكارَ الزَّائِغَةَ تُقصي مِنَ اللهِ، وَاختِبارَ قُدرَتِهِ يُثَقِّفُ الجُهَّالَ” (حك 1: 3).
للأسف، إنَّ طريقةَ عَيشِ المسيحيّ في هذا العالَم لا تَتَناسَبُ مَع توُّقعاتِ هذا الأخير منه: فالعالَم يرى أنَّ المسيحيَّ يَخرجُ من الكَنيسَةِ كما دَخل إليها، ولذا هُم يَعتقدون أنَّ إيمانَه بالربّ هو مُجَرَّدُ أقوالٍ لا أعمالٍ، وهذا يَعني بِالنِّسبةِ إلَيهِم أنَّ إيمانَه مَوجودٌ فقط على الشِّفاه مِن دُونِ أن يَكونَ نابعًا مِنَ القَلب. إخوَتي، إنَّ هذه الـمَوجاتِ الإتِّهاميَّةِ طالَت الكَنيسَةَ مُنذ تأسيسِها، وهي ما زالَت مُستَمِرَّة إلى يَومنا هذا؛ وما تعرَّض له الكاهِنُ الموسيقيّ الّذي أقامَ حَفلاً موسِيقيًّا في بَيروت هو خَيرُ دليلٍ على ذلك. إذًا، إنّ الخَطر الحقيقيّ الّذي يواجِهُ المؤمِنِين هو فُقدانُهم الإيمان في قلوبهم، أي فُقدانُهم للبُوصَلة، أي فُقدانُهم لخارطةِ الطَّريق الّتي تَقودُ إلى الربِّ يسوع، وهذا ما عبَّر عنه القدِّيسُ بُطرسُ مِن خلالِ قَولِه: “أَيُّها الأَحِبَّاءُ، أَطلُبُ إلَيكُم كَغُرَباءَ وَنُزَلاءَ، أَنْ تَمتَنِعُوا عَنِ الشَّهَواتِ الجَسَديَّةِ الَّتي تُحارِبُ النَّفسَ”(1 بط 2: 11).
إنَّ عبارة “تَمتَنِعوا” تدلُّ على أنَّ الجماعاتِ المسيحيَّةِ في آسيا الصُّغرى كانت تَنقادُ إلى هذه الشَّهواتِ الجَسديّة، الّتي هي أَصلُ كُلِّ خَطيئة. إنَّ الإنسانَ المؤمِنَ يَستطيعُ احتِمالَ الاضطهادِ الجسديّ إذا كانَ قلبُه مُحصَّنًا، وعَقلُه نيِّرًا، ونَفسُه طيِّبةً؛ ولكن إذا لَم يَكُن الإنسانُ المؤمِن على هذه الحال، فإنَّ الشَّهواتِ سَوفَ تَقودُه إلى أماكنَ لا يَرغَبُ في الوصولِ إلَيها. وهنا، نَتَذكَّرُ قَولَ بولسَ الرَّسول: “فالخَيرُ الَّذي أُريدُهُ لا أعمَلُهُ، والشَّرُّ الّذي لا أُريدُهُ أعمَلُه” (روم7: 19).
إنّ قِيامَ الإنسانِ بأعمالِ الشَّرِ بَدلاً مِن أعمالِ الخَير، يَدلُّ على فَسادِ قَلبه؛ وفسادُ القَلبِ يؤدِّي إلى قَتلِ الإيمانِ في داخل الإنسانِ، وبالتَّالي إلى قَتلِ الثِّمار النَّاتجةِ عن هذا الإيمان. إخوَتي، إنَّ الآخَرين يَنتَظرونَ رؤيةَ ثِمارِ إيمانِنا؛ وبالتَّالي إذا لَم نَتَمكَّن مِن إظهارِها لهم، بِسَببِ تَمَزُّقاتِنا الدَّاخليّة، نَكونُ قد مَنَحناهُم صَّكَّ البَراءة لاضطهادِنا. أتمنَّى أن أكونَ قد نَجحتُ في تَوضيحِ الإشكاليّة الّتي عالجَها القدِّيسُ بطرس في هذه الرِّسالة الّتي وجَّهها إلى جماعاتٍ مَسيحيِّةٍ في آسيا الصُّغرى تَعيشُ الحالةَ نَفسَها الّتي نَعيشُها نحن اليوم، مع اختلافٍ في أسماءِ الـمُدُن وتَغييرٍ في أسماء الشُّعوب.
