عِظة للأب ميلاد أنطون المريميّ
الذِّكرى الأولى لانطلاقة رسالة جماعة “أذكرني في ملكوتك”
كنيسة سيّدة النّجاة (آل تابت) – عشقوت
أهميّة الصّلاة لأجل أمواتنا
باسم الآب والابن والرّوح القدس، الإله الواحد، آمين
في إحياءِ الذِّكرى السَّنويّة الأُولى لِتَأسيسِ جَماعةِ “أُذكرني في مَلكوتِكَ” في هذه الرَّعية، أُريدُ التَّوقفَ عند السُّؤالِ التَّالي: لماذا جماعةُ “أُذكرني في مَلكوتِكَ”؟ أي، ما الهدفُ مِن وجودِ هذه الجماعة؟ وما الغايةُ من الالتِزامِ بها في حياتنا؟
اليومَ هو الثّالثُ والعشرون مِن شَهرِ تشرين الأوَّل، وفيه تُكرِّمُ الكَنيسَةُ القدِّيسَ بيّو وأيضًا القدِّيس شربل. لذلك، سَوف أُخبِرُكم عن حادثةٍ حَصَلَت مع القدِّيسِ بيوّ وتَمَّ اكتشافُها أثناء التَّحضيرِ لِدَعوى تَقديسِه، ما يعني أنّه تمَّ التَّحقُّقُ مِنها، وبالتَّالي الاعترافُ بِها مِن قِبَل السُّلطةِ الكَنسيَّة. إنَّ القصَّةَ هي أسلوبٌ تعليميٌّ استَخدَمَه الربُّ يسوع لإخبارِ الشَّعبِ اليَهوديِّ عن مَلَكوتِ الله، إذ كانَ يَقولُ لهم: “يُشبِهُ مَلكوتَ الله”، ثمَّ يُضيف إلى هذه العِبارة قِصَّةً.
إنَّ القِصَّةَ هي ذاتُ أُسلوبٍ سَهلٍ مُمتَنِع، ما يَجعلُها سَهلةَ الفَهمِ والحِفظِ من قِبَل سامعيها، وهي تَحوي في داخِلِها مَعانيَ مُهمَّةً وكثيرةً يَسهُل على سامعيها اكتِشافُها. إنَّ القراءةَ الّتي تُليَت على مَسامِعنا اليوم مِن سِفر الرُّؤيا تَحمِلُ ثَلاثةَ مَعانٍ أو تَفسيرات: الأوَّل، هو أنَّ هذه القِصَّةَ تَشرحُ للمسيحيِّين في ذلك الزَّمان، أي سنةَ 64 م.، أسبابَ تَعرُّضِهِم للاضطهادِ الّذي يَشنُّه عليهم نَيرونُ الامبراطور؛ الثّاني هو أنَّ هذه القِصَّةَ تُخبِرُنا عن الاضطهاداتِ الّتي ستَتَعرَّضُ لها الكَنيسَةُ في هذا العالَمِ على مَرِّ الأزمان؛ والثّالثِ والأخير هو أنَّ هذه القِصَّةَ تُخبِرُنا عن الكنيسةِ السَّماويّة، فالمسيحُ يسوعُ هو الحَملُ الّذي سَيُحقِّقُ النَّصرَ الإلهيَّ ويَمنحُ البشريّةَ جمعاءَ السَّلامَ المسيحانيّ، أي أنّه سَيمنَحُها الأرضَ الممجدَّةَ أي الملكوتَ والحياةَ الأبديّة، وهنا تتجلَّى أهميّةُ الانتظارِ المسيحانيّ. إخوتي، إنَّ هذه التَّفسيراتِ الّتي عَرضناها الآنَ حولَ سِفرِ الرُّؤيا هي تَفسيراتٌ عامَّةٌ وصحيحةٌ؛ ولكنْ هذا لا يُلغي أبدًا حقيقةَ أنَّ كُلَّ نَصٍّ من الِكِتابِ المقدَّسِ يَحملُ أيضًا رِسالةً خاصّةً موجَّهةً إلى كلِّ واحدٍ منّا في هذا الزَّمنِ الّذي يَعيشُ فيه.
