إيليّا النبي وسحابة الخلاص

بقلم الأب ايلي خنيصر ق.ب

إيليا النبيّ، هو رجلُ الله الذي يصنعُ المعجزات في عصرٍ ابتعدَ الشعب فيه عن عبادة الله عندما دخلوا أرض الميعاد. واجه إيليّا كهنة “بعل”، ووبّخ الشعب الذي ضلّ وابتعد عن وصايا الله. واجه آحاب الملك، الذي نقضَ العهد مع الرب، حين تزوّج من امرأة وثنية، وقد كانت، إيزابيل زوجته، السبب في انحرافه وانحراف شعبه نحو الوثنية. هو من تشبة- الأردن، لا نعرف شيئاً عن ماضيه، لكن كلّ ما نعرفه أنّ الله كان معه، تماماً كما كان مع موسى الذي صنع المعجزات بقدرة الله. أقام إيليا، بكلمته أقام ابن الأرملة من الموت، وبكلمته حبس السماء 3 سنين و6 أشهر، وأنزل النار من السماء على المحرقة، على جبل الكرمل. فحين رأى أنّ الشرّ وصلَ إلى عينَي الرب، قرّر بحكمة أن يردع الشعب عن أعمال تهين الله، فكانت الطريقة “الجوع والعطش”، بذلك يعودون إلى اختبار عاشه أجدادهم حين كانوا في الصحراء وكان الله يُطعمهم ويسقيهم. “لن يكون هناك مطر إلاّ حين أُعلن أنا ذلك”، بهذه الكلمات واجه إيليّا إله الكنعانيّين “بعل”، وقد اعتبروه إله الخصب. ضرب الأرض بالويل الشامل حين حبس السماء من الخيرات. كارثةٌ كبيرةٌ امتدّ بلاؤها إلى الجميع، الأبرار والأشرار، وقد طالت إيليا بذاته. فالتجأ إلى امرأةٍ من شدّة جوعه، فعجنت له قليلاً من الدّقيق وأطعمته. إنها ضربةٌ قويّة، حوّل فيها السماء إلى نحاس، فجفّت الينابيع ويبِسَ العشب وماتت الأسماك والحيوانات والطيور. أقفلتِ السماءُ أنفاسها من فوق، فسمِعَتْ صراخَ من هم تحت، يستنجدون ببعل، ولكن أين هو؟ هناك ربٌّ واحدٌ مصدر كل خير، هو إله العهد والوعد والصادق في  كلامه.

وفي السنة الثالثة للقحط، وبينما كان الملك يطلب إيليّا في كل مكان، تمّ لقاؤهما على جبل الكرمل: الخيرات آتية من بعيد بحجم راحة كفّ يد. هكذا وعد النبي الملك. ولا ننسى أنّ دور النبي في أرض إسرائيل، كان يعلو شأناً عن دور الملك. فالنبيّ، ينصّب الملوك وينزلهم عن عروشهم، يسمع كلمة الله ويقرأ وضع الشعب، وينذره بالخطر إذا ابتعد عن الوصايا، وبالمكافأة إذا كان مطيعاً لله.

“لن يكون هناك مطر”، بهذه الكلمات بشّر النبيُّ الملك الخائن، بالويلات…

“اذهب، وكُلْ، واشرب، فها صوت دويّ المطر”، وبهذه العبارة بشّره بالبركات الآتية من سحابة صغيرة.

ظهرت في البعيد، صغيرة جدًّا. صلَّى إيليّا وهو على الجبل لكي تفيض السماء خيراتها، فما أن أنهى توسُّلَه حتى غطّت السحابة كل السماء وانفجر منها دويّ الرعود وسقطتْ منها الأمطار وعادت الحياة إلى الأرض. لكن، كيف نقرأ من خلال هذا الحدث الصوَر المتشابهة مع حضور مريم العذراء في الزمن؟ ولماذا سُمّيَت مريم بسحابة إيليّا النبيّ؟

1- يبدو الوعد بالمرأة في سفر التكوين، شبيهاً ببعد السحابة التي رآها إيليّا آتية من بعيد (الوعد بالخلاص).

2- يبدو انتشار السحابة في سماء فلسطين كولادة مريم وجهوزيّة الزمن لتحقيق الوعد يوم البشارة.

3- يبدو تساقط المطر الغزير مع دويّ الرعود، كبشارة يسوع الذي أروى بتعاليمه ظمأ البشرية التي شابهت الأرض القاحلة. نعم لقد فتحت مريم العذراء أبواب السماء وظهرت كالسحابة التي تحمل مطراً إلهياً سيخصب الأرض ويعيد إليها الحياة بعد أن أقفل الله الفردوس بوجه آدم وحواء ومات الكل بخطاياهم، ومنذ ذلك الوقت، يصرخون ليلاً نهاراً: ليتك تشقّ السموات وتنزل.

ظهرت مريم العذراء في العهد الجديد كسحابة إيليّا في العهد القديم، تحمل ماء الحياة الذي سيتحوّل فيما بعد، إلى خمرة إلهيّة حين تأتي الساعة.

نتأمّل من خلال هذه اللوحة، بحضور الربّ يسوع ومريم في ملء الزمان لكي تدبّ الحياة في الأرض مجدّداً فيَستقي كلُّ إنسانٍ من المياه التي تدفّقت من قلب المخلّص من خلال السحابة، مريم، التي ملأها الله من مياه النعمة. فيا مريم أُمنا، أنعشي نفوسنا العطشى بمياه السماء التي ملأك الله منها أعني المسيح إلهنا.

فمع آباء الكنيسة نهتف في عيد إيليّا النبي مرنّمين: “أيتها السيّدة الطاهرةُ، إنّ إيليّا صام وصلّى، فأنزل المطر الـمُروي الأرض القاحلة، أمّا أنتِ فإنّ الروح القدس ظلّلكِ وأظهركِ سحابةً وردَ منها المسيحُ إلهنا، الماءُ الحيّ الـمُروي الخليقة كلّها” (من صلاة الغروب 23 حزيران بحسب الطقس البيزنطي).

“يا والدة الإله الأمّ البتول، إنّ السيّد قد انحدرَ من أحشائكِ كالمطر، بل كالسَّيلِ العظيم، فروّى الأرضَ الجديبة بِقُحطِ الكُفرِ وبجفِّ بحور الضلال” (من صلاة السَّحر ليوم 21 كانون الأوّل من الطقس البينزطي).

Instagram
Copy link
URL has been copied successfully!
WhatsApp