أمّا الآن، فنَنتَقلُ إلى التَّعمقِ أكثرِ في هذه الرِّسالة، لمعرفةِ كَيفَ تَمكَّنَ القِدِّيسُ بطرسُ مِن حلِّ هذه الإشكاليّة. في إطارِ التَّحضيرِ لهذا الحَديثِ، قُمتُ بِقراءةِ هذه الرِّسالة، وقد تَفاجأتُ مِن دِقِّة القدِّيسِ بُطرس، إذ لاحَظتُ أنَّ أوّلَ ما قامَ به القدِّيس بطرسُ هو إعادةُ تَعريفِ هَويّةِ المسيحيّ. وهُنا، لا بُدَّ من أن يسألَ كُلُّ واحدٍ مِنّا ذاتَه: مَن أنا،كَمَسيحيّ؟ أي، ما هي هُويَّتي المسيحيّة في قَلبِ هذا العالَم؟ إنَّ القدِّيسَ بُطرس قد أجابَ على هذا السُّؤال، قائلاً: “وَأَمَّا أَنتُمْ فَجِنسٌ مُختارٌ، وَكَهَنُوتٌ مُلُوكِيٌّ، أُمَّةٌ مُقَدَّسَةٌ، شَعبُ اقتِناءٍ، لِكَي تُخبِرُوا بِفَضائِلِ الَّذي دَعاكُم مِنَ الظُّلمَةِ إلى نُورِهِ العَجيبِ” (1 بط 2: 9). في هذِهِ الآيةِ، يُخبِرُ القدِّيسُ بُطرس المؤمِنِين في آسيا الصُّغرى أنَّ الله قد دعاهُم مِنَ الظُّلمة إلى النُّور، وأنَّه قد اختارَهم له شَعبًا، فَاقتَناهُم مِن أجلِ تَمجيدِه وتَسبيحِه، وهذا يعني أنَّهم ليسوا ضَحايا، لا ضحايا نِظام ولا ضحايا ظُلمٍ اجتماعيّ، ولا ضحايا حرب، ولا ضحايا اقتصاد، وبالتَّالي عَلَيهم ألا يَتَذمَّروا وألّا يَقوموا بإلقاءِ اللَّومِ على الآخَرين.
للأسف، هذا ما نَقومُ به، نحن المسيحيّين، في أيّامِنا هذه، إذ نُسارع إلى إلقاءِ اللَّومِ على الآخَرين وخصوصًا على الكَهنة. إخوَتي، نَحنُ جَميعُنا كَهنةٌ، أي أعضاءُ في هذا الشَّعبِ الّذي اختارَهُ الله! وَهُنا، نَتَذكَّرُ قَولَ القدِّيسِ أوغُسطينوس: “لا تَدَعْ العالَم يُخبرُك مَن أنتَ؟”، وهذا يعني ألّا تَسمَح لأحدٍ بِتَحديدِ هُويَّتِكَ، لأنَّك ابنُ الله، فاللهُ قَد اختارَك وجَعلَكَ أُمَّةً مُقَدَّسةً، أُمَّةً كَهنوتيّة. ويُتابِعُ القدِّيسُ بُطرسُ حَديثَه إلى هؤلاءِ المؤمِنِين، فيَقولُ لهم: “الَّذِينَ قَبْلًا لَم تَكُونُوا شَعبًا، وَأمَّا الآنَ فَأَنتُم شَعبُ اللهِ. الَّذِينَ كُنتُم غَيرَ مَرحُومِينَ، وَأَمَّا الآنَ فَمَرحُومونَ” (1بط 2: 10). إخوَتي، إنَّ هؤلاءِ المؤمِنِين قد انتَموا إلى شَعبِ الله بالمعموديّة، أي أنّهم لَم يُصبحوا مَسيحيِّين بِسَببِ حُصولِهم على السُّلطة أو تأسيسِهم أحزابًا أو انتِمائهِم إلى الجيش أو امتلاكِهِم ثَرواتٍ ماليّةً ضَخمة! إنّ شَعبَ الله لا يُقاس بِكَونِه أَكثريَّةً أو أقليَّةً في مُجتَمعٍ ما! في ذلِكَ الزَّمانِ، كانت نِسبَةُ المؤمِنِين في الامبراطوريَّةِ الرُّومانيَّةِ لا تَتجاوز الواحِد في المِئة مِن عَددِ سُكَّانِها الإجماليّ.