الآن، سأُخبِرُكم بالحادثةِ الّتي جَرَتْ مع القدِّيس بيّو، فنَستَخرجُ مِنها المغزى الّذي يُريدُ الربُّ إيصالَه إلينا الآن وهُنا، أي إلينا نحن الحاضرين اليوم في رعيّةِ عشقوت سنة 2025. إنَّ القِدِّيسَ بِيّو هو قِدِّيسٌ عجائبيّ، اشتَهَر بِقيامِه بالأعاجيبِ في حياتِه الأرضيّة، أي قَبلَ مَوتِه في هذه الأرض. سنة 1999، أوكِلَت إليّ خِدمةُ رَعيّةٍ في المنطقة الّتي عاش فيها القدِّيس بيّو في إيطاليا، وقد تعرَّفْتُ إلى هذا الشَّعبِ المؤمِنِ الّذي يَنظُر إلى القدِّيس بيّو، كما نَنظرُ نَحن اللُّبنانيِّين إلى القدِّيس شربل: فكما أنَّ كلَّ إنسانٍ في لبنان، مَسيحيًّا كان أم غيرَ مَسيحيّ، يَشعرُ بِقُربِه من القدِّيسِ شربل بِسَببِ حصولِه، هو أو أحدُ أقربائه، على نِعمةِ شفاءٍ منه؛ كذلك المؤمِنون في إيطاليا يشعرُون بِقُربهم من القدِّيس بيّو، لأنّهم اختَبروا عجائبَه الّتي كان يَقومُ بها في حياتِه الأرضيّة. أنشأَ القدِّيسُ بيّو مستشفىً كبيرًا في إيطاليا، ما زالَ موجودًا إلى يومِنا هذا؛ وكان الأطبّاءُ والممرِّضون فيها يَثِقونَ بالقدِّيسِ بيّو لأنّهم كانوا يُدركونَ عمقَ عَلاقتِه بالربِّ، ومدى قداستِه الّتي تجلَّتْ مِن خلال الأعاجيبِ الّتي كان يقومُ بها في ما بينهم، ولا عَجَب في أنْ يَكونَ البَعضُ مِنهم قد حصلَ على نِعمة شِفاءٍ من اللهِ، من خلالِ الأعاجيبِ الّتي كان يَقومُ بها هذا القدِّيس!
كان القدِّيس بيّو يَعيشُ ضِمنَ جماعةٍ رُهبانيّةٍ، إذ كان ينتمي إلى الرَّهبانيّة الكبّوشيّة، وكان أحدُ إخوتِه، واسمُه دانيال، قد أُصيبَ بِمَرضِ عُضال، شُخِّصَ مِن قِبل الأطبّاءِ بأنّه مَرضٌ مميتٌ لا يُمكِنُ الشِّفاءُ منه إلّا بَعدَ خضوعِ المريض لِعَمليّةٍ جِراحيّةٍ خَطيرةٍ قد تَتسبَّبُ بِمَوتِه أثناءَ العمليّة، لذلك رفضَ الأطبّاءُ إجراءَها. وكانَ القدِّيس بيّو يُحبُّ أخاه هذا كثيرًا، فتَضرَّعَ إلى العذراءِ مِن أجلِه أثناءَ صلاتِه أمامَ تِمثالهِا الموجود بِالقُرب من المستشفى والدَّير.
