وقفةٌ ما قَبل تِلك الوقفة الأبديّة

بقلم الأب ميشال عبود الكرمليّ

كلُّ وقفةٍ مع الذّات، هي وقفةٌ مع الله السّاكن فينا، لا أكثر. وكلُّ وقفةٍ أخرى نقِفها، هي مع أفكارنا وفراغنا ودوّامة عيشنا. فالصّلاة الحقيقيّة، هي المخاطبة الفعليّة، ومعرِفة مَن نخاطب وأينَ هو الّذي نخاطبه، إنّه الله، إنّه هنا.

وعندما تنضج هذه الوقفة بما تحمل من حضورٍ إلهيٍّ، تمرّ كلّ أفكارنا وأعمالنا تحت نظر الربّ، فنراها، بدورنا، على حقيقتها، بكلّ شفافيّة: بصِغرها وكِبرها، بماضيها وحاضرها، بصَفائها ودناءتها… فتصبح هذه الوقفة بالذّات استباقًا، لتِلك الوقفة في يوم الدّينونة، حيث لا يديننا هو، “فإنّ اللّه لم يُرسِل ابنَه إلى العالم لِيَدين العالم، بل ليُخلَّصَ به العالمُ” (يو 17:3)، وانّما كلامه الذي قيل لنا، هو الذي يديننا. هناك، سنقف أمامه بكلّ ما نحن عليه، تمامًا كما كنّا نقف كلّ مرةٍ صلّينا فيها.

في تِلك الساعة الأخيرة، لا شيءٌ يُخفى عليه، وفي تِلك الوقفة المهيبة، لا يعود ينفع ندمٌ، ويستحيل التغيّر، في تِلك السّاعة الرّهيبة، لا عودةٌ إلى الوراء…إنها لحظات رهبةٍ وورعٍ، لحظات خجلٍ أبديٍّ حيث يَظهر الضّعف والنّقص بطريقةٍ جليّةٍ “تفرك” القلب كما تَظهر كلّ الأعمال التي صُنِعت تحت نظره.

فقبل تِلك الوقفة، نحن ما زِلنا هنا، فلنرَ ذاتنا كما هي على حقيقتها، منه، هو الإله الرّحيم، ولْنطلب الرّحمة والغفران والثّبات والاستمرار… إنّه هنا، بقربنا، بنظراته المليئة بالرّحمة والحنان… وكلّما تقدّمنا يوماً، كلّما اقتربنا نحو الأبديّة… فمَن يعرِف ويـثِق ويترجَّ رؤية الربّ، يعِش بسلامٍ على هذه الأرض…فالحياة رغم ما يَعتريها من صعوباتٍ، تبقى نعمةً من الربّ، فلْنحافظ عليها بالـ “نَعَم” الدائمة له.

Instagram
Copy link
URL has been copied successfully!
WhatsApp