مِن خلال هذه الآيةِ، أرادَ القدِّيسُ بُطرس أن يُذَكِّرَ هذا الشَّعبَ الّذي لَم يَكُن مؤمِنًا في السَّابِق وبالتَّالي غَير مَرحومٍ، أنَّه أصبحَ بِفضلِ إيمانِه بالربِّ يسوع، شَعبًا مُلوكيًّا وأُمَّةً مُقدَّسةً، وشعبًا مُقتَنَى مِنَ الله، وبالتَّالي نال رَحمة الله. إذًا، في هذا الإصحاحِ، أرادَ القدِّيسُ بُطرسُ التَّشديدَ على نِقاطِ القوَّة الّتي يَنالُها الإنسانُ عِندَ إيمانِه بِالربِّ. إنَّ القوَّة في المسيحيَّةِ لا تُقاس بِرَدِّ المؤمِن على أعمالِ الشَّرِ الصَّادرة عن الآخَرين بِأعمالِ شَرٍّ مُماثِلةٍ، أي أنَّها لا تُقاسُ بِلُجوء المؤمِن إلى استِعمالِ السَّيف، أو ردِّ الشَّتيمة بِشَتيمةٍ أُخرى؛ فالقوَّةُ الحقيقيَّةُ تَكمنُ في ثَباتِ الإنسانِ في إيمانِه بالربِّ، على الرُّغمِ مِن كُلِّ الاضطهاداتِ الّتي يَتَعرَّضُ لها.
الَّذي إذْ شُتِمَ لَمْ يَكُنْ يَشْتِمُ عِوَضًا، وَإذْ تَأَلَّمَ لَمْ يَكُنْ يُهَدِّدُ بَلْ كانَ يُسَلِّمُ لِمَنْ يَقضي بِعَدلٍ.
الَّذي حَمَلَ هُوَ نَفْسُهُ خَطايانا في جَسَدِهِ عَلى الخَشَبَةِ، لِكَيْ نَمُوتَ عَنِ الخَطايا فَنَحْيَا لِلبِرِّ. الَّذي بِجَلْدَتِهِ شُفِيتُم.
إنَّ المؤمنِين، هُم كَسَائرِ النَّاس، يَطمَحونَ إلى العَيشِ بِأمانٍ وسلامٍ، ولذا هُم يُطالِبونَ بِوجودِ جيشٍ قويِّ واقتصادٍ مُزدهر. وهذا ما يَتجلّى لنا بِشَكلٍ واضحٍ، في كلِّ زيارةٍ رسوليّةٍ يَقومُ بها البَطريركُ أو الأبُ الأقدسُ إلى إحدى الرَّعايا، إذ يُبادِر المؤمِنون إلى لقائه لإخبارِه عن حاجاتِهم وأهمُّها تَحقيقِ السّلامِ في بلادهم. في هذا النَّص، يُطالِبُ القدِّيسُ بُطرس المؤمنِين الّذين يَبحثون عن السّلام بعَدمِ ردِّ الإساءة بالإساءة، أي أنَّه يَدعوهُم إلى التَّشبُّهِ بالمسيح يسوع، الحَمَلِ الوديع، الّذي احتَمَل الآلامَ مِن أجلِ خَلاصِنا، نحن البَشر. في عيد “كِيبُور” اليهوديّ، يَضَعُ اليَهود في وَسَطهِم خَروفًا لم يَتَجاوزِ السَّنةَ مِنَ العُمر، ثمّ يُصَلّون عَليه، وبَعدَ ذلك، يُلقُون عَليه خطاياهم، قَبل أن يُطلِقوه إلى البَريّة ليُواجِه مَصيرَه؛ وبِهَذا العَمَل، يَشعرُ اليَهود أنَّهم قد تحرَّروا مِن خطاياهم. في هذا النَّص، يَدعو القدِّيسُ بطرس المؤمِنِين لا إلى تَغييرِ العالَمِ بالقوّة، إنّما إلى إجراءِ تَغييرٍ داخليٍّ في نفوسِهم أي في قلوبِهم، فالتَّغييرُ الحقيقيُّ لا يأتي مِنَ الخارجِ إنَّما مِنَ الدَّاخِل.