وفي أثناءِ صلاتِه، سَمعَ القدِّيس بيّو العذراءَ مريم تَقولُ له: لا تَخَف! إنَّ دانيال سَوف يُشفى! أُطلُب مِنَ الأطبَّاءِ إجراءَ العمليّةِ لأنّ يَدَ الله ستَكونُ مَعهم. فقام القدِّيس بيّو بِنَقل رسالةِ العذراءِ مريم إلى الأطبّاءِ الّذينَ تَشجَّعوا وأَجرَوا العمليّةَ لِدانيال. ولكنَّ المفاجأةَ كانَت أنَّ دانيال قد تُوفيّ أثناءَ العمليّةِ، على عَكسِ ما قال القدِّيسُ بيّو للأطبّاء، فَخَرج هؤلاءِ مِن غرفةِ العمليّاتِ ليَبحثوا عن القدِّيس ويَنقلوا إليه خَبرَ وفاةِ أخيه دانيال. وبعد البَحثِ عن القدِّيس، وَجَدَه الأطبّاءُ أمامَ تِمثالِ العذراءِ مريم يُصلِّي، فألقَوا اللَّومَ عليه، ولكنَّه أخبَرَهم أنَّه نَقلَ إلَيهم فقط ما قالَتْه له العذراءُ مريم. عندئذٍ، قال القدِّيس بيوّ للأطبّاءِ أنَه سيَطلبُ تَفسيرًا لما حَدَث من العذراءِ في أثناءِ صلاتِه إليها: فَظَهرت له العذراءُ وأخبَرَتْه أنَّ دانيال لَم يَمُت، إنّما هو نائمٌ وأنّه سَيَستَيقِظُ قريبًا.
وبَعدَ ثلاثِ ساعاتٍ على انتهاءِ العَمليّةِ، استَيقظَ دانيالُ مِن غَيبُوبَتِه، فسألَه المحيطون به عمّا حَدَث له، فأجابهم قائلاً: إنّه كان في مكانٍ مُظلمٍ جدًّا لا وجودَ فيه لأيِّ بصيصِ نورٍ، لذا فقَدَ تَوازنَه وغابَ عن الوعي، وفقَدَ إحساسَه بالمادَّة. ثمَّ أضاف دانيال قائلاً لهم: بعدَ مرورِ وقتٍ قليل من وجودِه في هذا المكانِ الـمُظلم، بدأ يَلوحُ له في الأفقِ نورٌ شَحيحٌ، فتَبِعَه. وكان كلَّما اقتَربَ دانيال من النُّور، اتَّسعَتْ دائرةُ النُّور، حتّى أصبحَ هذا الضَّوءُ أكثرَ إشعاعًا مِنَ الشَّمسِ، فالتَقى عندئذٍ بالربِّ يسوع وجهًا لوجه، هو النَّاصعُ البياضِ ونُورُه أشدُّ إشعاعًا مِنَ الشَّمس. إخوَتي، إنَّ هذه القصَّةَ لَيسَت قِصَّةَ دانيال وحَسب، بل هي قصَّةُ كلِّ واحدٍ منَّا، مِن حيثُ جوهرُ القِصّةِ لا حَرفيَّتُها.
وتابع دانيال قائلاً لنا، إنَّه حين التَقى بالربِّ يسوع، وَجهًا لوجه، تَذكَّرَ كلامَ بولسَ الرَّسولِ الّذي قال لنا إنَّنا نرى الربَّ في هذه الأرضِ كمَن يَنظرُ إلى مرآة، أمّا هناكَ في الملكوتِ السَّماويّ فإنّنا سَنُعايِنَه وَجهًا لِوَجه، أي أنّنا سنَكتشِفُ اللهَ على حقيقتِه. وفي هذا الإطار، يُضيفُ دانيال قائلاً لنا إنّه عِندَ معاينتِهِ اللهَ وجهًا لوجه، اكتَشفَ فيه ثلاثَ حقائقَ أساسيّةٍ، كان قد أخبَرَنا بها، سابقًا، القدِّيسُ بونافِينتُورا، هي:
