“هكذا ينبغي أن يُرفَعَ ابنُ البشر لكي لا يَهلِك كلُّ مَن يؤمِن به بل تكون له الحياة الأبدية” (يو3: 14-15)
بقلم المونسنيور سميح (رافائيل) طرابلسي
في ظُلمة الليل الدامس المدلهم، الذي يجُسِّد عالمَ الموت المخيفِ، والذي قضّ مضاجع البشر منذ أن وُجِدَ المرءُ على وجهِ البسيطة؛ أقبل الفِرِّيسيُّ نيقوديموس إلى مَن جاء أرضنا “نوراً يضيءُ للأمم” (لو 2: 32). وفي ذلك اللقاء الحميم الذي انبعث منه الضياءُ الإلهي ليتسلّل بخيوطه الذهبيّة إلى ذاك الفؤادِ الهَرِمِ العجوز، انكشف سرُّ الولادة من الماء والرّوح والحياة الأبديّة. لقد اتّضح للشيخ الجليل الغائص في بحر نبوءات العهد القديم أنّ الفداءَ الذي يحصُل الإنسان بوساطتِه على الحياة الخالدة الفائقة الطبيعة يمرُّ عبر خشبة الصليب؛ جسر العبور إلى الملكوت.
وتأييداً لكلامه أورد المخلّص حادثاً جرى للشعب العبراني في صحراء سيناء بعد خروجهم من الديار المصرية، إذ كانت تلدغهم حيّاتٌ سامّة، مات من لدغها كثيرون.
لقد أمر موسى في البريّة بأن تُرفَع في وسط المحلّة حيّة نحاسية حتى إنّ كل مَن تأذى بلدغة ونظر إليها نال البرء والشفاء. إنّ هذا الحادث تدبير إلهي يرمز إلى الفداء بالصليب ويهّيئُ العقول والقلوب لتقبّل تعاليم هذا السرّ العظيم، سرّ محبة الله للإنسان، سرّ الشفاء من الموت واحتساءِ إكسيرِ الخلود!
ليس الموتُ العضويّ والجسديّ هو المقصودُ فحسب. بل إنّ كلّ ميتاتنا اليوميّة التي تنتصب حاجزاً منيعاً أمام بلوغنا السعادة المنشودة، قد شُفيَت بالصليب المرتسِم علامة خلاصٍ بين الثرى والثُريّا. لقد انتزع السيّد بصليبه سُلطان المنون وبدّل مرارته إلى حلاوة الإتحاد بالباسط يديه على خشبة العود لِيَضُمّ إليه كلّ المتفرقات.
لقد دخلت الخطيئة العالم على يد آدم، وبالخطيئة دخل الموتُ وسرى إلى جميع الناس “لأنهم جميعاً خطئوا “(روم 5:12-13). وكان لا بدّ من منقذٍ ينشلُ الإنسانية من كبوتها ويفتح لها أبواب الرحمة والمصالحة مع الله… لذا، وبدافع محبته التي لا يُسبَرُ غورُها، أخذ كلمةُ الله طبيعتنا البشرية وصار مشابهاً لنا في حقارتنا من دون أن يفقد شيئاً من صفات لاهوته… حتى يبحث عن الهالك ويخلّصه.
لكنّ هذا التدبير الخلاصي الذي به قضى المسيح على الردّى بِتَجرُّعِهِ كأس المنايا ونهوضه منتصراً في اليوم الثالث، يدعونا إلى ممارسته نحن أيضاً ولا سيّما في سنة الرحمة اليوبيليّة هذه، لكي ننشل إخوتنا الراقدين من موت الوحدة القاتلة … من موت الفقر والآفات الاجتماعية …. من موت التفكُك الأُسَري، من موت صنميّةٍ جديدةٍ تُرخي بظلالها على عالمنا الحزين، وتتخذ أشكالاً عِدَّة.
صلاتي إلى المصلوب الحيّ أن يحمل كُلٌّ منّا صليبه بفرح وينطلق ليحمل أثقال الآخرين ويمسح العبراتِ من مآقيهم ليستطيع أن يقول قبل عبوره من أرض الفناء هذه: “اذكرني في ملكوتك يا ربّ ” (لو 23: 42) في رحاب الحياة الأبديّة.