“فَاطْرَحُوا كُلَّ خُبْثٍ وَكُلَّ مَكْرٍ وَالرِّياءَ وَالحَسَدَ وَكُلَّ مَذَمَّةٍ” (1بط 2: 1): ابتِداءً مِن هذهِ الآية، يُقدِّمُ لنا القدِّيسُ بُطرس عِلاجًا للمَرَض الّذي يُعاني مِنهُ المؤمِنون في آسيا الصُّغرى ألا وهو الإحباطُ والتَّذمُّر والكَبتِ والإزدواجيَّةِ، والنَّميمَةِ والكِذب على أنواعه.
إنَّ العلاجَ الأوَّل الّذي يُقدِّمُه لنا القدِّيسُ بُطرس هو شِفاءُ القَلبِ مِنَ السُّموم، أمثالَ سُمِّ الحِقد وسُمِّ الغَضبِ، وسُمِّ المقارنَة وسُمِّ الحَسَد. وهذا العلاجُ قد أشارَ إليه المزمور 51، إذ نُصلِّي إلى الله قائلين: “قَلبًا نقيًّا أُخلُق فيَّ يا الله، ورُوحًا مُستَقيمًا جدِّد في أحشائي“(مز 51: 10). وفي هذا الإطارِ، يَقولُ لنا البابا فرنسيس، إنَّ القَلبَ الحَسود لا يَستطيع أن يَشهدَ للمَحبّة. إخوتي، كيف لإنسانٍ خَبيثِ القَلبِ أن يَشهدَ للمَحبّةِ؟ أو كيفَ لإنسانٍ غشَّاسٍ أن يَعيشَ المحبَّة؟ إنَّ إنسانًا كَهذا لا يَستطيعُ أن يَقبَل نِعمة الله في حياته، وبالتَّالي لا يَستطيعُ أن يَكونَ مِن شَعبِ الله، أي أنَّه لا يَستطيعُ أن يَكونَ أُمَّةً مُقدَّسةً، أو شَعبًا كهنوتيًّا!
إذًا، مِن خلالِ هذه الآيةِ، أرادَ القدِّيسُ بُطرس أن يَقولَ لهذه الجماعةِ المؤمِنَة، أنَّها لن تَستطيعَ أن تُغيِّرَ العالَم إذا كانت غَيرَ قادرةٍ على تَغييرِ ذاتِها مِنَ الدَّاخِل. في المجالسِ، تُبادِرُ غالبيّةُ المؤمِنين إلى انتقاداتِ السِّلكِ الكَهنوتيّ، بِدءًا من الأبِ الأقدَسِ إلى كاهنِ الرَّعيّة، وغالبًا ما يُعبِّرُ هؤلاءِ عن رَغبَتِهم في تغييرِ رُعاتِهم. ولكن، قد يَكونُ بَين الحاضِرينَ مُؤمِنٌ صامتٌ لا يُشارِكُ هؤلاءِ في انتقاداتِهم، إنَّما يُفكِّرُ في قَلبِهِ ويُصلِّي إلى اللهِ قائلاً له: “يا ربُّ ارحمني! ساعِدني كي أتخلَّصَ مِن خطاياي”. وهُنا، أَطرحُ عَلَيكم السُّؤال: بِرَأيكُم، مَن مِن هؤلاءِ سَوف يَصِلُ إلى الـمَلَكوت؟ في هذا الإطار، يَقولُ لنا البابا فرنسيس إنَّه بَينَما يَكونُ اللَّاهوتِيُّون مُنشغِلِين في الـمُقارعاتِ اللّاهوتيَّةِ والفِكرِيَّة والفَلسفِيَّة، يَتَسلَّلُ البُسطاءُ إلى مَلكوتِ السَّماوات.