أوّلا: أنّ الله طَيِّبٌ، ثانيا: عَظمةُ جَمالِ الله، ثالثًا: أنّ الله هو الحقّ. عند مشاهدتِه الربَّ يسوع، شَعرَ دانيالُ بِرَغبةٍ عَميقةٍ للاتِّحادِ به، غير أنّ خَطيئتَه مَنَعتْه من ذلك، لأنّه سيُلطِّخُ ثَوبَ الربِّ يسوعَ النَّاصعِ البَياض. لذا، قرَّر دانيالُ الذَّهابَ إلى المطهر كي يَتمكَّنَ مِنَ التَّطهرِ مِن خطيئتِه، ما يَجعلُه بَعد ذلك قادرًا على الاتِّحادِ الكامِلِ بالربِّ يسوع. عندما نَظرَ دانيالُ إلى الربِّ يسوع، وَجدَ في يَدِه اليُسرى كُلَّ ما كان دانيالُ قد حقَّقَه في حياتِه الأرضيّة، وفي يَدِه اليُمنى كُلَّ ما كان الربُّ يُريدُ مِن دانيال القيامَ به. لقد تفاجأ دانيالُ من جهةٍ حين اكتشفَ أنَّ مشروعَ اللهِ له هو أن يَكونَ قدِّيسًا عَظيمًا جدًّا، ولكنَّه من جِهةٍ أخرى حَزِنَ جدًّا حين أدرَك أنّه لَم يُحقِّقْ مِن ذلك المشروعِ الإلهيِّ له سِوى القليل، وقد شعرَ بالخَجلِ عندما اكتشفَ تَقصيرَه أمامَ عطايا اللهِ الكَثيرة له.
إنَّ صورة سيِّدة النَّجاة الموضوعة في هذه الكَنيسَةِ تُقدِّم لنا صورةً عن الـمَطهر: ففي هذه الصُّورة، نرى السيِّدةَ العذراء جالسةً وفي حِضنِها ابنُها يسوع، وتحتَ قدمَيها، أي في الـمَطهر، أفرادٌ مِن عائلةِ تابت الّذين أسَّسوا هذه الكَنيسَةِ، يَتضرَّعونَ إليها لتُخلِّصَهُم مِن نار الـمَطهر. وفي هذا الإطار، يُخبِرُنا دانيال أنَّه اختَبَر العذابَ الشَّديدَ في المطهر، الّذي هو نتيجةُ عَيشِ الإنسان بعيدًا عن الله بَعد أن كان قد اختَبرَ جمالَه وطيبَتَه وحقيقَتَه. وهُنا يُضيفُ دانيال قائلاً إنَّه كانَ مُستَغربًا جدًّا مِن عدمِ تَقديمِ إخوتِه في الدَّير الصّلواتِ والقداديسَ مِن أجلِ راحةِ نَفسِه في تلك السِّنين الّتي أمضاها في الـمَطهر، مع العِلم أنَّ تِلك السِّنينَ في الـمَطهرِ هي عبارةٌ عن ثلاثِ ساعاتٍ أمضاها هذا الأخيرُ في غَيبُوبَة. ويتابعُ دانيال قائلاً لنا إنَّه رأى الأنفُسَ الـمَطهريّة تَخلُص وتَنتَقِلُ إلى السَّماء بِفَضلِ صلوات أحبّائها وتَقديمِهم الذَّبائحَ من أجلِ راحةِ أنفُسِها. إخوتي، هذا يعني أنّه كُلَّما قدَّمْنا الصَّلواتِ والقدَّاديسَ مِن أجلِ راحةِ أنُفسِ أمواتِنا، شارَكْنا في خلاصِهِم مِن عذابِ الـمَطهرِ بشكلٍ أسرع، وساعدناهم للاتِّحاد الكُليِّ بالربِّ يسوع. ثُمّ يُضيفُ دانيال قائلاً لنا إنَّه في الأعيادِ الخاصَّةِ بِها،
تأتي مَريمُ العذراء إلى الـمَطهر لِتَصطَحبَ مَعها إلى السَّماء كُلَّ الأنفُسِ الّتي أنهَت مَطهرَها، أي كلَّ الأنفُسَ الّتي تَطَهَّرتْ وأصبَحَت مستعدِّةً للاتِّحاد الكامِل بالربِّ يسوع. عندما استَفاقَ دانيالُ مِن غَيبوبَتِه، أدركَ عظمةَ الاتِّحادِ الكامِل بالربِّ، لذا تشدَّدَ بكلِمةِ الربِّ وتابَ عن خطاياه، وسعى جاهدًا ليُحقِّقَ مشروعَ اللهِ فيه، فتَمكَّن بعد انتقالِه إلى السَّماء أن يُصبحَ طوباويًّا.
