هل يَصومُ الرَّاقِدون؟
بقلم الأب يوحنّا داود
في كُلِّ سَنةٍ ومَع بِداية الصَّوم يَخطُرني هذا السُّؤال: هل يَصومُ الرَّاقِدون؟
في الإيمانِ الـمَسيحيّ نُؤمِنُ أنَّ الرَّاقدين قد دَخلوا في حالةٍ مِنَ الصَّومِ الأبديّ عن شَهواتِ العالَم وانقَطعوا عن الخَطيئةِ، لذا فإنَّهُم قَد تَحرَّروا مِنَ الجسد لِيَعيشوا صَومًا مِن نَوعٍ آخَر كَفِعلٍ تَقَشُّفي. فَصحيحٌ أنَّ الرَّاقِدينَ لا يَصومونَ عن الطَّعام، لكنّهم يَصومونَ عَن الخَطيئةِ ويَشبَعونَ بِالنِّعمَة “أمَّا أنا فَبِالبِرِّ أُشاهِدُ وَجهَكَ، وعِندما أستَيقِظُ أَشبَعُ مِن صُورَتِكَ” (مزمور 17: 15).
الموتُ ليسَ انقِطاعاً عَن شَرِكةِ المؤمِنِين، بل هو عُبورٌ إلى حَياةِ الرَّجاء، حَيثُ تَظلُّ الكَنيسَةُ الـمُجاهِدَةُ والـمُنتَصِرةُ جَسدًا واحدًا في المسيح كما يُعبِّرُ القِدِّيسُ غريغوريوس النَّزيَنزي: إنَّ الكَنيسَةَ لا تَنقسِمُ بِالموت، بل تَبقى عائلةً واحدةً في المسيح، كذلِكَ يُؤكدُ الرَّسولُ بولس”لأنَّنا إِنْ عِشْنا فَلِلرَّبِّ نَعيش، وإنْ مُتْنا فَلِلرَّبِّ نَموت” (رومية 14: 8). لذا، فإنَّ الرَّاقِدينَ يَشتَرِكونَ مَعَنا روحيًّا في مَسيرةِ الكَنيسَةِ نَحو القِيامةِ إذْ إنَّهم انتَقَلوا مِن “زمنِ الجِهاد” إلى “زَمنِ الانتِظار” لأنَّ “الله لَيسَ إلهَ أمواتٍ بل إلَهَ أحياء” (متى 22: 32).
أمَّا الآباءُ القِدِّيسونَ فَيُعلِّمونَنا أنَّ صَلواتِنا وأصوامَنا عَن الرَّاقِدين لَيسَت عَبثًا “إنَّ الصَّلاةَ عن الرَّاقِدين تَعزيَةٌ لَهُم ونَفعٌ عَظيم” يَقولُ القِدِّيسُ يوحنَّا ذَهبيُّ الفَمّ. ويُؤكِّدُ القِدِّيسُ أُوغسطينوس أنَّه عِندما نَذكُرُهم في الذَّبيحة الإلهيَّة فَهذا عَملُ مَحبَّةٍ يَربطُ الأرضَ بِالسَّماء. فَصَومُنا وإيَّاهم إنَّما هو إعلانٌ بأنَّ الموتَ لا يَكسرُ الشَّرِكة، وأنَّنا جميعًا نَسيرُ معًا نَحو القِيامة العامَّة. فالرَّاقدونَ الآن يَشهدونَ صَومَنا، ونَحنُ نَشتاقُ لِطهارة صَومِهم والقِيامةُ هي الـمَوعدُ الَّذي يُوحِّدُنا. صومٌ مباركٌ.