“وَكَأَطفَالٍ مَولُودِينَ الآنَ، اشْتَهُوا اللَّبَنَ العَقلِيَّ العَدِيمَ الغِشِّ لِكَيْ تَنْمُوا بِهِ” (1 بط2:2). في هذِهِ الآيةِ، يُقدِّمُ لنا القدِّيسُ بُطرس العِلاجَ الثّاني ألا وهو التَّغذِيَّةُ المستَمِرَّة مِن كَلِمةِ الله، وقد عبَّرَ عن ذلك مِن خلالِ قَولِه “اشتَهوا اللَّبن العقليّ”. وَهُنا، نَتَذَكَّرُ قَولَ بولسَ الرَّسولِ إلى أهلِ كورَنتُوس: “وأنا أَيُّها الإخوَةُ لَمْ أستَطِعْ أنْ أُكَلِّمَكُم كَرُوحِيِّينَ، بَل كَجَسَدِيِّينَ كَأطفالٍ في الـمَسيحِ، سَقَيْتُكُم لَبَنًا لا طَعامًا، لأَنَّكُمْ لَمْ تَكُونُوا بَعدُ تَستَطيعُونَ، بَلِ الآنَ أيضًا لا تَستَطيعُونَ”(1 كور 3: 1-2). إنَّ اللَّبَنَ العَقليّ يَعني لَبَنَ القلب، لَبنَ كَلِمَةِ الله، وبالتَّالي يَدعو القدِّيسُ بُطرس المؤمِنِين إلى الجلوسِ مَع كَلِمَةِ الله وقِراءتِها وتَحليلِها لِمعرفةِ ما الّذي يُريد الربُّ قَولَه لهم مِن خلالِ هذِهِ الكَلِمَة. أنا المؤمن، عَليَّ أن أسعى في كلِّ لَحظةٍ مِن حياتي إلى السَّيرِ بِهَدي كَلِمَة الله، لأنَّ كَلِمَةَ الله هي “مِصباحٌ لِخطايَ ونورٌ لِسبيلي” (مز 119: 105)؛ وهذا ما يؤكِّدُه لنا الإنجيليُّ يوحنّا إذ يَنقُلُ إلينا قَولَ بُطرسِ الرَّسول للرَبِّ: “يا ربُّ، إلى مَنْ نَذهَبُ؟ كَلامُ الحَياةِ الأَبَدِيَّةِ عِنْدَكَ”(يو6: 68).
إذًا، إنَّ كَلِمَةَ الله هي الّـتي تُعطي المؤمِنَ الحياةَ. إخوَتي، إنَّ الإيمانَ الّذي لا يَتَغذّى بِاستمرارٍ مِن كَلِمَةِ الله يَذبُلُ ويَموت، وبالتَّالي يُصبحُ المؤمِنُ كالأرضِ الجافَّةِ الّتي تَحتَوي على بِذارٍ مِن دون أن تأتَي بِثِمارٍ. ولكِنْ، هذا لا يَعني أبدًا أنَّه عَلينا أن نَكونَ جَميعًا لاهوتييِّن، إنَّما يَعني أن يَكونَ لدينا علاقةٌ حيَّةٌ مع الربّ. وفي هذا الإطارِ، يَقولُ لنا الربُّ يسوع: “مَن أحَبَّني حَفِظَ كَلِمَتي، حَفِظَ وصاياي” (يو 14: 23). إذًا، إنَّ شَرطَ الربِّ يسوع الوحيد كي يَبقى مَعَنا على الدَّوام هو أن نَحفَظَ كَلِمَتَه.
أمّا العلاج الثّالِث الّذي قدَّمَه القدِّيسُ بُطرس للمؤمنِين في هذه الرِّسالة فَهو إعطاءُ الألم معنًى، وهذا العِلاجُ صَعبٌ جدًّا. في الأسبوعِ الماضي، قُمتُ بِزيارةِ عائلةِ “ريّا الشِّدياق” الّتي فَقدَت ابنتَها على يَدِ وَحشٍ بشريّ. خلالَ لقائي بأهلِ الفقيدة، سألتُ والِدَيها: هَل تَمكَّنتُما مِنَ الغُفرانِ لِقاتِل ابنَتِكُما؟ فأجابَني الوالِد قائلاً: نَعمُ، غفَرتُ لَه مِن كُلِّ قلبي، وما إنْ تَمكَّنتُ مِن ذَلك حتّى فاضَتْ النِّعَمُ الوافِرَةِ على عائلتي؛ وقد وافَقَتْ الأُمّ أيضًا على هذا الكَلام. إنَّ هذه العائلةَ تُشكِّلُ مِثالًا حيًّا لنا ومَعيشًا يَدعونا لا إلى استِغلالِ الجِراحِ الّتي نَتَعرَّضُ لها، إنَّما إلى إعطائها مَعنًى. إنّ أصعبَ ألَمٍ قد يُواجِهُ الإنسانَ هو الموت؛ ولكن نَحن نُدركُ، كمُؤمِنِين، أنَّ الكَلِمَةَ الأخيرةَ ليسَت للمَوت إنَّما للحَياة.