إنَّ المغزى من قِصَّةِ دانيال هو: أوّلاً: علينا أن نُدركَ أنَّ الحياةَ الـمُعطاةَ لنا على هذه الأرضِ هي فُرصةٌ لا تَتكرَّرُ يَمنحُها اللهُ للإنسان، كي يسعى هذا الأخيرُ مِن خلالِها للحصولِ على الحياةِ الأبديّة، إذ، كما يَقولُ لنا الإنجيل، “ماذا ينفعُ الإنسان إذا رَبِح العالَم كُلَّه وخَسرَ نَفسه؟!” (مر 8: 36).
ثانيًا: علينا أن نُدرِكَ أنَّ جَميعَنا، نحنُ المؤمنِين بالربِّ، أعضاءُ في جَسدِ المسيح الّذي هو الكَنيسَة، وأنّ رأسَ هذا الجسدِ هو المسيحُ يسوع. إنَّ الكَنيسَةَ، أي جَسدَ الربِّ، تُقسَم إلى ثلاثةِ أقسام:
ألف: الكَنيسَةُ السَّماويّةُ وتَضُمّ الثّالوثَ الأقدس، أي الآبَ والابنَ والرُّوحَ القدس، إضافةً إلى العذراءِ مَريمَ والقِدِّيسين والملائكة، وهذه الكَنيسَةُ تَكونُ حاضرةً معنا في كلِّ قدَّاسٍ إلهيٍّ نَحتَفِلُ به.
باء: الكَنيسَةُ الأرضِيَّةُ وتَضمُّ جَميعَ المؤمِنِين الّذينَ لا يَزالونَ يَعيشونَ إيمانَهم على هذه الأرض. وهذهِ الكَنيسَةُ هي الّتي تُقدِّمُ الذّبائحَ والصَّلواتِ، مع القِدِّيسين، إلى الربِّ يسوع مِن أجلِ الكَنيسَةِ الـمَطهريّة.
جيم: الكَنيسَةُ الـمَطهريّةُ وَتَضمُّ جَميعَ أمواتِنا الّذينَ لا زالوا يَتَعذَّبونَ في الـمَطهر، ويَحتاجون إلى صلواتِنا للإسراعِ في خَلاصِهِم مِن العذابِ الّذي يَعيشونَه.
إنَّ الكَنيسَةَ المارونيّةَ لا تَتوَّقَفُ عن ذِكر الموتى المؤمِنِين في صلواتِها. إذًا، الحياةُ هي فُرصةٌ لا تُعادُ يَحصلُ عليها الإنسان، لذا عليه استغلالُها للوصولِ إلى الحياةِ الأبديّة. كما أنّه على الإنسانِ المؤمِنِ أن يَعمَلَ ضِمنَ فريقٍ ألا وهو الكَنيسَةُ مِن أجلِ خَلاصِ نَفسِه وخلاصِ إخوتِه، وبالتَّالي مَطلوبٌ منه أن يُصلِّي من أجلِ إخوتِه، لا فقط الّذينَ يَنتَمونَ إلى الكَنيسَةِ الأرضِيَّةِ وحَسب، إنّما أيضًا مِن أجلِ الكَنيسَةِ الـمَطهريّة. لأنَّه حينَ يَكونُ أحدُ أعضاءِ الجسدِ مَريضًا، فإنّ الجسدَ كُلَّه يَكونُ مَريضًا، وحين تكونُ كُلُّ أعضائِه في حالةٍ سَليمَة، فإنَّ الجسدَ كُلَّه يَكونُ سَليمًا.