لذا، إخوتي، أدعوكُم إلى أن تُعطوا مَعنًى للمَوت، هذا الألمِ الّذي يُواجهكم في حَياتِكُم! إنَّ جماعةَ “أُذكرني في مَلَكوتِكَ” هِيَ خَيرُ مِثالٍ للمؤمِنِين على ذلك: فالسَّيدةُ جانيت أخبَرَتني بِما اختَبَرَتْه نَتيجةَ فُقدانِها لِزَوجِها، وكَيف أثَمرَ ذلكَ الموتُ نَهضةً روحيَّة. إنَّ هذه النَّهضةَ الرُّوحيَّةَ قد اختَبَرها كَثيرونَ من بينكم، وأنا واحدٌ منِهم، إذ إنَّ دَعوَتي الكَهنوتيَّةِ قد أفرَخَتْ نَتيجةَ دَمِ أخي الّذي قُتِل في أفريقيا. ولكنَّ كَثيرينَ أيضًا لَم يَختَبِروا تِلكَ النَّهضةَ الرُّوحيَّةَ فعاشوا آلالامَ الّـتي وَاجهَتهُم مِن دونِ رجاء. في هذِهِ الرِّسالة، يَطلبُ القدِّيسُ بطرس إلى المؤمِنِين، أن يَتَشَّبهوا بِالمسيحِ يسوع الّذي احتَمَل الآلامَ مِن أجلِ خَلاصِ نُفوسِنا، ولذلِكَ قالَ لهم: “لأَنَّ هَذا فَضلٌ، إنْ كانَ أَحدٌ مِنْ أجلِ ضَميرٍ نَحوَ اللهِ، يَحتَمِلُ أَحزانًا مُتَأَلِّمًا بِالظُّلْمِ”(1 بط 2: 19). مِن خلالِ هذِهِ الآيةِ، نُدرِكُ أنَّ القدِّيسَ بُطرسَ لَم يَدعو المؤمِنِين إلى القِتالِ أو الجِهادِ في سَبيلِ الله، إنَّما إلى احتِمالِ الآمِهم في سَبيل الله، خُصوصًا تِلكَ الّتي هي نَتيجةُ ظُلمٍ تَعرَّضوا له. هُنا، نَستَطيعُ أن نُدرِكَ عُمقَ هذه الجُملَةِ الّتي كان أهالينا يُردِّدونِها عندما كانوا يُواجهونَ الآلامَ، قائلِينَ: “مَع آلامِكَ يا يسوع”. ونَحنُ أيضًا، مَدعوُّونَ على مِثالهم إلى تَردادِ هذِهِ الجُملةِ بِاستمرارٍ، كُلَّما واجَهَتْنا الصُّعوبات.
“أَكْرِمُوا الجَمِيعَ. أَحِبُّوا الإِخْوَةَ. خَافُوا اللهَ. أَكْرِمُوا الـمَلِكَ” (1 بط 2 : 17). مِن خلالِ هذِهِ الآيَةِ، نُدركُ أنَّ القدِّيسَ بُطرس يدَعو المؤمِنِين لا إلى الخضوعِ لِلمَلك أو إلى إقامةِ الثَّوراتِ في مُجتَمعاتِهم، إنَّما إلى إكرامِ الملوكِ فيها، وبِالتَّالي هو يَدعوهُم إلى السَّيرِ في هذا العالَم، على مِثالِ المياه الّتي تَسري في الأرضِ فتُعطيها الماويَّة الّتي تحتاج إليها. إنَّه يَدعوهُم كي يَكونوا كالـمِلح الّذي يَدخُلُ إلى جِسمِ الإنسانِ بِكَميَّاتٍ صَغيرةٍ، فيُقدِّمَ له الفائدةَ الّتي يَحتاجُها. إنَّه يَدعوهُم كي يَكونوا النُّورَ في هذا العالَم، الّذي يُضيءُ الطَّريقَ أمامَ الآخَرين مِن دونِ أن يُصدِرَ أيَّة ضجَّة. وبالتَّالي، فإنَّ العِلاجَ الرَّابع الّذي يُقدَّمُه القدِّيسُ بُطرس لِلمؤمِنِين هو الشَّهادةُ الصّامتة، أي الشَّهادةُ البَسيطةُ الـمَبنِيَّةُ على قِيامِ هؤلاءِ بالأعمالِ الحَسَنة، وهذا ما عبَّرَ عنه القدِّيسُ بُطرس أيضًا بِقَوله لهم: “وَأنْ تَكُونَ سِيرَتُكُم بَينَ الأُمَمِ حَسَنَةً، لِكَيْ يَكُونُوا، في ما يَفتَرُونَ عَلَيكُمْ كَفاعِلي شَرٍّ، يُمَجِّدُونَ اللهَ في يَومِ الافتِقادِ، مِنْ أَجلِ أَعمالِكُمُ الحَسَنَةِ الَّتي يُلاحِظُونَها” (2 بط 2: 12). إذًا، إنَّ القدِّيسَ بُطرسَ يَدعو المؤمِنِين إلى تَطبيقِ كَلامِ الربِّ يسوع لِتَلاميذه:”فَلْيُضِئْ نُورُكُمْ هَكَذا قُدَّامَ النَّاسِ، لِكَيْ يَرَوا أَعمالَكُمُ الحَسَنَةَ، وَيُمَجِّدُوا أَباكُمُ الَّذِي في السَّماواتِ”(متى 15: 14-16).
في الخِتامِ، إذا أرَدْنا تَطبيقَ كَلامِ القدِّيسِ بُطرس على إنسانِ اليوم الـمُتعَب والمجروحِ في هذه الحياة، لَوَجَدْنا أنَّه يَدعونا لا لِكَي نَكونَ نَسخَةً غاضِبةً في وَجه هذا العالَم، إنّما لِكي نَكونَ نَسخةً جميلةً طِبق الأصلِ عنِ المسيح يسوع، الّذي احتَملَ آلامَه الخلاصيّة من أجلِنا بِفَرحٍ ومِن دونِ تذمُّرٍ. وفي هذا الإطارِ، يَقولُ لنا سِفرُ الأمثال: “نورُ الصِّدِّيقينَ فرَحٌ كُلُّهُ، وسِراجُ الأشرارِ يَنطَفئُ” (أمثال 13: 9). إذًا، نحن مدعوّون كي نُشِّعَ فَرحَ الربِّ للآخَرين. هذا هو شِعارُ الكشَّاف أيضًا، إذ نَجِدُه مُبتَسمًا على الرُّغم مِن كلِّ الصُّعوبات الّتي تواجهه إذ يَعلَمُ أنّه بَعد هذا الموتِ الّذي يُواجِهُه، لا بُدَّ للقيامَةِ من أن تُشرِقَ مِن جديد؛ فالمسيحُ قد غَلبَ الموتَ بِقِيامَتِه. في هذا النَّص، طَرَح عَلينا القدِّيسُ بُطرسُ سؤالاً وحيدًا: مَن أنت أيّها المسيحيّ؟ ومِن خلالِ هذا النَّص، دَعانا إلى اكتشافِ هُويَّـتِنا الحقيقيَّةِ كأبناءَ لِلمَلكِ، أبناءَ لله، وبالتَّالي يَدعونا اليوم القدِّيس بُطرُس إلى التذكُّر أنَّ المسيحَ قد افتَدانا ودَعانا إلى المَجد.ولذا، نحنُ مَدعوُّون لِأن نَكونَ صَورةَ اللهِ ومِثالَه في هذا العالَم. وهذا ما يؤكِّده لنا أيضًا اللَّاهوتُ الشَرقيّ، إذ يَقولُ لنا إنَّ الله قد صار إنسانًا لِيُؤلِّهَ الإنسانَ.
بَاركَكُم الله.
ملاحظة: دُوِّنت من قبلنا بأمانة.