وأخيرًا، على المؤمِن ألّا ينسى شفاعةَ العذراء الّتي لا مَثيل لها، وهُنا نَتذكَّرُ قَولَ الآباءِ الأقدَمِين وخصوصًا القدِّيسِ أفرام: “مَن كانَ للعذراءِ عَبدًا، فلن يُدركَهُ الهلاك أبدًا”. إخوَتي، إنَّ هذهِ الكَنيسَةَ الّتي نَجتَمِعُ فيها اليوم، قد أسسَّتها مجموعةٌ مِن الرُّهبانِ والكَهنةِ مِن عائلةِ تابت، وقد سَمَحَ المطرانُ ضومط، آنذاك، بتأسيسها كما سمَح للمؤمِنِين بالاحتفال فيها بالقداديسِ كُلَّ نَهارِ أحدٍ، ما جَعل هذه الكَنيسَةَ مَنارةً لهذا الحيِّ الموجودَةِ فيه.
إنَّ أفرادَ عائلةِ تابت الّذينَ قَدَّموا هذه الأرضَ لإنشاءِ هذه الكَنيسَةِ، قد طلبوا إلى أبناءِ هذه البلدةِ تَقديمَ قدَّاسٍ سَنَويٍّ مِن أجل راحةِ أنُفسِهم؛ ومنذ ذلك الحين إلى يَومِنا هذا، ما زالَت هذهِ الرَّعيةُ ملتَزمةً بذلك. إخوَتي، إنَّ أجدادَنا كانوا مُدرِكِينَ أهميّةَ الصّلاةِ مِن أجلِ راحةِ أنفُسِ الموتى، لذا قامَ العديدُ مِنهم بِوَهبِ أراضِيهِم إلى الكَنيسَةِ والأديار، مُقابِلَ التِزامِ هَؤلاءِ بِالصّلاةِ لراحة أنفُسِهم من خلالِ الاحتفالِ بالذَبيحةِ الإلهيّة. هذا ما يُبرِّرُ وجودَ لائحةِ إلزاماتٍ في كُلِّ سكرستيِّا، تُدوَّنُ فيها التزاماتُ أبناءِ هذهِ الرَّعيّةِ وعلى رأسِهم الكاهنُ الّذي يَخدمُهم، وبالتَّالي أهميّةَ الإيفاءِ بهذه الالتزامات. هُنا، إخوَتي علينا ألّا ننسى تَقديمَ الصَّلواتِ والقَداديسِ مِن أجلِ راحةِ الأنفُسِ المطهريّةِ المنقطعةِ، فالّذي يُصلّي من أجلِ هؤلاء يَنالُ نِعمةً مِن الربِّ، إذ يقوم هؤلاء بالصَّلاةِ من أجلِه حين ينتقلون إلى السَّماءِ بَعد إنهائِهم مَطهرَهُم.
بَعد كُلِّ الّذي ذَكرناه في هذه العِظة، نَكتَشفُ أهميّةَ وجودِ جماعةِ “أذكرني في ملكوتِكَ”، الّتي تقومُ على الصّلاةِ من أجلِ راحةِ أنفُسِ مَوتانا، وخصوصًا الأنفسِ المطهريّةِ المنقطعة. لذا، نُصلِّي في الختامِ، من أجلِ جَميعِ مَوتانا، وخصوصًا مِن أجلِ الّذينَ وَهَبوا أرضَهُم لإنشاءِ هذه الكنيسةِ الّتي نتواجدُ فيها اليوم، من دونِ أن ننسى الصَّلاةَ من أجلِ الأنفُسِ المطهريّةِ المنقطعة، الّتي تُذكّرُنا بهم العذراءُ مريم، سيِّدةُ النَّجاة، شفيعةُ هذه الرَّعيّة. آمين.
ملاحظة: دُوِّنت بأمانةٍ مِن قِبَلِنا.
